تنفرد "الحياة" بنشر تفاصيل تقرير بعثة تقصي الحقائق عن احداث قرية الكشح في صعيد مصر الذي اصدرته "المنظمة المصرية لحقوق الانسان" قبل اسبوع، وسجل مفاجأة، لكونه ينفي ملامح "العنف الطائفي" عما جرى في القرية مطلع العام الجاري من مصادمات، ادت الى مقتل 21 مصرياً منهم 20 قبطياً. وتسبب التقرير في ردود فعل بين المراقبين تراوحت بين التأييد والاعتراض على مضمونه. غير ان القائمين على المنظمة استندوا الى شهادات وافادات لشهود عيان، ومعطيات جديدة، جميعها غير معلوم، ولم يعلن عنه حتى الآن، وجاء نشرها ليقلب الموازين، ويقدم تفسيرات منطقية لسير الاحداث، تخالف ما تواتر من انطباعات وتحليلات عن "الفتنة الطائفية". ويشار الى ان المعلومات الواردة في التقرير، تتضمن وصفاً للقرية، وملابسات الاحداث، وملاحظات المنظمة على شهادات الشهود، اما التقرير النهائي، فقد اعلنت المنظمة انها ستصدره في وقت لاحق، بعد الاطلاع على تحقيقات النيابة العامة. تتبع قرية الكشح إداريا مدينة دار السلام في محافظة سوهاج، وتقع على مسافة 65 كيلو متراً من مدينة سوهاج، وتعد آخر الحدود الجغرافية للمحافظة، والدخول إلى الكشح يكون عبر الطريق الصحراوي الرابط بين القاهرة وأسوان. وتبلغ مساحتها نحو 6 كيلو مترات مربعة، ويضم زمامها نحو 1500 فدان، وتشغل الكتلة السكانية نحو 247 فداناً يمتلك المواطنون المسيحيون حوالى نصف المساحة المزروعة، وأكثرهم إمتلاكاً للاراضي الزراعية عائلات أبناء شكر الله نحو 50 فداناً، والباقي يمتلك مساحات تتراوح ما بين ربع فدان وفدان واحد. ويمتلك المواطنون المسلمون باقي المساحة المزروعة، وابرزهم عائلات أبناء طاهر حسن بكر عبدالخالق واشقاؤه، 150 فداناً والباقي موزَّع بمساحات تتراوح بين ربع فدان وفدان واحد. ويقدر عدد سكان الكشح طبقاِ لتقدير المجلس المحلي لعام 1999 بنحو 24618 نسمة منهم 12586 ذكور 12032 إناث، والتقديرات الشعبية تقدرها ب 35 ألف نسمة، 70 في المئة يدينون بالمسيحية، و30 في المئة يدينون بالإسلام. ويرجع تاريخ الكشح إلى نحو ألف عام، عندما هاجر البعض من قنا قاصداً أديرة مدينة أخميم، وعثروا في الطريق على آثار "كنيسة الملاك" التي أنشأتها الملكة هيلانة، أم الملك قسطنطين، وكانت الكنيسة مطمورة بالرمال، فقاموا بالتنقيب عنها حتى ظهرت ثم اكملوا رحلتهم وطلبوا من راعي دير أخميم أن يعيشوا إلى جوار الكنيسة المكتشفة، فاستجاب لطلبهم، وسميت منذ ذلك الحين "الكشح" وتعني لغة "ذهب وتفرَّق" وهو ما حدث لهم. وطبقاً للروايات الشعبية تعتبر عائلة "القمامصة" أول من سكن الكشح من الأقباط وعائلة "الكراشوة" أول من سكنها من المسلمين، وتتكون الكشح من 12 عائلة، 8 عائلات قبطية و4 عائلات مسلمة. وفي القرية أربعة مساجد وزاوية صغيرة لصلاة المسلمين وفيها خمس كنائس. وتعتبر الكشح من القرى المتميزة في الخدمات مقارنة بمثيلاتها، مع الوضع في الاعتبار ان كثيراً من المنشآت الخدمية تهالكت ولم يتم تجديدها، فيوجد فيها مدرستان للمرحلة الابتدائية ومدرسة للمرحلة الإعدادية ومعهد أزهري، ووحدة صحية، وأخرى بيطرية، ومركز شباب، ومركز للشؤون الاجتماعية، ومكتب بريد، وبنك صغير، ومحطة مياه، وسنترال نصف آلي، وجمعية زراعية، وآخر تعاونية ومخفر شرطة. ويتبع الكشح مجلس بلدي يتكون من 21 عضواً، ويمثلها 6 اعضاء 3 مسلمين و3 اقباط. وتقع الكشح في الدائرة الانتخابية لمدينة دار السلام ويمثلها في البرلمان النائبان حسن توفيق وعطية بربري. ويغلب على الكشح طابع المدينة، ويبدو ذلك من خلال النشاط التجاري الذي تمارسه، فهي تعد مركزاً اقتصادياً وتجارياً للقرى والمراكز المجاورة في محافظة سوهاج. وهذا التعدد في الانشطة يعد مصدراً لجذب سكاني لممارسة الانشطة التجارية والاستقرار فيها، عكس الطابع الغالب في محافظة سوهاج الذي يجعلها "طاردة للسكان بحثاً عن العمل"، ويبلغ عدد المحال التجارية والورش في القرية 532 محلاً وورشة يملك المسيحيون منها 517 والباقي للمسلمين. الطبيعة السكانية تعتبر الكشح ذات طبيعة ديموغرافية مختلفة وفريدة عن باقي قرى الريف المصري، إذ يعمل المواطنون المسيحيون في الانشطة التجارية والمهنية والصناعية والحرفية، اضافة إلى إمتلاك جزء من الارض الزراعية، بينما يعمل المواطنون المسلمون في القطاع الزراعي التقليدي. ومن الاختلاف في الانشطة والاعمال الى الاختلاف في اماكن السكنى، إذ يقيم المواطنون المسيحيون ويعملون في النواحي البحرية والشرقية والقبلية في شكل محيط وكتلة سكنية واحدة، في داخلها محالهم التجارية، ويقيم المواطنون المسلمون في الناحية الغربية إلى جوار اراضيهم الزراعية. وتختلف اسماء الشوارع داخل كل كتلة سكنية صليب بشيت، الامير تادرس، الملاك غبريال... ومن ناحية أخرى عمر بن الخطاب، الامام الحسين، الشيخ الشعراوي.... وتنعدم في الكشح اشكال المشاركة السياسية وما يرتبط بها من انشطة ثقافية وفكرية إذ لا يوجد اثر او دور لأحزاب سياسية، سواء الحزب الحاكم او احزاب المعارضة، وعلاقة أهالي القرية بالاحزاب والممارسة السياسية، تتم فقط من خلال معرفتهم باسماء وصور قيادات الاحزاب السياسية التي تتوافد الى القرية، إبان الانتخابات الاشتراعية والبلدية، وعقب الانتخابات يتفرق المواطنون الى شواغلهم وهمومهم، ولا شيء يجمعهم سوى خُطبة صلاة الجمعة وقداس الأحد. بيئة الاحداث فرضت الاحداث الدموية وما اسفرت عنه مقتل 21 مواطناً، تساؤلاً مهماً، هل الحادث عارض؟ أم أنه نتيجة واقع مجتمعي؟ وللاجابة عن هذين السؤالين لا بد من تفهم الواقع وبيئته. في شارع بورسعيد، وهو الشارع التجاري الرئيسي في القرية، ثمة أكشاك خشبية يمتلكها مواطنون مسلمون مقامة أمام محلات تجارية يمتلكها مواطنون مسيحيون، ففي مواجهة ثلاثة أمتار مربعة توجد الاكشاك الخشبية التي يمتلكها المواطنون المسلمون. وتعتبر الاكشاك نموذجاً شائعا في مصر كأماكن للبيع والشراء تقع في أدنى سلم النشاط التجاري، فحيث يوجد سوق شعبي توجد اكشاك خشبية وباعة جائلون موجودون في نهر الطريق وعلى الأرصفة، حيث يتنافسون على اجتذاب الزبائن بأسعار ادنى وبضائع أجود، وتجمعهم اعراف وتقاليد تنظم التنافس التجاري وتلزم الجميع بشروط الوجود في السوق اهمها ان يشق الزبائن طريقهم الى المحلات التجارية بسهولة ويسر، واي اخلال بهذين الشرطين يمثل اعتداء ومحاربة في الرزق. وهذا ما حدث في الاكشاك الخشبية في قرية الكشح، إذ اعتبر وجودها محاربة في الرزق وبدلاً من تنظيمها كان التفكير في إلغاء وجودها. يفسر هذا لماذا كانت الأكشاك جزءاً من الاحداث، بل أهم عامل فيها، وذلك عندما انتقلت مشاجرة الجمعة 28 كانون الاول ديسمبر الماضي من شارع احمد عرابي الى موقع الاكشاك في شارع بورسعيد الذي لا يوجد فيها أي من اطراف المشاجرة. وتلقت البعثة روايات مختلفة من شهود العيان بشأن تاريخ بناء الاكشاك، فيؤكد المواطنون المسيحيون أن إنشاء الاكشاك لا يتجاوز السنوات العشر، بينما يؤكد المواطنون المسلمون أن تاريخها يتجاوز 50 عاماً. وقدم بعضهم مستندات صادرة قبل العام 1980. وتأكد للبعثة أن هناك قرار إزالة سبق صدوره من رئيس الوحدة البلدية لقرية الكشح لرفع تلك الاكشاك المخالفة، بينما اوقف تنفيذه محافظ سوهاج بتاريخ 21 آذار مارس العام الماضي بناء على طلب عضو مجلس الشعب البرلمان حسن رضوان. ولم يتأكد للبعثة الاسباب التي دفعت رئيس الوحدة البلدية في الكشح ومحافظ سوهاج لاتخاذ هذين القرارين. بداية الاحداث يتفرع شارع احمد عرابي من شارع بورسعيد من الناحية الشرقية ويوجد به 121 محلاً تجارياً يمتلكها مواطنون مسيحيون ويقيم في الشارع مواطنون مسيحيون فقط، وفي نهايته يتقاطع مع شارع الشيخ فتح، حيث يقع 15 منزلا لمواطنين مسلمين مجاورين لمقابر المسلمين. في نحو الساعة 30.3 عصراً يوم الجمعة 31 كانون الاول الماضي، أمام المحل رقم 65 لمالكه راشد فهيم منصور أبو عروق، لتجارة الاقمشة والخردوات، حضرت سيدة ما زال تحديد هويتها مجهولا حتى الآن لاسترجاع بضاعة سبق شراؤها من التاجر، وأثناء حوارها مع ايمن، نجل التاجر حدثت مشادة كلامية بين الثلاثة انتهت بانصراف السيدة، وفي تلك الأثناء صودف وجود عوض حسين من أهالي القرية ولا يقيم في شارع أحمد عرابي وجرى حديث مع التاجر وابنه بشأن تعديهم بالقول على السيدة، ثم تطور الأمر إلى مشاجرة. وفي نحو الساعة الرابعة عصراً، أثناء توجه التاجر راشد فهيم الى مخفر الشرطة لتقديم شكوى ضد عوض حسين، وعند الجسر القبلي - على مقربة من المخفر - استوقفه بعض اقارب عوض حسين، وتجددت المشاجرة مرة اخرى بحضور اقارب راشد فهيم، وانتهت المشاجرة بين الطرفين الساعة 30.4 عصراً تقريباً، ورفض المقيمون واصحاب المحلات في شارع احمد عرابي الإدلاء بشهادتهم للبعثة باستثناء صاحب العقار الموجود به محل راشد. واثناء آذان المغرب وفي شارع بورسعيد وبعد انصراف اصحاب الاكشاك من المسلمين لتناول طعام الافطار تزامنت الأحداث مع شهر رمضان، قام بعض المواطنين المسيحيين باتلاف وتحطيم الاكشاك الخشبية، عدا ثلاثة اكشاك مملوكة لمواطنين مسيحيين. وردّ بعض الأهالي من المسلمين بتحطيم الاكشاك، فقام بعض منهم باتلاف وتحطيم عشرة محلات تجارية مملوكة لمواطنين مسيحيين تقع في نهاية شارع بورسعيد وشارع مكتب البريد واستمرت هذه الوقائع حتى الساعات الأولى من صباح السبت. وفي اليوم التالي غلب على قرية الكشح الهدوء النسبي وشهدت حال استنفار امني وحضور بعض اعضاء المجالس الشعبية والبلدية وكبار العائلات الذين اتفقوا على إنهاء الموضوع صلحاً، وأن يتوجه اصحاب الاكشاك المسلمين صباح الاحد لاصلاح ما تم إتلافه مساء الجمعة. في نحو الساعة 30.9 صباحاً تقريباً من يوم الاحد، وحال توجه اصحاب الاكشاك الى شارع بورسعيد لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في جلسة الصلح كان هناك تجمع من بعض المواطنين المسيحيين ينتظرون في الشارع لاستكشاف ما سيؤول اليه موضوع إصلاح الاكشاك. ومع تصادف خروج المواطنين المسيحيين عقب القداس من الكنائس القريبة من شارع بورسعيد اعترض بعضهم على عملية اصلاح الاكشاك وتطور الامر الى مشاجرة بين الطرفين استخدمت فيها الايدي والطوب والعصى. وفي ذلك الحين دقت اجراس كنيسة الملاك ميخائيل ايذاناً للصلاة القداس لوفاة المواطن الكسان ملوك، الذي كان توفي وفاة طبيعية مساء السبت، وفسر بعض المواطنين المسلمين دقات أجراس الكنيسة بأنها إنذار لتجميع المسيحيين اعلانا عن وجود خطر يحيق بهم. وتردد أن احد المواطنين المسلمين استقل سيارة واشاع عبر مكبر صوت في الكشح والقرى المجاورة لها ان دقات اجراس الكنيسة تعلن الحرب على المسلمين في القرية وانهم في خطر، كما اشيع ايضا ان المسيحيين سمموا مياه الشرب ووجدت الشائعة الاخيرة صدى لأن العاملين في محطة المياه مسيحيون. واستمعت البعثة لروايات عدة متفاوتة بشأن الشائعة تنحصر في ان مصدرها السيارة سالفة الذكر ومئذنة احد المساجد، بينما ظلت شخصية مصدر الشائعة مجهولة. وبعد ان انتشرت الشائعات وأوغرت الصدور، بدأت الاحداث الدموية التي استمرت حتى الساعة الرابعة من مساء اليوم ذاته. وتطورت الاحداث الدموية، بإطلاق الرصاص واضرام النيران التي استهدف بها كل طرف أملاك الطرف الآخر في الكشح والقرى المجاورة لها، ولم تستطع البعثة التأكد من بدأ باستخدام السلاح واتجاهات إطلاق النيران، إذ أن لكلا الطرفين رواية تفيد أن الطرف الثاني هو الذي بدأ بصورة عشوائية، وان هناك اشخاصاً معينين هم الذين فعلوا ذلك، فسقط 21 قتيلاً واكثر من ثلاثين مصابا في الكشح وفي القرى المجاورة لها. وانتهت الاحداث في الكشح حوالى الساعة الرابعة مساء مع وصول الحشود الامنية والقيادات رفيعة المستوى من القاهرة، وبدأت عملية البحث عن جثث القتلى، التي دفن منها 17 قتيلاً يوم الثلثاء 4 كانون الثاني يناير الماضي، واستمر دفن الباقي تباعاً. وعلى مدى يومي الاحد والاثنين امتدت اعمال الحريق والإتلاف في أملاك المواطنين المسيحيين المقيمين في القرى المجاورة للكشح. ومع انتهاء اعمال البعثة يوم الجمعة 21 كانون الثاني كانت الاوضاع في القرية على النحو الآتي: أ- استمرار تمسك كلا الطرفين برؤيته للاحداث بصورة تبرئه وتدين الطرف الآخر. ب- يكاد يكون هناك عقل واحد صاغ ولقّن الروايات لكلا الطرفين، إذ ان الروايات واحدة ومحددة بالاشخاص، والاماكن وتتجه نحو اتهام اشخاص معينين في الوقت الذي لا توجد فيه اي شواهد او أدلة على صحة ذلك. ج- اصرار المواطنين المسيحيين على تصوير الاحداث وتوجيهها فقط تجاه اتهام شخص معين في جهاز الامن نظرا لدوره في احداث الكشح 1998، ومن الغريب ان الشخص نفسه يتردد اسمه ويتحمل المسؤولية الكاملة حتى في روايات الاطفال. د- تكريس مشاعر البغض والكراهية لكلا الطرفين تجاه بعضهما، واصبح كل طرف لا يتجول إلا في محيطه وكتلته السكنية، مع تأكيد المواطنين المسلمين بعدم التعامل التجاري مع المواطنين المسيحيين. ه- استمرار ترك المواطنين المسيحيين لمنازلهم التي تعرضت لاعمال حرق واقامتهم عند اقاربهم داخل القرية. و- استمرار رفض المواطنين المسيحيين لاعادة بناء اكشاك المواطنين المسلمين في شارع بورسعيد، في الوقت الذي شرعت فيه الجهات التنفيذية في إعادة بناء تلك الاكشاك بالطوب والاسمنت بدلاً من الخشب.