تمثل الرحلة من وسط بلدة النبطية الى قرى المواجهة مع اسرائيل، مثل كفر تبنيت وارنون ويحمر وغيرها من القرى الواقعة في هذا القاطع من جنوبلبنان، صورة شبيهة الى حد كبير بما يحدث لعشرات القرى والبلدات الواقعة على طول الشريط الذي تحتله الدولة العبرية. وكانت أنباء تفجير اسرائيل لعشرات المنازل في بلدة أرنون قبل حوالي شهرين تمهيداً لإقدام قواتها قبل أيام على ضمها الى بقية القرى الخاضعة لاحتلالها في جنوبلبنان. حين قررت زيارة أرنون بعد أسبوع على هدم منازلها كانت نصيحة سكان القرى المجاورة ألا أذهب اليها بسيارة خاصة، ونصحوا بالاستعانة بسيارة من سيارات الأجرة المعروفة لجنود الاحتلال أو العناصر التابعة لجيش لبنانالجنوبي المرابطة في قلعة أرنون حيث ترصد ليل نهار التحركات في محيط المنطقة خشية تسلل عناصر المقاومة اليها، ومهاجمة الدوريات الاسرائيلية التي لا تهدأ، خصوصاً انها تسلك الطريق الى قلعة الشقيف من خراج البلدة. سائق السيارة التي أقلتني وعبرت كفر تبنيت بعد خمس دقائق، أبلغني بلغة جافة انه لن يكون بوسعه انتظاري عند البركة، وهي آخر نقطة تصل اليها السيارات، وبعد لحظات، أردف: "سأغادر المنطقة وأعود لألتقاطك بعد ساعة حتى لا يشعر جنود الاحتلال أو عناصر جيش لبنانالجنوبي المرابطين الى جانبهم بأن هناك غرباء في البلدة". لم يفسح السائق أمامي مجالاً للتعليق، ونصحني باخفاء الكاميرا وآلة التسجيل، والتصرف كأنني أحد أبناء أرنون الذين أتوا لتفقد منازلهم. عند البركة، كان الهدوء ذلك الصباح المشمس مخيفاً. سيدة متقدمة في السن تتكئ على حائط وتتبادل حديثاً مع أحد سكان القرية. ذلك هو الشيء الوحيد الذي كان يقطع ذلك السكون. على رغم النظرات المستغربة باتجاهي، سارعت بإلقاء التحية، والاستفسار عن الوضع الأمني. بادر رجل الى القول: "لقد غادروا منذ وقت قصير". وحين استفسرت عن المغادرين، قال انها دورية تابعة لجيش لبنانالجنوبي نزلت أطراف البلدة منذ نحو ساعة قبل ان تعود الى مواقعها في القلعة. من الساحة المعروفة بالبركة والتي تحيط بها حقول التبغ سرت برفقة الرجل الذي قال لي ان السيدة التي ورد ذكرها قبل قليل تأتي كل صباح لتنتظر وصول مسؤول قد يبادر الى تعويضها عما لحق بمنزلها من تدمير. رفض مرافقي ذكر اسمه. وقال له رجل آخر التقيناه في ساحة البلدة التي لا تتجاوز مساحتها بضعة عشرات من الامتار المربعة، وتحيط بها منازل خالية من سكانها، انه يقيم في البلدة لكنه يخشى ان يتعرض للأذى على يد جنود قوات الاحتلال أو عملائهم. ماذا حصل في القرية أصلاً؟ أجاب محدثي بأنه استيقظ يوماًمع اسرته ليجد قوات الاحتلال وقد سوت منازل المواطنين، حسن نايف وعفيف نايف ومحمد سليم قاطبية وعلي محمد ويوسف شرف الدين، بالارض، وبعد عشرة أيام حضرت قوة عسكرية عن طريق القلعة وهدمت حوالي عشرين منزلاً. يبلغ عدد سكان أرنون المسجلين في لوائح الانتخاب 1150 مواطناً، لا يقطن منهم حالياً سوى 27 شخصاً في البلدة. وان أربع أسر غادرت البلدة بعد تفجير هذه المنازل والباقون قالوا أنهم لن يغادروها الا إذا أجبرتهم السلطات الاسرائيلية على ذلك. وتعود مشاكل بلدة أرنون مع القوات الاسرائيلية الى العام 1982 حين اجتاحت القوات الاسرائيلية معظم أرجاء لبنان ووصلت حتى العاصمة بيروت. وراوحت الاعتداءات على أرنون بين تعرضها للقصف المدفعي والصاروخي أو هدم المنازل وتهجير السكان. وقال المرافق ان اسرائيل حين اجتاحت البلدة في 1982 دمرت عبر قصفها من الجو حوالي 20 منزلاً. ويبلغ عدد الذين قضوا من سكان أرنون بسبب الاعتداءات الاسرائيلية 20 شهيداً. ولا يجرؤ كثيرون على زيارة البلدة المشهورة بزراعة التبغ والحنطة، خصوصاً إذا كانوا آتين في مواكب جماعية. ويقول أحد السكان: "إن مواكب لصحافيين وزعماء محليين تعرضت لنيران القوات الاسرائيلية من مواقع مختلفة، مما كان يرغم الزوار على المغادرة سريعاً". وباستثناء قطط تتنقل في ساحة البلدة الصغيرة التي تقع منازلها على بعد 150 متراً من الموقع الاسرائيلي، فإن من الصعب رؤية انسان أو سماع صوت. وقال رجل مسن ان الطريق الى قلعة الشقيف عبر أرنون يشهد دوريات مكثفة خلال الليل، وذكر ان المأساة التي عاشها السكان لا توصف، "فيوماً تأتي دوريات قوات الاحتلال لتجبرنا على التجمع والوقوف عند البركة. وأحياناً يطلقون النار عشوائياً وسط منازل البلدة لإرهاب من بقي من السكان لإجباره على الرحيل". ويقول أحد الذين انضموا الى الحديث معنا، ان الاسرائيليين فتحوا جبهة حول أرنون وتعرضت منازل في محيط البلدة لأضرار. وعزا أفراد دورية لقوات جيش لبنانالجنوبي داهمت منازل البلدة صباح اليوم التالي ما حدث الى تعرض دورية اسرائيلية لنار من خراج أرنون وهو أمر لم يكن صحيحاً حسبما ذكر. وأشار مواطن آخر الى ان الدورية التي زارت البلدة هي التي أطلق أحد عناصرها قذيفة آر.بي.جي، قبل ان تبادر بقية المواقع الاسرائيلية المحيطة بالبلدة الى فتح نيرانها الكثيفة. ويوضح رب أسرة مؤلفة من 7 أشخاص ان معظم ابنائه يعيشون خارج البلدة، وان معظم أبناء البلدة المؤلفة من 500 منزل منتشرون في مدن وبلدات لبنانية عدة. "الى البركة أو الساحة" وهي آخر نقطة لوصول السيارات، هكذا أشار السائق الذي كان بانتظاري طالباً مني العودة الى السيارة والمغادرة في الحال. وفي كفرتبنيت المجاورة لأرنون، تبدو الحركة في شارع البلدة الرئيسي أفضل، ويعزو المختار يوسف ياسين ذلك، الى الثقة التي زرعها وجود وحدات من الجيش اللبناني بين السكان ويضيف نحن نختلف عن أي قرية اخرى بمشكلتنا مع اسرائيل، لأن قلعة الشقيف في مواجهتنا حيث تتمركز قواتها، اضافة الى وجود مواقع مهمة مثل البرج وعلي الطاهر والدبشة وهذه مواقع عسكرية كثيراً ما تتعرض ترسانتها العسكرية هناك لقريتنا. وأشار الى ان اسرائيل دمرت حوالي 60 منزلاً بشكل كامل في السابق. وقد تشرد اصحاب هذه المنازل ولم يحصلوا على التعويضات الكاملة. ويقول ياسين ان اسرائيل كثيراً ما تلجأ الى حرق المزروعات وإتلاف موسم الزيتون. ويقدر عدد سكان بلدة كفرتبنيت ثمانية آلاف نسمة، وأشار الى انه منذ التوصل الى تفاهم نيسان ابريل 1996 خفت حدة الاعتداءات الاسرائيلية التي تتعرض لها القرية وكانت تلك الهجمات تجبر السكان على مغادرة منازلهم. ويتهم اسرائيل بأنها تخترع هذه الذرائع لتبرر قصف المدنيين. لكن ياسين الذي يزوال تجارة العطور ويتنقل بين قريته والعاصمة أردف يقول: "ان اسرائيل تحتل ارضنا، ويجب أن لا تتوقع ان نقذفها بالورود". وثمة مواقع عسكرية مثل علي الطاهر والبرج وهي من الأماكن التي لا تخلوا من ذكرها وسائل الإعلام اللبنانية والعالمية، ويقع هذان الموقعان في خارج بلدة كفرتبنيت. ويأخذ المختار يوسف ياسين فرصة الحديث مرة ثانية ليقول: "إذا وافقت اسرائيل على الانسحاب، فإن على المقاومة وقف العمليات التي تتعرض لها، لأنه في هذه الحال يجب ان يكون الموقف من الدولة العبرية شأناً عربياً، وليس موقفاً تتخذه أحزاب وحركات محددة. وأوضح ان الحقيقة القائمة تتمثل في ان اسرائيل دولة موجودة في المنطقة. وأن الحل السلمي يتطلب ان يوافق أركان الدولة العبرية على مبدأ الأرض في مقابل السلام". وتتعرض كفرتبنيت وأرنون وزوطر لاعتداءات اسرائيلية أكثر من غيرها من القرى المجاورة بعد كل عملية عسكرية ينفذها رجال المقاومة الوطنية أو الاسلامية. ولا يخشى سكان هذه القرى أو تلك الواقعة في اقليم التفاح مثل جرجوع وجياع وغيرها التهديدات التي تطلقها اسرائيل. وقال أحد المواطنين الى "الوسط": "لقد تعودنا على التهجير والقصف وأشياء اخرى كثيرة، ولذلك فإذا تعرضوا لنا، فإن المقاومة سترد بعنف وسيدفع مواطنوهم ثمناً غالياً. النبطية: معاناة ونضال أما الدكتور مصطفى بدرالدين رئيس بلدية النبطية الذي يشهد سكان المدينة بأن جهوده ساهمت في اعطاء المدينة صورة جديدة عما عرفت به في السابق، فقد رأى "ان مشاكل سكان النبطية ومحيطها تتأثر كثيراً باستمرار بسط قوات الاحتلال لسيطرتها على جزء غال وعزيز من جنوبلبنان وتهديدها وتعرضها للجزء الآخر". وأوضح ان النبطية فقدت خلال الحرب موقعها الاقتصادي والاجتماعي بسبب الظروف التي مرّ بها جنوبلبنان في العقود الثلاثة الماضية. ووصف الدكتور بدرالدين النبطية بأنها "رأس الحربة في مقاومة الاحتلال، والاهمال الذي عانت منه النبطية على الصعيد الصحي والتعليمي ساهم الى حد كبير في زيادة معاناة الجنوبيين. والاتصالات مع المسؤولين المعنيين نجحت الى حد كبير في سد الثغرات، لكنها لم تصل الى الهدف المنشود". ويقطن في النبطية حوالي 100 ألف نسمة بينهم 70 ألفاً من سكانها الأصليين. ويعلق الدكتور بدرالدين على الطفرة العمرانية التي شهدتها بلدات وقرى الجنوباللبناني بالقول انها تعكس تعلق الجنوبي بأرضه وقريته. ومن مدينة النبطية الى صور على الساحل الجنوبي عبر بلدة أنصار التي اشتهرت بتحويلها سجناً كبيراً على يد القوات الاسرائيلية اثناء غزوها لبنان في 1982 تكاد الطرقات تكون أفضل الطرق في لبنان منذ عقود.، من صور باتجاه قرى القطاع الأوسط عبر منطقة الحوش، وبلدة قانا الشهيرة - التي شهدت أبشع مجازر القرن العشرين في آذار مارس 1996 عندما تعرضت القوات الاسرائيلية للمدنيين الذين احتموا بمقر لقوات الطوارئ الدولية وقتلت العشرات منهم - تكاد الأبنية الملتصقة على طول الطرقات تجعل الطريق الممتدة على مدى 30 كيلومتراً بين صور وتبنين عبر باتولية وحناوية وصديقين وغيرهم من القرى وكأنها وحدة متماسكة بعد ان كانت حتى وقت غير بعيد مجموعة قرى متناثرة هنا وهناك الى درجة يصعب على زائر هذه المنطقة أو الذي تنقل في أرجائها قبل عقد أو اكثر معرفة حدود كل قرية أو بلدة تقع على هذه الطرقات. ولعل قول أحد سكان بلدة النبطية بأن الحرمان والغبن الذي ميز جنوبلبنان في العقود الماضية اختفى مع عودة النشاط والحيوية الى المدن والبلدات. وتحولت البيوت القديمة المعروفة بحجارتها المأخوذة من حجارة الجبال الى بيوت تقليدية لا يستبعد ان تنطلق الاصوات بعد مدة لتطالب بالمحافظة عليها باعتبارها جزءاً من التراث. قصور ورخاء وعطاء وأكد رئيس بلدية تبنين اسعد فواز ان الجنوبيين الذين هاجروا الى أصقاع الأرض لم يبخلوا على مدنهم وقراهم في الجنوب بالعطاء، على رغم الظروف الصعبة التي عاشوها في السابق. وأشار الى ان مستوى الحياة في قرى الجنوباللبناني وبلداته اليوم لا يقل مستوى عن المعيشة في العاصمة بيروت وغيرها من المدن اللبنانية الكبرى. وأوضح رئيس بلدية تبنين ان توفير الأمور الأساسية للمواطن من ماء وكهرباء وهاتف واستقرار أمني نسبي مقارنة مع ما كان متوفراً في السابق، شجع الجنوبيين على الاستثمار في قراهم ومدنهم. وأعرب فواز عن خشيته من ان يكون للأزمة الاقتصادية في دول كثيرة لجأ اليها الجنوبيون في السابق وساعدتهم على جني ثرواتهم انعكاسات على المشاريع والنشاطات التي أقاموها في وطنهم. ورأى محمد عطاالله دكروب رئيس الجمعية التعاونية الزراعية في تبنين ان السواد الأعظم من الجنوبيين غير متفائلين بالتوصل الى حل لأزمة الاحتلال، خصوصاً "ان المقترحات الاسرائيلية التي تطلق من حين لآخر ما هي إلا بالونات تطلق في الهواء لاختبار مواقف لا تهدف بأي حال من الأحوال لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي". وأشار الى صعوبة ضمان حدود الدولة العبرية اذا انسحبت، وقال: "إن واحداً ممن يعارضون تقديم ضمانات الى اسرائيل يطلق صاروخاً أو قذائف باتجاه اسرائيل من أي بقعة في جنوبلبنان، وبالتالي من المستحيل تحميل مسؤولية أعمال من هذا القبيل للسكان المحليين". وأضاف ان الكثير من المواطنين يؤمنون بأنه اذا انسحبت اسرائيل من الجنوباللبناني، فليس هناك ما يبرر استمرار المقاومة ضدها. وقال ان الفلسطينيين على سبيل المثال منقسمون بين مؤيد لعملية السلام مع اسرائيل ومعارض لها، وفي ظل وجود مئات الآلاف منهم في جنوبلبنان، فإن من الصعب التكهن بما يمكن ان يقوم به فصيل فلسطيني معارض ضد اسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. وقال ان الخلافات بين حزب الله وحركة أمل في مناطق مختلفة من جنوبلبنان تلاشت. وتعاني قرى القطاع الأوسط من مشاكل، أبرزها التخلص من النفايات والمجاري، ولعل حديث السكان عن مشاكل من هذا النوع واهتمامها بالبيئة يعكس جانباً من الوعي الذي بدأ يبرز في أوساط سكان هذه القرى بعد ان كانت في العقود الماضية تطالب بقضايا حياتية أهم. ولم يعد التهجير الذي ارتبط بحياة أجيال من الجنوبيين منذ وقوع أول اجتياح اسرائيلي لقرى وبلدات الجنوب في العام 1978 وحتى نيسان 1996 بعد العدوان الاسرائيلي الواسع الذي كانت مجزرة قانا من أبرز محطاته، سمة من السمات التي يشترك فيها كل الجنوبيين، بل بقي ذلك مقتصراً على مهجري الشريط الحدودي وعدد من القرى والبلدات الواقعة على خطوط التماس. ويوحي وجود قوات الطوارئ الدولية في كثير من القرى والبلدات بالاطمئنان الى درجة انه لم تعد أصوات القذائف التي تطلقها الآلة الحربية الاسرائيلية تحمل السكان المدنيين على ترك منازلهم مثلما كان يحصل في السابق. وتعتبر بلدة تبنين من البلدات القديمة في التاريخ. ويعتبر موقعها موقعاً استراتيجياً. وفي العام 1948 اثناء حرب فلسطين، كانت تبنين خط الدفاع الأول. الطريق من تبنين الى بيت ياحون لا يتجاوز طوله خمسة كيلومترات وتبدو واضحة للعيان على سطح أي من المنازل المقابلة. ويخضع حاجز بيت ياحون لاشراف اسرائيلي مباشر وتديره عناصر جيش لبنانالجنوبي. ويسمح لسكان قرى الشريط مثل بنت جبيل وبيت ياحون وعين ابل وكونين ورميس ودبل والقوزح وعيترون وميس الجبل بعبوره خلال ساعات النهار. ولا توجد كثافة سكانية داخل قرى الشريط الحدودي. فبلدة مثل بنت جبيل كان عدد سكانها قبل العام 1975 يتجاوز 25 ألفاً أما اليوم فلا يتجاوز العدد ألفي شخص. اما البلدات المسيحية فيعيش فيها عدد أكبر من السكان مقارنة مع القرى الشيعية التي لا تصل نسبة سكانها ربع عددهم الأصلي في زمان مضى. قوات الطوارئ الدولية ومن يسافر في القرى المحاذية للشريط المحتل يلاحظ الفرق الشاسع بين تلك الواقعة في مناطق نفوذ قوات الطوارئ الدولية والأخرى الواقعة داخل الشريط المحتل. فمستوى الحياة في القرى الواقعة تحت اشراف القوات الدولية، مثل الطيري وكونين وبيت ياحون، أفضل بكثير على رغم انها كانت حتى وقت غير بعيد مناطق مواجهة، الا أنها حالياً تشهد حركة سكانية كثيفة، ويتمتع سكانها بالحرية التي يتمتع بها سكان قرى أخرى مثل شقرا وبرعشيت وتبنين. ويقول أحد السكان المحليين إن القوات الدولية تقدم مساعدات انسانية للسكان في قرى الشريط والقرى المحاذية له، فهناك عيادات طبية متنقلة تزور هذه القرى، خصوصاً أن غالبية السكان في المنطقة من المتقدمين في السن، ومن الصعب على هؤلاء الانتقال الى اماكن بعيدة بحثاً عن علاج. كما توزع القوات الدولية الوقود احياناً أثناء البرد الشديد أو حتى الأغطية الضرورية والطعام. وكثيراً ما يقوم أفراد هذه القوات بمساعدة المزارعين الجنوبيين في قطف الزيتون ومنتوجاتهم الأخرى في مواسم محددة، أو مرافقة بعض المزارعين الى حقولهم وتأمين الحماية المطلوبة التي تتيح لهم حصاد مزروعاتهم أو الاشراف على العناية بها. وينظر أفراد قوات الطوارئ باحترام الى عادات وتقاليد الجنوبيين. وقال أحد الضباط الايرلنديين ل "الوسط" انه عاد قبل بضعة أشهر الى جنوبلبنان ليخدم في قوات حفظ السلام الدولية للمرة الثالثة في غضون عشرين عاماً. وذكر انه لم يلاحظ خلال الفترة من 1983 إلى 1988 حصول تغير كبير، لكن التحول الكبير في قرى الجنوب بدأ يظهر في الأعوام التي تلت 1989، خصوصاً في مستوى الحياة، "فالناس ينعمون براحة أكبر واطمئنان أكثر من ذي قبل، وتضاءل خوفهم على منازلهم وأسرهم وأرضهم الى الحدود الدنيا، الأمر الذي ساعدهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي من دون خوف من تعرض قراهم وبلداتهم للقصف". وأشار الى أن عودة التيار الكهربائي بشكل دائم الى المناطق الحدودية بعد أن كانت تغرق في الظلام الدامس بعثت الدم من جديد في عروق السكان ومنازلهم وشوارعهم. ويثني القرويون في أنحاء مختلفة على ما حققته الدولة على صعيد بناء الطرق وتعزيز قطاعات الصحة والتعليم وغيرها من القطاعات التي تقدم الخدمات للمواطنين، وفي مقدم ذلك اعادة الاتصالات الهاتفية والمحافظة على البيئة من خلال زرع كميات كبيرة من الأشجار وتنظيم رمي وجمع النفايات. وقال رجل أعمال جنوبيلبناني ان الجهود في حقل الاعمار والذوق الرفيع الذي شيدت به المنازل أضفى على القرى جمالاً الى جانب جمال الطبيعة التي تتسم بها هذه المنطقة. وأبلغ قائد القوات الايرلندية في قوة حفظ السلام الدولية اللفتنانت كولونيل سينان دوتز "الوسط" ان الزيارات التي يقوم بها مسؤولون ايرلنديون على مستوى رئيسة الدولة أو رئيس الوزراء أو حتى وزيري الخارجية والدفاع "تمثل تأكيداً لالتزامنا المهمة التي نقوم بها لمعاونة لبنان على استعادة اراضيه واستقراره". ودعا الى استطلاع آراء السكان الذين يلمسون يومياً حجم اهتمامنا بالتخفيف من معاناتهم وحرصنا على مساعدتهم في كل المجالات. وذكر الضابط الايرلندي الكبير ان القوات الدولية خسرت 38 من جنودها في جنوبلبنان منذ أن نشرت فيه قبل 20 عاماً. غير انه أوضح ان بعض أولئك القتلى قضى في حوادث سير، فيما قتل آخرون اثناء تعرضهم لألغام وغير ذلك. وعن دور الكتيبة الايرلندية العاملة في قوات حفظ السلام في جنوبلبنان قال "دورنا يتمثل في تنفيذ المهمات الموكلة الى قوات حفظ السلام الدولية في المنطقة، وتطبيق القرار رقم 425 الصادر عن الأممالمتحدة. أما المهمات الأخرى التي نقوم بها فتشمل تقديم المساعدات الانسانية لسكان جنوبلبنان ودعم السلطات اللبنانية في نشر سيطرتها في هذه المنطقة ... ويأخذ تنفيذ مهماتنا اشكالاً مختلفة، مثل وضع نقاط تفتيش في مناطق عملياتنا، كذلك اقامة نقاط مراقبة مختلفة، وتسيير دوريات سيارة وراجلة". وعلى الرغم من اجواء التوتر التي تخيم على قرى وبلدات الجنوباللبناني وبشكل خاص المتاخمة منها للشريط الحدودي بعد المواجهات العنيفة بين رجال المقاومة الاسلامية والوطنية من جهة والقوات الاسرائيلية وحلفائها، يسود الاعتقاد لدى الكثيرين بأنه من الصعب على رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتانياهو التفكير بمغامرة عسكرية بعد المعادلة الجديدة التي اوجدها صمود الجنوبيين على ارضهم ودفاعهم عنها