يعيش أهل الجنوب اللبناني حالة دراماتيكية، بعد الغارة الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مبنى تسكنه ثلاث عائلات بريئة في منطقة دير الزهراني البعيدة عن خط التماس، موقعة ثلاثين قتيلاً وجريحاً، منفذة في الآونة نفسها اقتطاع قريتين جنوبيتين اضافيتين، فارضة حصاراً شاملاً على الأهالي الذين يعيشون في ظروف صعبة ومذلة للغاية. "الوسط" قامت بجولة جنوبية، واستطاعت التسلل الى قرية "يحمر" المحاصرة وعادت بهذا التحقيق. لم تكن الغارة والضم اللذان نفذتهما اسرائيل منذ فترة، هما اول اعمالها العدوانية في الجنوب اللبناني ولبنان عموماً، فقد تعرضت الحدود الجنوبية للإعتداءات الاسرائيلية منذ نكبة فلسطين، حيث نفذت مجزرة في بلدة "حولا" الحدودية في تشرين الأول اكتوبر عام 1948 وأودت بحياة 93 جنوبياً، تلتها اعتداءات وعمليات عسكرية متكررة طالت معظم قرى الشريط الحدودي المحتل حالياً، والتي كانت خرقاً لاتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان واسرائيل عام 1949 بعد اقتطاع قرى عدة لبنانية الأصل عام 1948. وفي عامي 1967 و1968 تعرض الجنوب اللبناني لقصف اسرائيلي شامل، كما اغارت الطائرات الإسرائيلية على مطار بيروت الدولي مدمرة 13 طائرة مدنية، وصدر حينذاك قرار ادانة لمجلس الأمن حمل الرقم 262، على الرغم من عدم مشاركة لبنان رسمياً في الحروب العربية - الإسرائيلية. وفي العام 1970 دخلت القوات الإسرائيلية الى قرى عدة في العرقوب ومرجعيون وبنت جبيل، وانسحبت بموجب قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 278 الا انها عاودت غاراتها على مناطق العرقوب، الخيام، كفركلا والصرفند، ولوضع حد للغارات حمل قرار مجلس الأمن رقماً آخراً 295. اما اول اجتياح اسرائيلي للبنان، فكان في العام 1972 عندما هدمت وأقفلت خلاله الجسور التي تربط المناطق الجنوبية وبخاصة جسور نهر الليطاني. وفي العام 1976، شهدت المنطقة تطورات امنية وسياسية اكثر علنية انعكست على الوضع اللبناني، حيث سيطرت اسرائيل على قرى القليعة، برج الملوك، دير ميماس، مرجعيون، كفركلا وعديسة، عبر فتح بوابتين حدوديتين هما كفركلا وميس الجبل. وفي العام 1978 نفذت الدولة العبرية اجتياحها الثاني محدثة مجازر جماعية كان ابرزها مجزرة بلدة الخيام اعدام حوالي 100 مسنّ واحتفظت اثر ذلك بنحو 800 كيلومتر مربع من اصل مساحة لبنان، وكان القرار الرقم 425 الدولي الذي ادان العملية ودعا اسرائيل الى الإنسحاب لما وراء الحدود الدولية، عقبه انتشار قوات الطوارىء الدولية على اجزاء واسعة في الجنوب، وصدور قرار آخر حمل الرقم 509 وتضمن الدعوة الى تطبيق القرار السابق الرقم 425 اثر اجتياح العام 1982 الذي طال العاصمة بيروت. بعد الإنسحاب الإسرائيلي عام 1985 من صيدا ومعظم المناطق التي احتلتها عام 1982، احتفظت اسرائيل بشريط حدودي اضيفت اليه منطقة جزين وبلغت المساحة المحتلة 1250 كيلومتراً مربعاً بعمق 8 الى 20 كيلومتراً داخل الجنوب، تشمل قرى وبلدات ومزارع موزعة على ستة اقضية في محافظتي النبطية والجنوب هي: - قضاء بنت جبيل 18 قرية وبلدة، يقدر عدد سكانها بأكثر من 90 ألف نسمة، وهي اكبر تجمع سكاني في الشريط علماً ان عدد المقيمين اليوم لا يتجاوز الثلث. - قضاء حاصبيا 13 قرية وسبع مزارع، اضافة الى مزارع شبعا المحتلة عام 1967، يقيم فيها نصف سكانها من اصل 70 ألف نسمة. - قضاء جزين 41 قرية ضمت من اصل 80 قرية اضافة الى عدد من المزارع عام 1982، ويبلغ عدد المقيمين حالياً ثمانية آلاف نسمة من اصل ثمانين ألفاً، حسب تقديرات المؤسسات الدولية. - قضاء صور 19 قرية وبلدة ومزرعة من اصل 96 احتلت ما بين 1976 - 1977 - 1988، ويقدر عدد السكان ب 32 ألف نسمة بقي منهم الثلث فقط. - قضاء مرجعيون 23 قرية وبلدة و7 مزارع باستثناء اربع قرى اي مجمل القضاء. يذكر في هذا الصدد بأن بلدة مرجعيون في هذا القضاء، تعتبر عاصمة دويلة سعد حداد "دولة لبنان الحر" التي انشأتها اسرائيل عام 1978 باسم احد الضباط اللبنانيين المتعاونين معها، والتي اصبحت في ما بعد عاصمة الدويلة اللحدية - الإسرائيلية الضابط انطوان لحد مع استحداث ما سمي بالحزام الأمني في الشريط الحدودي عام 1985. - قضاء النبطية تحتل اسرائيل في هذا القضاء يحمر الشقيف وقلعة ارنون في الإعتداء الأخير تم ضم قرية يحمر المطلة عليها قلعة الشقيف وارنون، ومزرعتين هما علي الطاهر وحمى ارنون بالإضافة الى عدد من التلال. ويرتبط الشريط المحتل بالعمق اللبناني ببوابات هي "بيت ياحون" في قضاء بنت جبيل، "البياضة - الحمرا" في قضاء صور، و"كفرتبنيت" في قضاء النبطية، و"زمريا" في قضاء منطقة حاصبيا، و"باتر" في قضاء الشوف، ومن اجل تنفيذ سياستها التطبيعية، فتحت اسرائيل بوابات عدة على الحدود مع لبنان هي: بوابة رميش بيرانيت، عيترون المالكية، الناقورة هانيكرا روش، تل النحاس الجدار الطيب، يارون افيغيم علما الشعب حانوتا، المطلة، ومستبي بيئير قرب ميس الجبل. والجدير ذكره بأن هذا الحزام، يجاور المستوطنات الإسرائيلية الحدودية التالية: شلومي، شتولا، مسكامغام، ادميت، برعم، دوفيف، المنارة، يفتاح، مطلة، زرعيت، افيغيم، زفنت، زان ومجدل شمس في هضبة الجولان الإسرائيلية المحتلة. الجولة الميدانية قطعاً، تلك التناقضات التي عاشها اللبنانيون طوال سنوات الحرب ما بين منطقة هادئة واخرى ساخنة، والتي يعيشها اليوم يبدو انها ، لا تحصل الا في بلد واحد هو لبنان. لذا لا بد من التحضير النفسي، وانت تصحو باكراً تمهيداً لجولة في الجنوب، بعدما غبت عن المناطق الساخنة لفترة زمنية، ومهما ابكرت في جولتك اتقاء، فتقديراتك لا تكون موضوعية لأن القصف والغارات الاسرائيلية حالياً وكما اعتدنا لا أوان لها. تركنا بيروت بعد ان ضقنا ذرعاً بورشات العمل القائمة حالياً على طرقات ومداخل العاصمة، لنصل عند الثامنة صباحاً الى مدخل مدينة صيدا، التي بدت كمنطقة جنوبية متأثرة بما حصل أخيراً، "الحركة خفيفة والناس ما زالوا تحت ثقل ووطأة ما حصل". هكذا رد علينا احد باعة "الحلوى الصباحية الصيداوية". لا تشعر انك وطأت الأرض - المقصد، إلا حين يطالعك نصب "بلال فحص" - احد شهداء المقاومة - عند مدخل مدينة النبطية، والذي يتطلب التقاط صورة له اخذ اذن من حاجز الجيش اللبناني. تستمر السيارة مسرعة حيث لا بد وان تشعر بأن الحركة باتت اخف واكثر ذهولاً مما هي عليه في صيدا، لتطالعنا اعلام سوداء على جانبي الطريق والبنايات، تنتهي بلافتة سوداء كبيرة تتضمن "بأن الغارة هي هدية المفاوضات مع اسرائيل للأطفال". ونعلم اننا في دير الزهراني، سألنا فارس الطفيلي احد العاملين في محطة بنزين، فأشار الى حيث حصلت الغارة قائلاً: "الناس كما ترين في حداد. عائلات بريئة استشهدت لا ذنب لها ولا دخل لها بالأحزاب، والبلدة بعيدة عن خط التماس او ان تكون طريقاً للمقاومة. لا تريدنا اسرائيل ان نحيا، نعيش في زمن في حالة غدر وحرب وتهجير مستمرة. معظم السكان في الحي هجروا ونزحوا عند اقرباء لهم في مناطق اكثر امناً، لا نريد شيئاً سوى تطبيق القرار الرقم 425". تركنا الطفيلي، لندخل شارعاً فرعياً ضيقاً. الصمت يخيم على الحي، لا صوت امام الدمار الذي تركته الغارة في المبنى الذي يعود لمحمد طرابلسي المؤلف من ثلاثة طوابق والمباني المجاورة. قاسم طرابلسي وآخر معه يلفهما اللون الأسود، كان يعملان قدر الإمكان على تصليح دكان يعود لمحمد الزواوي بعد مرور اسبوع على المجزرة اختلطت خضاره بالعلب الغذائية والخبز والحجارة. كان قاسم في الدكان فما الذي تسأله وقد فقد زوجته واولاد اخته؟ قال: "زلزال وحصل. كانت هناك خمس عائلات. لم نتوقع. لا ملاجىء. لم نر احداً. لم يتفقدنا احد. فجأة اصبحنا بلا بيت بلا ملابس. البارحة اشترينا الملابس السوداء. نصيبنا ان ترتاح كل المناطق ونستمر نحن في هذا العذاب. اعتدنا وسنبقى". فوق سطح الدكان الذي صعدنا اليه لتصوير الخراب، بقيت ثلاثة كراسٍ فارغة مواجهة على حافة السطح للمبنى المهدم والشارع، قاموس عربي - انكليزي، كتاب الإسراء والمعراج، ماكنة خياطة، سجادتان للشتاء، ورداء طفل معلق على "عريشة عنب" محروق بفعل الغارة. انها عادة اهل القرى، يختارون السطح للعمل والتسلية ايضاً والحديث مع المارة احياناً. ولعل القاموس، كان يلهو به محمد غالب الزواوي، الذي تصدر نتائج الإمتحانات الرسمية، حيث نعته عند عودتنا في اليوم نفسه، وكالة الأنباء الوطنية، بعدما فاز في امتحانات شهادة "البريفيه" المتوسطة! تركنا دير الزهراني، لندخل مدينة النبطية، حيث قصدنا مبنى وزارة الصحة، الذي قدمته اليونيسيف عام 1984، وفيه مركز الصليب الأحمر الدولي، حيث يتجمع اهالي يحمر في احد القاعات المرفوعة على جدرانها لافتات تطالب "برفع الحصار عن البلدة" و"ان العدو الصهيوني يفتعل مجزرة بحق مئات الأطفال في بلدة يحمر، بقطعه للطريق الوحيدة المؤدية للنبطية" و"اين هيئة الأممالمتحدة من حقوق الإنسان" الخ... احد المسؤولين في وزارة الصحة، افادنا بأن "لا شيء متوفراً لمساعدة اهل الجنوب عموماً ويحمر خاصة. ليدعم مقومات الصمود الصحية، الإنسانية، الإجتماعية. ووزارة الصحة مقطوعة من الأدوية منذ شهرين، وقافلة الصليب الأحمر التي استطاعت الدخول مشياً الى يحمر، لم تستطع سوى توزيع ادوية بسيطة لا تفي او تغطي حالات الناس الصحية، وما نجم عن الحصار من امراض معوية خاصة لدى الأطفال". في القاعة تجمع رجال من عائلات زهور، اسماعيل، جابر، حمد، بركات، سعيد، عليق، مروة، قره علي، ريحان وناصر وغيرها.. يدخلون ويخرجون من القرية حسبما تتيح الظروف الأمنية، لمتابعة قضيتهم التي اثاروها مع الرؤساء اللبنانيين الثلاثة اضافة الى عرضها على السفارات الأجنبية والعربية والمؤسسات الإنسانية، هذا ناهيك عن مجازفتهم بنقل المواد الغذائية ومياه الشرب التي انقطعت في بلدتهم، التي سميت بيحمر نسبة الى غزال يسمى "يحمور" او الى تربتها الحمراء حسبما افادنا البعض، وتبعد عن بيروت حوالي 80 كيلومتراً، ويبلغ ارتفاعها عن سطح البحر 650 متراً، ويفصلها نهر الليطاني عن الحزام الأمني. يحمر المعزولة المشكلة بأن يحمر تفتقد الى الخدمات منذ ما قبل العام 1975، فمياه الشفة لا تصلها، ومياه الخدمات مقطوعة، ولا كهرباء تصلها، وفيها مدرسة وحيدة رسمية بناها الأهالي في الخمسينات، ولم تشهد استقراراً منذ السبعينات، وتعرضت لثلاثة اجتياحات وحصارات منذ العام 1978، وفقدت 100 من ابنائها ما بين قتيل وجريح و16 شهيداً، وبحكم موقعها الإستراتيجي، فإن المواقع الإسرائيلية واللحدية المتعاونة مع المحتل، تزنرها من مختلف الجهات. قال المجتمعون: "للمرة الأولى نشهد تلازماً ووحدة ما بين القيادة السياسية نسبة الى زيارة الرئيس الحريري التفقدية والشعبية والإنسانية، واننا لسنا لوحدنا، مما يخفف مشكلتنا وحصارنا، لكن الحفرة التي افتعلها الإسرائيليون عند المدخل الوحيد للقرية، تعمل على اذلالنا، وفي حين يحتاج ردم الحفرة الى ساعتين، فإننا نشعر بأن هذه الحفرة بحاجة الى قرار دولي! ان معظم الأهالي يعيشون من ارزاق الزيتون والتبغ التي ضربها الإسرائيليون واحرقوا معظمها، كما توقفت اربع كسارات يعتاش من خلالها حوالي 40 عائلة، اضافة الى تعطل الفرن والملحمة الوحيدين بسبب قطع الطريق والمياه والتيار الكهربائي. اما مقومات الصمود الأخرى من طبابة فمعدومة الا زيارة سريعة للصليب الأحمر ووفد طبي، لم يكن بوسعهما بسبب الحفرة الا تقديم اسعافات اولية، بينما هناك حالات تتطلب علاجاً اشمل من شلل وغسل كلى وامراض ظهرت مع اضطرار الأهالي لشرب مياه الآبار الملوثة، خاصة امراض الأطفال". مع محافظ النبطية كان لا بد من التقاء محافظ النبطية السيد غازي زعيتر، قبل ان نتوجه الى يحمر، اذ بات الوقت يداهمنا ظهراً، قال زعيتر رداً على اسئلتنا وفي تقويمه للوضع في الجنوب وللخدمات الرسمية: "مبدأ التعويض عن كل ضرر بات عنواناً للحكومة ولم يعد الجنوبي لوحده، لكن المال لا يرد الشهداء، واسرائيل تعربد في كل وقت وزمان في الجنوب اللبناني. كافة الإستعدادات اتخذت لدعم الأهالي في يحمر، لكن المهم فك الحصار! ليس بوسعنا القيام بأي شيء. لا حل لدينا. واستمرار الوضع على حاله، برسم الضمير العالمي، وطالما هناك عدو على شبر واحد ستبقى المنطقة ساخنة سواء في يحمر، او اقليم التفاح او القطاع الأوسط وغيرها، حيث تشكل نسبة نزوح الأخيرة حوالي 95 في المئة، الا ان النسبة غير ثابتة، فأهالي الجنوب ينزحون ويعودون اذ لا بديل من اراضيهم". اخترق الطيران الإسرائيلي جدار الصوت، ونحن في ضيافة المحافظ، كما في طريقنا الى يحمر المحاذية لأرنون اقتطعتا بتاريخ 26/7/94 ويبلغ عدد سكان الأخيرة حوالي الألف نسمة حسب تقديرات العام 1986، وسميت كذلك نسبة لكلمة سريانية تعني تيس الجبل وابرز ما فيها القلعة المحتلة منذ اجتياح العام 1982 كنا نسمع غارات وقصفاً، وكان يفسر لنا استاذ المدرسة ابو علي، الذي كان يرافقنا الى قريته يحمر، بأن ما نسمعه هو في اقليم التفاح. حاجز اخير للجيش اللبناني، يبعد حوالي الأربعة كيلومترات عن يحمر، استوقفنا، دقق وسجل اسماءنا، وساعة مرورنا، لنشعر بعدها اننا وحدنا تماماً، مكشوفون تماماً للمواقع الإسرائيلية. ابو علي هادىء يشير الى قلعة ارنون - شقيف، الأساسية كموقع اسرائيلي، والى موقع آخر استحدث ونصب فوقه العلم الإسرائيلي منذ اسبوع. وصلنا عند تلك الحفرة التي سمعنا بها وباتت مشهورة، والتي علينا اجتيازها سيراً على الأقدام مع عدد من الأهالي الذين يحملون مواداً تموينية قليلة، الا الذين كانت سياراتهم قبل الحفرة موجودة في القرية، وكثيرون في الداخل باتوا يعملون على آلياتهم لنقل الصحافيين خاصة، الذين باتوا الزوار الوحيدين للأهالي وللأطفال الذين يفرحون بالتقاط صور لهم. الحفرة هي بمثابة اجراءات عزل، عملت الجرافات الإسرائيلية عليها ليلاً، ويبلغ طولها حوالي خمسة امتار وعرضها ثلاثة امتار اما عمقها فلا يقل عن المترين، بحيث يتعذر مرور اي آلية. ما ان دخلنا القرية، حتى سمعنا صوت ملالة اسرائيلية مرت بسرعة مستكشفة مدخل ارنون ويحمر، لتغيب بسرعة البرق. القرية فارغة من الصوت والحركة، المحال مقفلة، اراض محروقة، وعلى الرغم من ذلك، القرية زراعية، وأشجار الزيتون والتبغ ما زالت هناك، يعطي ابو علي سيدة، يعمل اولادها الصغار على "شك" ما تبقى من تبغ انه موسم التبغ كيساً صغيراً من الأدوية لأطفالها الذين اصيبوا بالتهابات معوية، تقول: "الطريق علينا مقطوعة، وكلنا نشعر بالعطش. الى اين نخرج، الإنسان ببيته شبعان. المهم المياه لا شيء آخر. زوجي كان عامل بناء، وازواج النساء الأخريات يعملون على الكسارة، توقفت اعمالهم. ماذا نفعل بالأولاد؟". لم تكمل السيدة كلامها، حتى رشق الإسرائيليون الطريق المحاذية لنا بالرصاص.. حين هدأ الرشق، انتقلنا لمنزل آخر هو منزل احمد اسماعيل وفيه ثلاث عائلات تضم 35 فرداً قالت النسوة: "انظري الى ملابسنا، حالتنا متسخة لان لا وجود للمياه. الى متى يستمر الحصار؟ لا حليب للأطفال، لا "حفاضات"، بيتنا مواجه للقلعة والرصاص يمطرنا باستمرار" عندما هممنا بالرحيل، صرخ بنا احد اطفالها الذي كان يلهو على دراجته النارية غير آبه بالرصاص "هذا هو كل الحديث؟ نريد مدارس نريد ان نتعلم!". تابعنا سيرنا، سيدة متقدمة في العمر تجهز "الكشك" اكلة شعبية عند مدخل البيت "لست خائفة من الإسرائيليين، الكشك يدعمنا في الحصار". وكانت استراحتنا الأخيرة في منزل ابو علي، الذي تجمع حوله زوجته، ابنته وأولاده الثلاثة، احدهم نوح الذي روى لنا حادثة اليوم الأول معه، حين كان يلهو مع اترابه في ملعب المدرسة القريب من منزله، فلاحقته طائرة اسرائيلية ورشقت دربه برصاص 500 وبدأ بالهرب ولم تسعفه قدماه "شعرت ان نفسي ضاق واختبأت بالزيتون!". منذ ذلك الحين ونوح لا يخرج من عتبة البيت، تحيط بمنزله مواقع القلعة، العزية، العويضة، الطيبة، الشومرية اسرائيليون ولحديون. الهواء منعش في منزل ابو علي المرتفع، ترفع زوجته غطاء البئر في المنزل كل البيوت مجهزة ببئر ماء جوفية "المياه لا تكفي سوى اسبوع.. هل سيرفع الحصار برأيك؟" قالت. نترك ام علي، باتجاه الحفرة - المعبر، ورشقات الرصاص لا تهدأ، نلتقي بمسنّ وآثار دم على قميصه، قال ابو حسين ضاحكاً بقهر: "كنت في الحقل وأصابني بنو شالوم!".