بدل أن نسأل: هل مات الشعر أم الشاعر؟ فلنسأل: هل ماتت الحياة؟ أعتقد أننا نعيش عصر النهايات. وأعني بذلك أننا نشهد لحظة أفول الحياة الداخلية المتألقة التي تنبع منها الفنون كلها. هذه الحياة المتألقة بدأت بالرومنطيقية التي احتلت أمكنة الحياة كلها، وغيّرتها فجعلتها شديدة اللصوق بينابيعها العميقة الصافية، ينابيع الذات الدفينة. ثم احتضنت التململات المختلفة والتحولات والثورات التي أنجبت فنون القرنين التاسع عشر والعشرين وشعرهما وروايتهما. ثم جاء الربع الأخير من القرن العشرين، فذهب بعيداً في إلغاء الذات وفي تهميشها، ولامس مشارف إلغاء الحياة الإنسانية بالذات، جاعلاً عقل المادة ينبوعاً بديلاً من ينابيع الذات الدفينة. وها نحن اليوم نعيش ألم احتضارات تلك الحياة الروحية والداخلية المتألقة، بعدما سقطت تحت أنياب هذا الوحش العصري الذي اسمه التكنولوجيا. لست ضد هذه التكنولوجيا واختراعاتها، لكن هذه التكنولوجيا ذهبت في الاتجاه المضاد للحياة فراحت تخترع "حياة" موازية لحياتنا كبشر وكفنانين وشعراء. لقد باتت الحياة برمتها أسيرة الاختراع الآلي الذي طاول كل جوانب العيش، وبات يتطور ويعيش على حساب الإنسان وحياته الداخلية. صار كل شيء رهين تلك الآلة التي لا تكف عن الدوران، آخذةً في دربها كل المساحات التي تصنع الشعر والشعراء. إن عصر ما بعد الحداثة لم يعد في حاجة الى "الحياة" نفسها، إنه يقتل الحياة ليعيش. لكن، وراء كل هذا الموت، لا بد من وجود حياة قادرة على ان تقول لا. إنها حياة الشعر وهي خالدة.