القادسية يتمسك بالقائد    أمير حائل يطّلع على الخطط والمشاريع المستقبلية لأمانة المنطقة    وزير السياحة يتفقد جاهزية مرافق الضيافة والنُزل المؤقتة المخصّصة لإسكان الحجاج في مكة المكرمة    ورشة للخطط التشغيلية لوقاء في المدينة    رؤية المملكة صنعت المجد وعززت تنافسية المستثمرين السعوديين في العالم    وزير الخارجية يجري اتصالات هاتفية بنظرائه في عدد من الدول الشقيقة    شرطة مكة تقبض على 5 مقيمين لمخالفتهم أنظمة وتعليمات الحج    وزارة الداخلية: غرامة مالية تصل إلى (50,000) ريال والسجن مدة تصل إلى (6) أشهر والترحيل للوافد الذي يتأخر عن المغادرة عقب انتهاء صلاحية تأشيرة الدخول الممنوحة له    أمير حائل ونائبه يعزيان أسرة السبهان    الباحة مدينة صديقة لذوي الإعاقة    جامعة القصيم تطلق فعاليات مهرجان تراث الشعوب الخامس    اتفاقية بين مدينة الملك سلمان الطبية والشؤون الدينية بالمسجد النبوي    "مبادرة طريق مكة" في إندونيسيا .. رحلة تبدأ من مطارات الشرق البعيد    محمد الحبيب العقارية تحصد جائزة أفضل مطور عقاري في المملكة لعام 2026        الهيئة الملكية بالجبيل تحتفي باليوم العالمي للكتاب عبر نادي خمائل        محافظ الأحساء يرعى إحتفال جمعية قبس ويكرّم حفظة كتاب الله    جامعة الأميرة نورة تُنظِّم "الندوة الخليجية للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي: تحول ذكي ورؤية مستقبلية"    القيادة تهنئ رئيس توغو بذكرى استقلال بلاده    أمير الرياض يستقبل مدير فرع وزارة الرياضة بالمنطقة    أمير جازان يستقبل مدير فرع وزارة الرياضة وعددًا من الرياضيين بالمنطقة    قوات الاحتلال الإسرائيلي تعتقل أكثر من 12 فلسطينيًا بينهم أطفال في الضفة الغربية    مقتل شخص وإصابة آخرين جراء غارات إسرائيلية على جنوب لبنان    تكتيك الصدمة: كيف أدار يايسله مواجهة "ماتشيدا" في ظروف استثنائية؟    أوكرانيا تعلن إسقاط 74 طائرة مسيّرة روسية    نائب أمير منطقة جازان يدشّن مجمع "إفاء" الطبي بمحافظة العارضة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم الصحي من "سباهي"    وزارة الدفاع تنظم الملتقى الأول للتاريخ العسكري السعودي في سبتمبر المقبل    سيهات تسجّل 264 كيس دم في حملة "ومن أحياها 26" وسط إقبال مجتمعي واسع    تتويج نخبة أندية التايكوندو    أمير الشمالية يتابع جاهزية الجهات لخدمة حجاج منفذ جديدة عرعر    أمير القصيم: الجمعيات الخيرية تدعم الفئات المستحقة وتعزز التكافل الاجتماعي    الرواية السعودية في «2025».. مشهد يتسع وأسئلة تتجدد    المظالم يطلق مجموعة جديدة من الأحكام للملكية الفكرية    موجز    ارتفاع السوق    رابطة دوري المحترفين تعلن موعد جوائزها السنوية    فيفا يستحدث محكمة طوارئ في مونديال 2026    النخبة الآسيوية.. للمرة الثانية أهلاوية    السعودية تدين حادثة إطلاق النار وتتضامن مع واشنطن ضد العنف.. ترمب: اقتراب نهاية الحرب مع إيران    السعودية تدين وتستنكر الهجمات الإرهابية والانفصالية.. هجوم دموي يودي بحياة وزير الدفاع المالي    أحمد حلمي يعود بفيلمي «حدوتة» و«أضعف خلقه»    قائد شرطة واشنطن: التحقيقات ترجح أن حادث إطلاق النار كان فردياً    تحفيز الاستثمارات والشراكات.. فرص صناعية في المشروعات الحكومية الكبرى    العنوسة    وزارة الحج تسلم بطاقة نسك لضيوف الرحمن    استعرض الخطط التشغيلية للحج.. آل الشيخ: منهج القيادة راسخ في الاهتمام بخدمة ضيوف الرحمن    رؤية الرؤية    أمير الرياض يرعى حفل تخريج أكثر من 5 آلاف طالب وطالبة من الجامعة السعودية الإلكترونية    علماء يبتكرون بطاطس مقلية صحية مقرمشة    خبراء يحذرون من ترند قهوة البيض القاتلة    الفلفل الحار يخفض الإصابة بأمراض القلب    اغتيال وزير الدفاع المالي و الإرهاب والانفصال يضربان قلب الدولة    رئيس أوكرانيا يصل إلى جدة    شددت على الالتزام بالتعليمات النظامية.. «الداخلية»: 100 ألف ريال غرامة لمخالفة «تأشيرات الحج»    أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الجاسوس الاسرائيلي الذي كاد يطيح مفاوضات واي بلانتيشن . بولارد سارق سر الأسرار الأميركية !
نشر في الحياة يوم 02 - 11 - 1998

كان مثيراً لكثيرين ان يكون وزير الخارجية الاسرائيلي ارييل شارون ضمن حضور محادثات قمة نهر واي التي توصلت الى اتفاق السلام الجديد بين اسرائيل والفلسطينيين. فقد حاول شارون - اثناء توليه حقيبة الدفاع في مستهل الثمانينات - اغتيال شريكه الحالي في عملية السلام الرئيس ياسر عرفات. غير ان الاكثر اثارة كان مشاركة الحاضر - الغائب الذي كاد ان يهدّم محادثات قمة النهر، بل وضعه الاسرائيليون في كفّة وحده، وفي الكفة الاخرى وضعوا عملية السلام برمّتها. انه الجاسوس اليهودي الاميركي جوناثان بولارد الذي أكد رئيس وزراء اسرائيل منتصف العام الحالي انه "عميل اسرائيلي" وانه لم يكن طرفاً في "عملية رعناء تمت من دون موافقة السلطات" حسبما كانت تقول الحكومات الاسرائيلية السابقة.
والواقع ان مشاركة شارون، الذي تعقّب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية حتى العاصمة اللبنانية بيروت في 1982، اعتبرت - على رغم ذلك - عملاً ايجابياً. لكن قضية بولارد الذي لا يزال يقبع في زنزانة اميركية منذ 13 عاماً، هددت بتخريب المفاوضات الماراثونية التي اضطر الرئيس بيل كلينتون الى المشاركة فيها مراراً لضمان توصلها الى اتفاق. والحقيقة انه يصعب، ظاهرياً على الأقل، ايجاد صلة بين المهمة الأساسية لمحادثات "قمة النهر" وتتمثل في ابرام اتفاق يحدد جدولاً زمنياً لتنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها اسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية في معاهدتي اوسلو الثانية والخليل - وبين قضية بولارد الذي كان محللاً غير رفيع المستوى في استخبارات البحرية الاميركية ونجح في تزويد اسرائيل، وربما بلدان اخرى، معلومات خطيرة ومهمة، بما في ذلك خريطة المجمّع الذي كان يقيم فيه الرئيس عرفات في تونس، الامر الذي سهّل لاسرائيل مهاجمته العام 1985.
وقال الاميرال المتقاعد سمنر شابيرو المدير السابق لاستخبارات البحرية الاميركية التي عمل بولارد لحسابها: "حين يساوي نتانياهو بين قضية جاسوس وعملية احلال السلام في الشرق الأوسط... فذلك عدم حياء. اذ لا أرى ثمة صلة او رابطاً بينهما البتّة".
وعلمت "الوسط" ان تلك الصلة بدأت خلال الاشهر التي سبقت مفاوضات تشرين الأول اكتوبر في منتجع واي، وذلك بالتعاون بين عناصر بارزة من اليهود الاميركيين ومستشارين سياسيين للرئيس كلينتون، وذلك في سياق طور جديد من مساعي حكومة نتانياهو الرامية الى اطلاق بولارد.
وبدأت تلك المساعي في تشرين الثاني نوفمبر 1997 بقيام وزير اسرائيلي - للمرة الأولى - بزيارة بولارد في سجنه في ولاية كارولينا الشمالية. وأعلن سيلغان شالومر نائب وزير الدفاع الاسرائيلي مطلع كانون الأول ديسمبر 1997 ان سياسة انتهاج الديبلوماسية الهادئة لاطلاق بولارد استبدلت بحملة علنية لتحقيق الهدف نفسه. وأعقب نتانياهو ذلك بتوجيه رسالة شخصية الى بولارد قال له فيها: "يحدوني امل كبير بأن تسفر مساعينا المستمرة من اجلك عن نتيجة وبأن تكون في المستقبل القريب حراً طليقا".
وبلغت تلك المحاولات ذروتها في كانون الثاني يناير الماضي حين قرر مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبيرة - الهيئة التي تتولى التنسيق بين المنظمات اليهودية الرئيسية في الولايات المتحدة - بدء حملة خاصة هدفها الحصول على عفو رئاسي عن بولارد. وكوّن نتانياهو، على الأثر، لجنة وزارية خاصة للبحث في افضل السبل لاقناع المسؤولين الاميركيين باطلاق الجاسوس الذي يقضي عقوبة السجن مدى الحياة.
وفي آذار مارس الماضي قال مسؤولون على صلة وثيقة برئيس الوزراء الاسرائيلي ان نتانياهو ينوي ان يثير قضية بولارد مع الاميركيين في أول اتصال مقبل يطالبونه فيه بتقديم تنازلات جديدة على مائدة المفاوضات مع الفلسطينيين. وذُكر في هذا السياق اطلاق المعتقلين والسجناء الفلسطينيين الذين تحتجزهم اسرائيل. وبحث الاسرائيليون افكاراً اخرى منها نقل بولارد ليقضي بقية عقوبته في سجن اسرائيلي يُهيأ له خصيصاً. وأصدر رئيس الوزراء تعليمات بأن يقوم مندوبون عن السفارة الاسرائيلية في واشنطن بزيارات شهرية منتظمة لبولارد في سجنه في ولاية كارولينا الشمالية.
وفي أيار مايو الماضي قرر نتانياهو التخلي عن نهج الحكومات الاسرائيلية السابقة التي دأبت على نفي اي صلة بين اسرائيل والجاسوس اليهودي - الاميركي، وأعلن ان بولارد "عميل اسرائيلي كان يشرف عليه كبار مسؤولي مكتب الاتصال العلمي Scientific Liaision Bureau. وهو المكتب الذي يعنى بالتجسس المتعلق بانتاج القنبلة النووية. وأوضح ان الجاسوس السجين لم يكن مجرد عميل شارك في "عملية رعناء لم تحظ بموافقة السلطات الاسرائيلية".
وندد الوزير العمالي السابق يوسي بيلين بتصريحات نتانياهو المشار اليها. لكن المسؤولين الاميركيين الذين كانوا هدفاً مستمراً للضغوط التي يمارسها المسؤولون الاسرائيليون وجماعات الضغط اليهودية، اختاروا ان يتركوا تصريحات نتانياهو تمر بهدوء. غير ان مسؤولي الاستخبارات والقادة العسكريين الاميركيين قرروا ان يجهروا بغضبهم حيال ما اعلنه رئيس الحكومة الاسرائيلية. وهكذا تقرر تأجيل زيارة كان مقرراً ان يقوم بها للولايات المتحدة ضابط اسرائيلي كبير تأكيداً لغضب المؤسسة العسكرية الاميركية من اعلان اسرائيل ان بولارد عميل لها.
وقال الاميرال شابيرو: "ظللت استمع طوال اثني عشر عاماً الى احاديث عن عملية رعناء. معنى ذلك انهم الاسرائيليون كذبوا عليّ بصفة شخصية". وفي 23 حزيران يونيو الماضي رفض مارتن انديك مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الأوسط - الذي حصل على الجنسية الاميركية اخيراً - الحديث عن عفو رئاسي عن بولارد. وقال: "لماذا يجب علينا ان نطلقه؟ لقد دين بتهمة التجسس. اذا دين شخص آخر - دعنا نقول مثلاً موردخاي فعنونو الذي دين بتهمة التجسس النووي - فليس من حقنا ان ننهض لنقول للحكومة الاسرائيلية لماذا لا تطلقونه"؟
وعلى رغم ذلك فقد اجريت محادثات مطولة خلال الاشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية بين مسؤولين اسرائيليين وأميركيين وشخصيات ذات نفوذ كبير من اليهود الاميركيين للبحث في الخيارات والبدائل الملائمة لاطلاق بولارد. ولما كان الاسرائيليون يدركون جيداً مدى معارضة مسؤولي مجلس الأمن القومي الاميركي لتلك المساعي، فقد قرروا تركيز جهودهم على ممارسة ضغوط سياسية كافية لتحقيق النتائج المنشودة. وهكذا وقع الاختيار على المستشار السياسي لدى البيت الأبيض راهم ايمانويل ليكون محوراً لتلك المساعي. ومع ذلك عمد وزير التجارة الاسرائيلي ناتان شارانسكي الى البحث في قضية بولارد مع نائب الرئيس آل غور ومستشار شؤون الأمن القومي ساندي بيرغر.
وعندما قرر الرئيس كلينتون تكثيف مساعي ادارته لاحلال سلام في الشرق الأوسط، قرر مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية - الاميركية ان يقدم طلباً جماعياً الى البيت الأبيض للعفو عن بولارد لأسباب انسانية. ووضعت قضية الجاسوس اليهودي - الاميركي ضمن بنود المحادثات التي اجراها نتانياهو مع كلينتون في ايلول سبتمبر الماضي تمهيداً لقمة واي بلانتايشن. وطفت على السطح اثر ذلك انباء عن صفقة سلام محتملة في مقابل اطلاق الجاسوس. وهو امر نفاه نتانياهو لكن مسؤولين اسرائيليين اكدوه. وقال النائب العمالي الاسرائيلي اوفير باينز الذي يتزعم جماعة ضغط في الكنيست تعمل على اطلاق بولارد، انه لم يفاجأ بالانباء التي تحدثت عن التهيئة لصفقة "السلام في مقابل الجاسوس".
وقال باينز: "كان تقديري ان الحكومة الاسرائيلية ستبذل قصارى جهدها لضمان اطلاق بولارد في سياق محاولات تنفيذ المرحلة الثانية من اعادة نشر القوات الاسرائيلية في الضفة الغربية. والحقيقة انني حصلت على وعد قاطع من داني نافيه وزير شؤون مجلس الوزراء نيابة عن رئيس الوزراء، بأن تكون المساعي الرامية لاطلاق بولارد جزءاً من ذلك الاطار العملي".
لذلك لم يفاجأ المفاوضون الرئيسيون في "واي" بأن مسألة اطلاق الجاسوس المذكور وضعت على مائدة المفاوضات في مقابل اطلاق السجناء الفلسطينيين الذين تحتجزهم اسرائيل. بل ان ادارة الرئيس كلينتون، على النقيض مما أوصى به مستشاروها لشؤون الأمن القومي، وخلافاً لمعارضتها الشديدة سابقاً بهذا الخصوص، تفاوضت بجدية على وضع بولارد باعتباره جزءاً من الصفقة التي تبغيها لإحلال السلام بين الفلسطينيين واسرائيل. وأكدت مصادر مطلعة ان شارون كان يتصدر المفاوضين الذين سعوا الى رهن قضية السجناء الفلسطينيين بمستقبل بولارد.
وطبقاً لتلك المصادر فإن كلينتون اتصل مرات عدة اثناء مفاوضات واي للاستفسار عن تفاصيل تتعلق بالجاسوس. ومن بين الذين اتصل بهم المستشار السياسي السابق ايمانويل وزعيم الغالبية الجمهورية في الكونغرس نيوت غينغريتش. كما اتصل مراراً ببعض مسؤولي اجهزة الاستخبارات. وقال السناتور بوب كيري ان جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية سي. آي. ايه الذي شارك في مفاوضات واي نصح كلينتون بإبقاء بولارد في سجنه.
غير ان نتانياهو كان يطمح الى ان يفاجئ الاسرائيليين الذين استقبلوه لدى عودته بعد توقيع الاتفاق بأنه يصطحب معه بولارد، ليتسنّى له شغلهم - خصوصاً اليمين المتشدد - عن معارضتهم لمضمون الاتفاق الجديد.
وليس واضحاً حتى الآن اذا كان كلينتون وافق حقاً على اطلاق بولارد بهدوء في وقت لاحق. لكن الاسرائيليين اعلنوا ان بحوزتهم محضراً للمحادثات التي اجراها كلينتون مع رئيس الوزراء الاسرائيلي، ويزعمون بأن الأول وعد فيها باطلاق الجاسوس بولارد. وإذا كان ذلك المحضر موجوداً فعلياً فلا بد ان الجانبين قررا ابقاءه طي الكتمان. اما بالنسبة الى المسؤولين الاميركيين فهو لا يعدو ان يكون محاولة اخرى من جانب نتانياهو لابتزاز واشنطن وحملها على اصدار قرار باطلاق "العميل الاسرائيلي".
وما لا يختلف عليه اثنان ان نتانياهو نجح، من دون شك، في تحريك قضية بولارد الى درجة يصبح وارداً فيها حساب المكاسب السياسية حين يتلقى الرئيس الاميركي مستقبلاً طلباً جديداً للعفو عن الجاسوس اليهودي - الاميركي.
لكن ماذا فعل جوناثان بولارد ليثير كل هذه الضجة؟ أو بالأحرى ماذا فعل ليواجه بهذا التصلب الأميركي الرسمي ازاء محاولات اطلاقه؟ لقد أقرت اسرائيل بأن بولارد كان عميلاً مخلصاً لها، يشرف على نشاطه التجسسي كبار مسؤولي الاستخبارات الاسرائيليين. وجاء في تقرير لا تزال اجزاء كبيرة منه سرية، كتبه وزير خارجية اسرائيل السابق أبا ايبان: "ان قرار استخدام بولارد وجميع مراحل تنفيذ ذلك أصدره مسؤولو الدولة الذين استمدّوا صلاحياتهم من الحكومة، وإذا شئنا تحري مزيداً من الدقة فهم استمدوها من أجهزة الاستخبارات التابعة لدولة اسرائيل".
واعترض بولارد نفسه، أثناء محاكمته، بأن بين المسؤولين عن تجسسه مسؤولين سياسيين كباراً. وقال: "ان بعض أوامر التكليف كانت تحمل ختم المستشار العسكري لرئيس الوزراء. انها لم تكن عملية طائشة، اذ ان المعلومات التي كنت أقدمها كانت تناقش في اجتماعات مجلس الوزراء".
ويرى الداعون الى الرأفة بالجاسوس اليهودي الأميركي والمنادون باطلاقه ان الدوافع التي حرّكته كانت "حميدة ان لم تكن وطنية"، كما أن طبيعة العمليات التجسسية التي قام بها كانت موجهة ضد القدرات العسكرية وغير التقليدية للدول العربية، وان المعلومات التي سرقها وان كانت حيوية ومهمة لاسرائيل إلا أنها ليست ضارة بمصالح الولايات المتحدة.
غير أن كبار مسؤولي الاستخبارات والأمن القومي في واشنطن يرون ان مثل ذلك الحديث هدفه التقليل فحسب من خطورة الجريمة التي ارتكبها بولارد الذي نجح في ان يمرر الى الاسرائيليين أكثر من مليون وثيقة. لكن عدم الكشف عن طبيعة المعلومات التي سربها بولارد الى الاسرائيليين يمثل سياسة رسمية متعمدة.
وقال الرئيس السابق لاستخبارات البحرية الأميركية الأميرال سمنر شابيرو ان من أسباب عدم اطلاع الجمهور الأميركي على طبيعة ما قام به بولارد ألا تضطر السلطات الى كشف أسرار الدولة العليا أثناء محاكمته. وذكر مسؤولون سابقون ان من أهم الأسباب التي لم تفصح عنها السلطات الأميركية شعورها بالارتباك من جراء وضع الثقة في بولارد وترقيته وظيفياً وائتمانه على كمية ضخمة من الوثائق والمعلومات التي وفرتها الأقمار الاصطناعية الأميركية المخصصة للتجسس والرصد.
ويذكر ان بولارد أبلغ رؤساءه، بعد تعيينه في استخبارات البحرية الأميركية ببضعة أشهر، بأن حكومة دولة اجنبية اتصلت به لتجنيده عميلاً لها، واقترح ان يسمح له بأن يكون "عميلاً مزدوجاً" بدلاً من انهاء خدمته. وتقرر إثر ذلك نقله الى وظيفة غير حساسة أمنياً، وبعد بضعة أشهر عادت السلطات لتلغي القيود الأمنية التي كانت فرضتها عليه.
ويبدو أن سياج السرية الذي تحيط به الولايات المتحدة نشاطها في مجال التسلح النووي يمثل أقوى الأسباب التي تحول دون كشف السلطات طبيعة الأعمال التجسسية التي قام بها بولارد. ولكن يبدو، من سياق اتصالات أجرتها "الوسط" مع مصادر مطلعة وتقارير أتيح الاطلاع عليها، ان الجاسوس بولارد سرق ما سماه مسؤول استخباراتي أميركي سابق "جوهرة تاج المعلومات الاستخبارية الأميركية"، وهي اشارة الى تمرير المعلومات التي جمعتها أميركا عن أسرار التسلح النووي السوفياتي الى اسرائيل التي استخدمتها بطريقة أو بأخرى في الضغط على موسكو لتخفيف القيود التي فرضتها على هجرة اليهود الروس.
واشار وزير الدفاع الأميركي السابق كاسبار واينبرغر في مذكرة سرية من 46 صفحة قدمها الى القاضي الذي حاكم بولارد الى أن "ضرراً كبيراً لا يمكن اصلاحه قد لحق بهذه البلاد" من جراء نشاط بولارد التجسسي. وأكد وزير الدفاع السابق ليز اسبين في مذكرة رفعها الى الرئيس بيل كلينتون في 23 كانون الأول ديسمبر 1993 يرفض فيها العفو عن بولارد ما ذهب إليه واينبيرغر، وأشار فيها الى "فداحة الضرر الذي سببته خيانة بولارد".
وأكد خبراء آخرون ان المعلومات التي سرّبها بولارد الى الاسرائيليين لا صلة لها بالبرنامج العراقي لانتاج أسلحة نووية وكيماوية، وقال أحدهم: "ذلك يعني بوضوح ان الأمر لا يقتصر على منزل ياسر عرفات في تونس ولا صواريخ سكود الخاصة بالرئيس العراقي صدام حسين، وانما هو شأن يتعلق بالكيفية التي تستهدف بها الولايات المتحدة المنشآت النووية السوفياتية والقدرات والامكانات الدفاعية الخاصة بتلك المنشآت".
وقال ديفيد جينيسون، وهو أحد وكلاء النيابة الذين مثلوا الاتهام ضد بولارد، ان معظم تلك المعلومات التي سرقها بولارد لا تفيد اسرائيل في شيء سوى الضغط والمساومة مع الولايات المتحدة ودول أخرى. إذ ان موسكو مستعدة لدفع أعلى ثمن لمن يزودها أي معلومات لم تخضع للحذف أو الاضافة إذا كانت تتعلق بتقويم استخبارات الولايات المتحدة للمنشآت النووية السوفياتية. وربما كان رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق على استعداد لمساومة موسكو على تلك المعلومات في مقابل تسهيل هجرة اليهود الروس.
وعندما تقدمت جماعات ضغط يهودية في العام 1995 بطلب للعفو عن بولارد، علّق وليام ستودمان مدير وكالة الاستخبارات المركزية سي. آي. ايه بالوكالة في تقرير رسمي بالقول: "يجب عدم اطلاق بولارد. انه لا يزال يمثل خطراً أمنياً". ورأى ستودمان ان بولارد بذاكرته القوية لا يزال قادراً على تمليك الاسرائيليين مزيداً من أسرار الاستخبارات الأميركية ومعلوماتها


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.