أعاد "وحش العنف" الذي ضرب أخيراً ولاية غليزان 250 كلم غرب العاصمة، الى الأذهان مجازر الخريف الماضي في قرى الريس وبني مسوس وبن طلحة... الواقعة على اعتاب العاصمة. وتؤكد المجازر الأخيرة ان "الوحش" انتقل فعلاً الى الغرب الجزائري، بعد تضييق الخناق عليه وسط البلاد خصوصاً. وتتفاوت تقديرات المصادر المختلفة لعدد ضحايا غليزان: - مصادر "شبه رسمية" تؤكد ان عددهم 78 قتيلاً اضافة الى 30 جريحاً تقريباً. - مصادر اعلامية تضاعف العدد الى 412 قتيلاً تحديداً. - مصادر "جديرة بالثقة" تتحدث عن "أكثر من 600 قتيل". والملاحظ ان هناك أكثر من وجه شبه بين مجازر غليزان ومجازر محافظة الجزائر الكبرى، لا سيما من حيث عدد الضحايا وتضارب المعلومات عن هذا العدد. ترى من الفاعل هذه المرة؟ شهادات "بقايا" المجزرة - الذين يؤكدون ان نجاتهم من قبضة "الوحش" تشكل "معجزة حقيقية" - لا تشير الى تنظيم معيّن. وحتى السلطات الجزائرية - والاعلام المحلي - أصبحت تتحرج من اتهام "الجماعة الاسلامية المسلحة"، منذ أن استعمل الجيش الجزائري "وسائله الثقيلة" لضرب مواقع "الجماعة" في أولاد علال وقايد قاسم في أيلول سبتمبر وتشرين الأول اكتوبر الماضيين. لكن المعروف ان التنظيم المسلح الذي يعرف عادة بهذا "الاسم" هو في الغرب الجزائري عامة أقوى من "الجيش الاسلامي للانقاذ" الذي يعلن الولاء للقيادة التاريخية للجبهة الاسلامية والذي كان قائده أحمد بن عائشة اعلن "الهدنة" في تشرين الأول اكتوبر الماضي تأييداً للقائد العام لهذا "الجيش" مدني مرزاق. فإذا كانت "الجماعة" هي الفاعل فإن ذلك يعني أشياء كثيرة أهمها: 1- ان هذا "التنظيم" المسلح أقوى بكثير مما تدعيه السلطات الجزائرية والاعلام الموالي لها. 2- انه نقل المعركة الى غرب البلاد، بعد محاصرته في المناطق المجاورة للعاصمة. 3- ان يكون حصل على أسلحة مهمة من الخارج، الأمر الذي ما انفك يشكل هاجساً حقيقياً للسلطات، لأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية خصوصاً تتيح "امكانات واسعة للتجنيد"، على رغم القمع الذي تمارسه قوات الأمن منذ اندلاع موجة العنف قبل 6 سنوات. لكن هناك بعض المؤشرات تفتح الباب أمام تفسيرات أخرى منها: - عشية رأس السنة اغتيل زهاء 30 شخصاً في قرى ناحية مغيلة شمال تيارت غرب البلاد. وحسب الصحافة المحلية فإن الضحايا قتلوا بعد أربعة أيام فقط من عودتهم الى مساكنهم التي كان الجيش قد أجلاهم منها، لأنهم رفضوا حمل السلاح دفاعاً عن أنفسهم! - في تصريح نسب الى العميد كمال عبدالرحمن قائد الناحية العسكرية الثانية شمال غربي البلاد، انه "خيَّر سكان المناطق الجبلية بين التسلح أو النزوح الى المدن" لأنه باختصار، لا يمكن أن نضع وراء كل مواطن جندياً لحمايته" حسب قوله! والمشكلة هنا ان السلطات غير قادرة على التكفل بالنازحين الذين يتركون وشأنهم، لذا يضطر أكثرهم الى العودة الى مساكنهم بعد فترة تشرد حقيقي، فمنهم من "يرضخ" مكرها الى حمل السلاح ومنهم من يفضل "البقاء على الحياد"، وعادة ما يكون الضحايا من "المحايدين" في وقت تعلن قوات الأمن صراحة أنه "لا مجال للحياد... وكل من يرفض حمل السلاح فهو في الصف الآخر"! وهناك شواهد متطابقة، تؤكد ان قوات الأمن لم تتحرج من استعمال "الحيل الحربية" لأكراه السكان المترددين في بعض المناطق على حمل السلاح. وتطرح هذه الشواهد اشكالية "الدفاع الذاتي" بحدة: فهل من حق أي دولة أن تلقي بمسؤوليتها في حفظ أمن الأشخاص والممتلكات على مواطنيها؟! وهل يجوز لنظام حكم ما أن يكره المواطنين على حمل السلاح للدفاع عنه؟! بعض أوساط المعارضة لا تتردد في اتهام النظام بأنه "يريد اقامة متاريس بشرية لحماية مواقعه، من دون تقدير عواقب ذلك على المواطنين!". وهناك سؤال آخر يطرح نفسه بإلحاح: من المستفيد من مجازر عشية رأس السنة وقبلها مجازر الريّس وبني مسوس وبن طلحة؟ وفي حالة اتهام "الجماعة الاسلامية المسلحة" من الصعب تبين أوجه الفائدة المنتظرة من أعمال وحشية على شاكلة هذه المجازر. وتشيع أوساط قريبة من الحكم ان هدف "الجماعة" من مثل هذه المناكر هو "تدويل البحث عن حل للصراع الدائر منذ أواخر 1991، وذلك بتشجيع الأممالمتحدة - أو أوروبا - على التدخل والتوسط بين الفرقاء في أحسن الاجال". وتتهم هذه الأوساط المجتمع الدولي ضمنياً بالسعي الى "توفير مقعد للارهاب في مائدة المفاوضات المحتملة"، من خلال فكرة "التحقيق الدولي في المجازر"، هذا التحقيق الذي "يعتبر مبدئياً قوات الأمن طرفاً متهماً اسوة بالجماعات المسلحة التي يضفي عليها التحقيق الدولي صفة الاعتراف بها. و"المنطق الميكافيلي" نفسه قد يدفع "الجناح الاستئصالي" في الحكم الى ارتكاب مناكر بهدف تحريك الموقف على الصعيد الدولي لمصلحته: أي اتخاذه كغطاء لأحكام قبضته الحديدية على مقاليد الأمور في البلاد. ويستشهد أصحاب هذا الطرح بتشكيلة "المجلس الاسلامي الأعلى" الذي نصبه الرئيس اليمين زروال وهي تشكيلة غلب عليها للمرة الأولى منذ استقلال الجزائر عام 1962 الطابع الثقافي والحضاري، وكشاهد على ذلك تعيين أستاذ علم الاجتماع والوزير السابق للثقافة عبدالمجيد مزيان على رأس المجلس الاسلامي الجديد، خلفاً لشخصية دينية معروفة من الرعيل الثاني ل "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" هو الشيخ أحمد قمّاني. وقد أثار الاعلان عن تشكيلة المجلس استياء في الأوساط التقليدية، الى حد التساؤل عن "علاقة الاستاذ عبدالمجيد مزيان وبعض رفاقه في المجلس بالصلوات الخمس"! لكن بعض المراقبين يفسرون المجازر الأخيرة في عدد من مناطق الغرب الجزائري بتصاعد نشاط الجماعات المسلحة الموجه ضد قوات الأمن، واستمرار تواطؤ بعض سكان المناطق المستهدفة مع هذه الجماعات، على رغم "التنبيهات" المتكررة الصادرة عن قوات الأمن. ان هناك نتائج عدة تتبادر الى الأذهان للوهلة الأولى منها: ان "الحل المؤسساتي" للأزمة كما تصوره الحكم، أثبت أنه غير كاف. وكدليل على ذلك أنه لم يخفف من مخاطر "التهديد الارهابي"، فكيف بازالة هذه المخاطر نهائياً. ان رد الفعل الدولي على المجازر أكد مرة أخرى ان المجتمع الدولي غير مقتنع ب "الحل المؤسساتي"، ومن ثم فهو لا يزال ينتظر "حلولاً سياسية للأزمة". فواشنطن مثلاً لا تزال تنصح بمحاورة "الاسلاميين المعتدلين" تمهيداً "لمصالحة وطنية" حقيقية. تبديد الانطباع الذي بدأ يترسخ في أذهان المواطنين والرأي العام الدولي بأن "الحل المؤسساتي" قد يشكل حلاً للأزمة أو مدخلاً للحل، مشككاً في نفس الوقت في جدوى "التطبيع القسري"، عبر "مؤسسات منتخبة" لكنها تظل مع ذلك منقوصة الشرعية، نظراً الى الطعون الكثيرة التي رافقت أو أعقبت عملية انتخاب هذه المؤسسات. وأخطر من كل ذلك أن المجازر الأخيرة جعلت من مسألة التحقيق فيها مطلباً دولياً ملحاً. لقد طالبت واشنطن بذلك صراحة بعدما نصحت قبل شهر ونصف "بقوة" السلطات الجزائرية "بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية وتمكينها من اجراء التحقيق في المجازر التي تستهدف المدنيين". وفي الوقت نفسه لم يتردد وزير الخارجية الفرنسي السيد أوبير فيدرين من "تذكير هذه السلطات بواجباتها في حماية مواطنيها". وردت الخارجية الجزائرية بتشنج على الموقفين الفرنسي والأميركي. واللافت ان السلطات تخشى بصفة خاصة تقارب وجهات النظر الدولية، اذ قد يساعد على بلورة حل سياسي بديل للحل "الاداري الأمني" الذي سعى الرئيس زروال الى فرضه بقوة "السلاح والمناورة"، كما يمكن أن يؤدي في مرحلة لاحقة الى فرض هذا الحل بطريقة أو بأخرى. ويشير رفض الجزائر لمبدأ التحقيق الدولي الاستغراب لأنه من المفروض أن تكون نتيجته لمصلحة النظام الذي يؤكد أنه يعرف القتلة جيداً. ومعنى ذلك أن بامكانه تقديم الدليل القاطع لادانتهم دولياً، وتبرئة ساحته.