تعيش الجزائر العاصمة منذ مذبحة بني مسوس ليلة السادس من ايلول سبتمبر الجاري "جواً انقلابياً" شبيهاً بالجو الذي سبق أحداث أكتوبر 1988 التي كادت تعصف بالرئيس الشاذلي بن جديد وهو في نهاية ولايته الثانية. فقد استبد الخوف ببعض احياء العاصمة، وغطت سحب الاشاعات سماءها، وأصبح "شبح الارهاب" ينتقل من حارة الى حارة دافعاً بأمواج السكان دفعاً الى الشارع، لغاية لم تتضح كامل أبعادها بعد، وإن كانت أصوات كثيرة تؤكد "أن القصر الرئاسي هو بيت القصيد"! هذا "الجو الانقلابي" بدأ يتسرب الى الجزائر العاصمة منذ مذبحة الرّيّسْ ليلة 29 الشهر الماضي التي ذهب ضحيتها، حسب مصادر حسنة الإطلاع، 416 شخصاً، بينما يتجاوز العدد 500 قتيل حسب رواية شهود من القرية. هذه المذبحة - الأولى من نوعها منذ افلات مارد "العنف الجزائري" من قمقمه قبل ست سنوات - حدثت على مقربة من ثكنة عسكرية، يؤكد شاهد من محيطها ان جنودها تلقوا قبل ثلاثة أيام "أمراً صارماً" بملازمة أماكنهم في حالة ملاحظة "أمر ما" خلال اليومين أو الثلاثة المقبلة. وحسب الاشاعات المتداولة عن المذبحة، فإن الجنود طبقوا الأمر حرفياً، حتى ان بعضهم لم يتردد في اطلاق النار على السكان الفارين الى الثكنة طلباً للحماية والنجدة. وحسب الشهود دائماً فإن المهاجمين كانوا يحملون "كلاشات بنادق رشاشة جديدة، ويرتدون الزي العسكري مموها بملابس مدنية تبدو رثة وسخة. وتتضارب الشهادات حول وسيلة النقل التي داهموا القرية بواسطتها، فبعض الشهادات تحدث عن وسيلة تقليدية هي الشاحنات، بينما أكدت شهادات أخرى ان المهاجمين استخدموا وسائل نقل غير مألوفة لديهم. وبعد ثمانية أيام شهدت العاصمة الجزائرية مذبحة جديدة قتل فيها زهاء 60 شخصاً - حسب مصادر طبية - بالأسلوب نفسه: الرصاص والسلاح الأبيض. مذبحة ليلة السادس من أيلول الجاري حدثت في بني مسوس التي تتواجد فيها ثكنات عسكرية عدة، والواقعة على الطريق المؤدي الى "المناطق الآمنة" المحروسة، مثل نادي الصنوبر وموريتي وسيدي فرج، حيث يقيم كبار الضباط والمسؤولين في الدولة والحكومة. أما مسرح المذبحة فكان حياً من القصدير، يقطنه فقراء هربوا من المسيلة 250 كلم جنوب شرقي العاصمة. ونقلت صحافية على لسان امرأة من اللواتي نجون، ان هذه المرأة تمكنت من الاتصال هاتفياً بمركز الشرطة فتلقت الجواب الآتي: "الأمر من اختصاص رجال الدرك". وأعادت هذه السيدة الكرة مع الحماية المدنية فلم يرد عليها أحد. ترى من يقف وراء هذه المذابح التي تزداد حجماً وبشاعة يوماً بعد يوم؟ المتهم الجديد هم طائفة "الغاضبون" "الذين أعلنوا كفرهم بعدما لم يستطيعوا تحقيق مآربهم من السلطة"! طائفة متوحشة! وتصف الدعاية المسربة عبر الصحافة - الخاصة والحكومية - "الغاضبون" بأنهم "طائفة متوحشة محلوقة الشعر مطلوقة اللحي المخضبة بالحناء مقطوعة السبابات تعوي عند الهجوم كالذئاب...". بيد ان هذه الدعاية تركت أثراً عكسياً لدى شرائح واسعة من الرأي العام المحلي التي أصبحت تعتقد بأن مثل هؤلاء القتلة لا يمكن ان تكون لهم أية علاقة بالإسلام بأي شكل من الاشكال. وتذهب الدعاية المضادة الى حد وصف القتلة "بالمرتزقة الذين جيء بهم من صربيا، بدليل ضخامة أبدانهم وطول قاماتهم مقارنة بعامة الجزائريين". وتؤكد هذه الحقائق وأشباه الحقائق شيئاً واحداً هو ان مذبحة الريس وبعدها مذبحة بني مسوس، تشكلان نقطة تحول في الرأي العام المحلي الذي بات مقتنعاً أكثر فأكثر بأن المذابح التي تستهدف مواطنين عزلاً من الصعب ان تنسب للجماعات الاسلامية وحدها. إن معظم ضحايا هذه المذابح، حسب شهادات متطابقة، من المتعاطفين سابقاً مع الجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة والمشتبه بهم حالياً بتشكيل "قواعد دعم وإسناد" للجماعات المسلحة. ويقر التفسير الرسمي لهذه المذابح بذلك، لكنه ينسبها للجماعات المسلحة بدعوى "ان الضحايا تراجعوا عن دعمها وإسنادها. ومن ثمة استحقوا عقابها". لكن "التفسير المضاد" يعتبر المذابح حلقة في مخطط "ضرب شبكات الدعم والاسناد" للجماعات المسلحة. ومهما يكن فقد "اتسع الفتق عن الرتق"! بعبارة اخرى ان الجماعة الاسلامية المسلحة، لم تعد تكفي لتغطي وحدها مذابح بهذا الحجم في مناطق عسكرية، لا سيما ان الدعاية الحكومية بالغت في التقليل من شأن "بقايا الارهاب" الأمر الذي يتناقض كلياً مع حكم الجرائم والجرأة النادرة لمرتكبيها وعدم وجود أي أثر لهم بعد تنفيذ عملياتهم. ولعل هذا ما يفسر تدارك الدعاية الحكومية أخيراً - بعد شعورها بخطأ الإفراط في التقليل من شأن "الجماعة" - بإعادة بعث قائدها عنتر الزوابري في جبال المدينة كاف تكرينة بعدما كان "حوصر وقتل عشرات من أنصاره في إحدى الروابي القريبة من بلدة الحطاطبة تيبازة في تموز يوليو الماضي". وقد بلغت الشبهات حول هذا الفصيل درجة اضطرت الحكومة الى استعمال أحد منابرها الاعلامية في محاولة واضحة لتبديد هذه الشبهات بتقديم "الغاضبون" كطائفة من الجماعة الاسلامية تضاهي في تطرفها وغلوها طائفة "الحشاشين"! ويعني التحول في الرأي العام المحلي ان المذابح الأخيرة تحتمل قراءة سياسية غير الصورة الشائعة، لا سيما ان "الاحزاب الاستئصالية" سارعت - في تنسيق واضح مع دوائر معينة في الحكم - الى محاولة استغلالها لضرب استقرار الرئيس زروال والمطالبة بتأجيل الانتخابات المحلية المقبلة، حتى تظل شرعية بعض المؤسسات الدستورية منقوصة، ولا يكبر الرئيس زروال الى درجة التفكير في التحليق بالاعتماد على جناحيه فقط! وتروج في كواليس هذه الاوساط أطروحة مفادها ان رئيس الجمهورية سيحاول بعد استكمال المسار الانتخابي وتنصيب "مجلس الأمة" - الغرفة الثانية في البرلمان - تجاوز المأزق السياسي القائم منذ 1992 ولو على حساب الحل الأمني. وتخشى هذه الأوساط بصفة خاصة ان يؤدي ذلك الى ابعاد الفريق محمد العماري من قيادة أركان الجيش، الأمر الذي يفقدها ورقة سياسية مهمة ما انفكت توظفها لحماية مواقعها السياسية والاقتصادية. وتعبر هذه الأطروحة، ربما بطريقة عفوية، عن جوهر الصراع القائم في الجزائر منذ وفاة الرئيس هواري بومدين العام 1978، وابتداء من تشرين الأول اكتوبر 1988 على وجه الخصوص. لقد كانت "النخبة الفرنكوفونية - بقيادة النخبة القبائلية" تعتقد بعد ان تمكنت من اضعاف الجناح الوطني في الحكم بواسطة حرب مواقع شرسة استعملت فيها وسائل غير تقليدية ان باستطاعتها الاستيلاء على السلطة بمفردها عبر التجربة الديموقراطية، انطلاقاً من مواقعها الغالبة في قطاعات حساسة كالإدارة والاعلام والأمن فضلاً عن المالية والاقتصاد. لكن الانتخابات الأولى عامي 1990 و1991 كشفت خطأ هذه الحسابات وخلطت أوراق "النخبة" بعدما بينت للملأ ان المستفيد الأكبر من انحسار المد الوطني هم الاسلاميون. وقد صعقت "النخبة" لذلك فارتكبت وساهمت بطريقة أو بأخرى في دفع بعض الضباط الى الدخول في "مغامرة الحرب على الاسلاميين" من دون تحليل دقيق للوضع وحسب معطيات خاطئة تؤكد ان القضاء على الاسلاميين ممكن خلال شهرين العربي بالخير وزير الداخلية و"أكيد بعد سنتين" اللواء خالد نزار وزير الدفاع. ويعتبر المراقبون في الجزائر مذبحتي الريس وبني مسوس نقطة تحول في الرأي العام الجزائري الذي اصبح يفسر المذابح التي يذهب ضحيتها مواطنون عزل "بتنازع على الحكم ومواقع النفوذ"! والجدير بالذكر ان المعارضة الجزائرية نجحت في تمرير فقرة مهمة في دستور 28 تشرين الثاني نوفمبر 1996 "تمنع استعمال العنف للوصول الى السلطة"، وكذلك "استعمال العنف للاستمرار في السلطة". فهل يُفهم من ذلك ان الإرهاب في "الجزائر أمام محاولة البقاء في السلطة بالقوة؟". لكن هل تنجح "النخبة القبائلية" في الإطاحة بزروال؟ مصدر ديبلوماسي أكد لپ"الوسط" ان السفير الاميركي الذي يستعد لمغادرة الجزائر في 19 الشهر الجاري يبدو مطمئناً من هذه الناحية، ففي تقريره "ان لا خوف على زروال". وعلى الصعيد السياسي يبدو من ردود الفعل المستنكرة لدعوة "تجمع" سعيد سعدي الى تأجيل الانتخابات المحلية المقرر اجراؤها في 23 تشرين الأول اكتوبر المقبل ان الرئيس زروال يمكن ان يعول على الاحزاب الوطنية والاسلامية. وهناك عامل إيجابي آخر لمصلحته يتمثل في موقف قيادة الجبهة الاسلامية للانقاذ المحظورة التي دعت المواطنين في العاصمة وضواحيها الى نبذ الخوف وعدم الاستسلام للذين يحاولون استغلال مآسيهم لأغراض سياسية، و"التسلح بما ملكت أيديهم دفاعاً عن أنفسهم بعد تقصير الدولة في حمايتهم". وكان الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة المحظورة قد أعلن أخيراً لصحيفة نمسوية ان السلطات طلبت منه فعلاً عند الافراج عنه في 15 تموز يوليو الماضي مساعدتها لوقف إراقة الدماء والخروج بالبلاد من دوامة العنف المدمرة. وعلى الصعيد العسكري يمكن للرئيس زروال أيضاً ان يعتمد على بعض الضباط الأوفياء الذين لا يمكنهم الخروج على اجماع المؤسسة العسكرية، على رغم كل ما قيل ويقال عن "الخلافات" المحتملة بين "أنصار الحل الأمني" و"الداعين الى إعطاء فرصة أكبر للحوار والحلول السياسية". واللافت هنا ان "النخبة القبائلية"، جناح سعيد سعدي ورضا مالك والهاشمي الشريف، ما انفكت تحاول "ضرب" الرئيس زروال بالمتشددين في قيادة الجيش مستغلة في ذلك، مواقعها في المنظومة الاعلامية من جهة وعلاقات المتشددين ببعض الأوساط التجارية والمالية في العاصمة من جهة ثانية. وبفضل هذه المواقع والعلاقات استطاعت ان تشيع في بعض أوساط الرأي العام ان "أنصار الحل الأمني" مستاؤون من الإفراج عن الشيخ عباسي مدني وغير موافقين عليه. ومهما يكن فإن مذابح الريس وبني مسوس تشكل مظهراً من مظاهر ارتباك اصحابها، سواء أكانوا في الحكم أو في المعارضة. وقد حققت هذه المذابح عملياً شعار رضا مالك في ربيع 1994 الذي قال فيه "ان الخوف يجب ان يغير معسكره"، لقد انتقل الفزع والخوف الى معسكر الاسلاميين. لكن ليس مستبعداً ان يغير الأمل معسكره أيضاً، اذا ما استمر الانسداد السياسي الراهن، وتواصلت مآسي الشعب الجزائري على الوتيرة نفسها الى أجل غير مسمى .