يمكننا أن نقارن بين نزيه أبو عفش و"الشعراء الفقراء" الاميركيين فيرينغيتي، غينسبرغ، تورسو..، فهنا وهناك يتغذى الغضب والاحتجاج من روحانية موازية. وأبو عفش في آخر مجموعاته "ما يشبه كلاماً أخيراً" "دار المدى"، دمشق، يدير الكلام في الغالب عن الموت، وكتابه بحق كتاب الموت. يلح الشاعر على ذلك، فيبدو الكتاب ذا وحدة استثنائية: قصيدة بعد أخرى يبدو الشعر أشبه بكتابة ميت، بل بحلم رجل ميت بأنه حي... أو رجل حي بأنه ميت. نقرأ مثلاً: "ويهب النور على عيني فأحسبني حياً/ وأقوم إلى شأني"، "أحلم أن أنام كالمسيح/ عارياً بين ذراعي أمي العذراء"، "كأني إلى قبر أهلي... أراهم يطوفون حول سريري وقد نعسوا"، "خذي من يدي أبي"، "قفا واعدا الرثاء على مهل وارفعاني قليلاً عن الارض حتى نواصل دورتها دونما لقب"، "كي أعود خفيفاً إلى خالتي الارض"... يبدو جليّاً مما سبق أننا أمام شعر جنائزي، والمخيلة تستمد من طقوس الموت وأساطيره وأدبه. إن اصرار الشاعر على هذه ال والمجموعة هي أيضاً قراءة للرثاء العربي، ففيها ما يذكر بأجمل أنفاسه. في عبارة أبو عفش المكتنزة، وغنائه القوي، وأسلوبه ذي الطبيعة الحوارية ما يذكر بمراث كبرى في الشعر العربي. بل أن في "البرزخ" محاكاة صريحة لها، ولمرثية مالك بن الريب لنفسه بوجه خاص. لكننا ونحن نذكر "الرثاء" لا نقف عند الموضوع فحسب. فالرثاء هنا رثاء للنفس والعالم، ونحن عند نص يطمح، بل يصل في أحيان، إلى أن يكون موقفاً كينونياً وميتافيزيقيّاً. والحال أن النبرة الجنائزية والرؤية الكينونية يتنازعان النص أو النصوص دائماً، فنقع أحياناً على حرفية الموت وأحياناً أخرى على أصدائه الميتافيزيقية. ونجد في بعض الشعر قوة النشيد والرثاء الكوني، وفي بعضه الآخر مباشرة الموت وحرفيته. والمجموعة شعر موزون ونثر، وهي في موزونها تجعل أبو عفش واحداً من قلة نادرة ترتقي بهذا الشعر، بل نحن قلمّا نقع في هذه الايام على ما في قصيدته من تجديد واغناء واطلاق عبارة ومخيلة. أما في شعره المنثور، فليس الشاعر دائماً في المستوى نفسه. فبعض نثره استراحة على السفوح، وبعضه بطبيعة الحال صعود. والمهم أننا، في "ما يشبه كلامآً أخيراً"، نجد أبو عفش في أفضل أحواله: حميم وحار وقوي معاً. عباس بيضون "حرفية" مدهش، إذ نشعر أننا أمام "كتاب موتى" آخر، أمام لقاء شبه مادي بالموت . فمسار الميت، وطوافه في رحلته الأخيرة، ونزوله إلى العالم السفلي كما تظهر في شعر أبو عفش، نظير ما نجده في الأساطير الاغريقية والمصرية. إذ ليس الموت، لدى الشاعر السوري، مجرد غياب. إنه بالأحرى حضور، ورحلة، ونوع من حياة أخرى، وولادة ثانية. الموت لديه أهومة وتوهمات، لكنه عامر مأهول كالحياة نفسها، نظير ما نجده مثلاً في المعتقدات القديمة حيث كان يُترك للميت طعاماً. ولا يبدو الشاعر بعيداً عن تلك الأساطير.