من المبكر التكهن بصورة "الشرق الأوسط الجديد"، فلا التسوية السلمية بلغت محطتها النهائية، ولا المتغيرات الكبيرة والحركة المحمومة للدول العربية تشير إلى حد أدنى من استعادة التضامن المفقود والتنسيق المطلوب، لمواجهة إسرائيل التي تبدو الأكثر ارتياحاً إلى مستقبل موقعها في الخريطة المقبلة للمنطقة، عسكرياً واقتصادياً. لا تزال الطريق طويلة، ما دام الصراع على الأدوار والأحجام بين القوى الإقليمية في تصاعد، وما دام كثير من هذه القوى يسعى جاهداً إلى ترتيب أوضاعه الداخلية بما يلائم المتغيرات المتسارعة ويعزز قدراته على أداء ما يطمح إلىه من موقع... كل ذلك في سباق مع الوقت قد يكون قاتلاً. الأردن شكل حكومة جديدة تناسب المرحلة الجديدة والدور الجديد للبلاد، مرحلة إعادة تطبيع العلاقات مع دول الخليج بما تعنيه من تنسيق سياسي وأمني واقتصادي. فالمملكة الهاشمية تطمح إلى موقع الجسر بين الخليج وإسرائيل والكيان الفلسطيني أياً كان شكله، وموقع الجسر بين العراق والدولة العبرية، مع ما يحمل هذا الجسر من مفاهيم اقتصادية وتبادل خبرات ورساميل. ولا شك في أن عمان تحاول الإفادة من إطالة عمر المفاوضات على المسارين السوري واللبناني، في إعادة بناء علاقاتها مع الدول الخليجية، وممارسة دور كبير في ما يتعلق بمستقبل العراق. وهي تفيد في هذا المجال من الرهان الأميركي على هذا الدور. ذلك أن واشنطن لا تبدي استعداداً لفتح الملف العراقي مع سورية قبل أن تحقق المفاوضات مع إسرائيل إنجازاً ملموساً. وربما كان كلام وزير الدفاع الأميركي أخيراً على تعاون بين الولاياتالمتحدةوالأردن في نشاطات تهدف إلى تسريع سقوط النظام في بغداد جزءاً من الضغط على دمشق لاستعجال التسوية السلمية. كما أن واشنطن تعرف، مثلما يعرف الجميع أن تغيير عمان موقفها السياسي والاقتصادي من نظام الرئيس صدام حسين دفع هذا النظام إلى التخلي عن شروطه وبدء حوار مع الأممالمتحدة. وتشكل موافقة العراق على هذا الحوار - وإن جاءت نتيجة لا مفر منها بعد إقفال البوابة الأردنية ونتيجة نصائح روسيا وفرنسا وبعض العرب - نقطة تحول مهمة. ويعني نجاح هذا الحوار، وإن كان متوقعاً له أن يطول، أن بغداد بدأت تدرك أخيراً أن لا مفر من الرضوخ للقرارات الدولية وقوانين النظام الدولي الجديد. أما إذا كان الحوار جزءاً من خطة أو فخاً فإن فشله أو إحباطه سيؤدي إلى انهيار آمال النظام في بغداد... وآمال الذين تضربهم هذه الأيام حمى إرتفاع قيمة الدينار في مقابل العملات الصعبة. إلى هذين التحولين في الأردنوالعراق، دخلت المفاوضات بين سورية وإسرائيل مرحلة من الجمود كان توجه حكومة شمعون بيريز إلى تقديم موعد الإنتخابات البرلمانية أحد أبرز تعبيراتها، مثلما يشكل الجدل الدائر في لبنان حول قانون الإنتخابات النيابية والغموض الذي يلف مصيرها بين اقتراح إجرائها على مرحلتين أو التمديد للمجلس الحالي وغير ذلك أحد تعبيراتها السورية. وليس مهماً نجاح وزير الخارجية الأميركي وارن كريستوفر في حصوله على تعهد الطرفين إبقاء المفاوضات حية على نار خفيفة على رغم انصراف الإسرائيليين إلى انتخاباتهم، وقريباً الأميركيين إلى انتخاباتهم الرئاسية، بقدر ما المهم عامل الثقة بين الطرفين المتفاوضين وعامل الوقت أيضاً. ذلك أن بيريز يرغب، بتقديم موعد الانتخابات، في الإفادة من الوقت الضائع ودخول مرحلة من الاستقرار الحزبي والسياسي للتفرغ للمسار السوري، بدل انتظار موعدها الأصلي واحتمال تعرضه لضغوط سورية في عز معركته الانتخابية. وإذا كانت إسرائيل تحذر سورية من لعبة الوقت، فإن دمشق كانت ولا تزال تعتقد بأنها قادرة على التعامل مع هذه اللعبة، على رغم زخم حركة التطبيع في المنطقة والتطورات العراقية. بل تشعر بأن الوقت لمصلحتها لانهماكها بأولويات كثيرة، ليس بينها لبنان وحده حيث يسلم لها الجميع بالنفوذ، بل هناك ترتيب الأوضاع الداخلية وما تفرضه التطورات الاقليمية من تغييرات محلية، سياسية واقتصادية، وهناك ملف المياه مع تركيا، وانتظار جلاء التحول الكبير في إيران وما ستحمله الانتخابات البرلمانية في هذا البلد في الربيع المقبل، ومواصلة دعم العلاقات مع الولاياتالمتحدة وأوروبا... فضلاً عن مستقبل الوضع في العراق ونتائج مفاوضات المرحلة النهائية بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ...هذا غيض من فيض المسيرة الطويلة لبناء "الشرق الجديد"، فهل يمهل الوقتُ المهندسين العرب فيما تبدو إسرائيل الأكثر إرتياحاً وأماناً؟