الحملة التي شنتها على سورية بعض الصحافة الإيرانية، بما تمثل من دوائر رسمية وقوى سياسية محلية، أظهرت أن لسورية دوراً إقليمياً أبعد من لبنانوالعراق. مثلما أظهر اسكات الحملة سريعاً أن لا غنى عن استمرار العلاقات بين دمشقوطهران ما دام أن للعاصمتين مصالح مشتركة، أو بالأحرى أظهر اسكاتها أن لا بديل للجمهورية الإسلامية من البوابة السورية... وإلا اكتمل الحصار وطال. كانت الحملة الإيرانية أشبه بردة فعل عفوية، ليس على بيان "إعلان دمشق" وما حمل من تأييد "سوري" متجدد لحق دولة الإمارات في سيادتها على الجزر الثلاث التي تحتلها إيران في الخليج، بل على الإنفراج في المسار السوري - الإسرائيلي. ذلك أن أي إنجاز في المفاوضات سيحد من حرية استخدام طهران ورقة غياب التسوية الشاملة، واستخدامها بوابة دمشق لتأكيد وجودها على حدود الصراع، سواء عبر "حزب الله" أو عبر فصائل وقوى راديكالية تتخذ من لبنان منطلقاً للمقاومة المسلحة والإعلامية ومن سورية منطلقاً للعمل السياسي. وتعزى ردة الفعل هذه إلى مخاوف طبيعية لإيران التي تدرك أن لا قدرة لها على مقاومة التسوية ولا على محاولات رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط. مثلما تدرك أن هذه الخريطة لن تكتمل صورتها إلا بانضمامها إليها وبانضمام العراق أيضاً، وأن لها تالياً مصلحة أساسية في أن تحجز لها كرسياً إلى الطاولة النهائية للسلام. وتعرف جيداً أن سورية قناتها الوحيدة الآن لتطبيع علاقاتها مع النظام الدولي الجديد وعلى رأسه الولاياتالمتحدة تمهيداً لإدخالها النظام الإقليمي ومرحلة التطبيع مع اسرائيل. وربما أرادت إيران بحملتها على سورية أن تنبهها وتنبه الولاياتالمتحدة أيضاً إلى أن لها دوراً وأن أحداً لا يمكنه أن يحل محلها أو أن يمثلها في ما يدور ويرسم للشرق الأوسط. من هنا يمكن اعتبار تصعيد حدة المواجهة بين طهرانوواشنطن وجهاً آخر من وجوه الصراع على الأدوار والمواقع في رسم الصورة المقبلة للمنطقة. هذا يعني أن ظاهر الأمور غير بواطنها، وأن حملة بعض الدوائر الإيرانية على سورية لن تصل إلى حد القطيعة إذا ما تجددت مع حمل المفاوضات جديداً. وأن التصعيد المتبادل بين إيرانوالولاياتالمتحدة لا يمكن أن يصل إلى حد الصدام والمواجهة العسكرية بينهما. فلا واشنطن أعلنت من قبل أنها تطلب رأس النظام الإسلامي، ولا الموازنة التي أقرها الكونغرس الأميركي 20 مليون دولار أخيراً للعمل ضد النظام الإيراني تشكل ذلك الرقم الذي يوحي بخطة لإسقاط نظام كان لسنوات ينفق أضعاف أضعاف هذا المبلغ لمحاربة "الشيطان الأكبر". كأنما الهدف الذي تريده واشنطن من الجمهورية الإسلامية لم يتغير ولم يتبدل، وهو لا يتعدى السعي إلى تدجين النظام في طهران، بخلاف الحال مع النظام في بغداد الذي قد يعرقل بقاؤه إنجاز مرحلة التطبيع الشاملة في الشرق الأوسط الجديد. وقد أفادت قوى سياسية إيرانية محلية من هذه "التحريك" الأميركي ل "تحريك" الساحة الداخلية التي تستعد لانتخابات رئاسية الربيع المقبل. لا تعني هذه اللعبة الكبيرة أن القطيعة حتمية بين سورية وإيران، ذلك أن دمشق تحتاج إلى ورقة التشدد الإيراني ليكون مقابلها كبيراً. وطهران تحتاج إلى البوابة السورية لتظل مدخلها الوحيد إلى المنطقة. ولا تعني اللعبة الكبيرة أن التطبيع بين إيران وأميركا بات وشيكاً، فالإنشغال بالإنتخابات الرئاسية وحساباتها السياسية في البلدين لا تسمح بمثل هذه الخطوة التي قد تتأخر حتماً إلى السنة المقبلة. لذلك يظل التصعيد المتبادل بين الطرفين والحملة الإيرانية المعلقة على سورية جزءاً من أدوات الصراع الداخلي في الجمهورية الإسلامية، ونوعاً من "الحوار" الذي لا بد من تغذيته بتراشق ناري يبقي الأجواء ساخنة إلى أن يحين موعد "التسويات" النهائية، موعد التطويع النهائي... الطريق الوحيد إلى التطبيع النهائي.