عندما قرر الأردن أن يمنح اللجوء السياسي لعدد من الفارين العراقيين من "عائلة النظام" لم يكن ينهج سياسة عامة جديدة. كان يواصل ما سماه، إثر توقيع اتفاق السلام مع اسرائيل من دون انتظار "التسوية الشاملة" التي نادت بها سورية، الحفاظ على المصير والموقع والدور الاقليميين، والخروج من العزلة الدولية التي انتهى اليها بسبب موقفه في حرب الخليج الثانية. كان معبراً إلزامياً للعراقيين المحاصرين. وكان ناشطاً في السعي إلى رفع الحصار عنه وكان الطريق والمتنفس الرئيسي الذي يخفف وطأة هذا الحصار... لذلك هو معبر إلزامي للفارين، وهوقادر على اقفال المتنفس للتضييق على نظام صدام حسين ومضاعفة متاعبه. أي انه قادر على ممارسة دور في التغيير المطلوب في بغداد حين يجيء موعد إعادتها إلى الأسرة الدولية. موقعه الجغرافي وموقفه المتعاطف مع العراق أثناء قيام التحالف لتحرير الكويت، ثم موقفه من مسيرة المفاوضات مع اسرائيل، وفرت له هذه "الامتيازات" وهذا الدور الجديد الذي لم يتوافر أو لم يكن مسموحاً أن يتوافر لغيره من الجيران العرب. فلا المعارضة العراقية بكل تياراتها أثبتت قدرتها على التغيير في الداخل، ولا الجهات التي كانت ولا تزال تدعمها قدمت "التنازلات" المطلوبة في مسيرة التسوية ليكون لها هذا الدور في التغيير. فضلاً عن أن بقاء نظام صدام، أو على الأقل بقاء الحصار المفروض عليه، لم يستنفد بعد الأغراض والأهداف التي من أجلها بقي واستمر إلى اليوم. هذا الدور "العراقي" الجديد للاردن يرسخ دوره الاقليمي ويفتح له باب الخروج من عزلته الخليجية. ولكن هل يعني ذلك أن التغيير المطلوب في العراق حان وقته، أو أن الحصار سيرفع قريباً؟ كان الأردن يعرف ولا يزال يعرف، مثل غيره من الدول العربية القريبة والبعيدة ومثل فرنسا والصين وروسيا أن رفع الحصار عن العراق قرار أميركي أولاً وأخيراً أكثر مما هو قرار مرتبط بحسن تنفيذ بغداد القرارات الدولية. وأن موعد رفعه مرتبط بالمدى الذي يتحقق في بناء "الشرق الأوسط الجديد" مثلما هو مرتبط بالشروط التي يجب توافرها للتغيير المطلوب في العراق على نحو يحافظ على وحدة البلد وتركيبة نظامه. لكن عمان، بمنحها الملجأ للفارين، حجزت لنفسها دوراً في التغيير، إلى دورها في التسوية السلمية، ما يعزز موقعها الاقليمي بخلاف أطراف اخرى، على رأسها سورية، وايران أيضاً، ستشعر بمزيد من الضغط على موقعها وموقفها في التسوية وبناء "النظام الاقليمي الجديد". لا يعني ذلك أن الحصار سيرفع حالاً وأن العراقيين سيتنفسون الصعداء، وأن العرب سيعود إليهم التضامن الذي كان، وهم يدركون أن صدام وفر الفرصة الذهبية لفرط الحد الأدنى من هذا التضامن، وأن الذين التقطوا الفرصة للإجهاز على هذا "الحد" والانطلاق بحرية لرسم الصورة الجديدة للمنطقة لن يسمحوا لهم بالعودة إلى "العالم العربي". ولا يعني ذلك أن التغيير بات وشيكاً ومسألة أيام. بل يعني التطور الجديد في قضية العراق أن ثغرة في الحصار قد تقفل، وربما بات رفع العقوبات مرتبطاً حتماً بذهاب النظام الحالي في بغداد. وهذا أمر لا يمكن التكهن بموعد تحقيقه. لقد تلقى نظام صدام ضربة كبيرة، وسيكون رد فعله الطبيعي التشدد الداخلي وحتى في إطار العائلة والعشيرة. لكنه كان بلغ قبل ذلك السقف الأعلى للتشدد إذ عزل ابن عمه علي حسن المجيد من وزارة الدفاع وأخاه من وزارة الداخلية معززاً نفوذ نجليه عدي وقصي، وهذا من أبرز أسباب فرار صهريه وليس مصلحة العراقيين "المقهورين" بالحصار. بل يمكن القول أن أثر الصدمة دفع الرئيس العراقي إلى التراجع عن هيبته "الخارجية" والتنازل. وتجلى هذا في استعداده لتقديم معلومات جديدة عن برامج اسلحته كأنه في سباق مع صهره الفار. ما يؤدي إلى مزيد من تآكل هيبته في الداخل. وعندما يطرح صهر صدام نفسه بديلاً فإنه يلزم نفسه إثبات قدرته على التغيير في مدى زمني قصير وإلا تحول ما صارت إليه المعارضة في الخارج... إلا إذا كان الحشد العسكري الأميركي في المنطقة خطوة استعداد لعملية كبيرة مشابهة لعملية هايتي تكون الفصل الأخير المؤجل من حرب الخليج الثانية، لتقوم "الديموقراطية" والنظام المطلوب لعراق موحد في "شرق أوسط جديد"، بعدما ذهب صدام بعراق قوي، وعالم عربي، لم يكن مرة بمثل هذا الضعف والتشتت.