ملفت ان يوقع الاردن اتفاق تجارة حرة مع واشنطن قبل اسبوع من قيام رئيس وزرائه بزيارة بغداد جواً في اول زيارة لمسؤول عربي على هذا المستوى منذ غزو الكويت وحرب الخليج الثانية. وملفت ايضاً ان قيمة "المنحة" النفطية العراقية السنوية للأردن تساوي بالضبط قيمة المساعدات المالية الاميركية السنوية للمملكة! الملفت في الموضوع هو ان الاردن يبدو كأنه يسعى الى تحقيق توازن بين علاقاته مع بغداد من جهة وواشنطن من جهة اخرى، وهو ما يبدو انه نجح فيه الى درجة بعيدة، بدليل ان اياً من الطرفين لم يشترط على الاردن - اقله علناً - اعادة النظر في علاقته بالطرف الآخر كشرط مسبق. إلا انه من السذاجة الاعتقاد بإمكان الابقاء على علاقات متوازنة من هذا النوع على المدى البعيد وربما المتوسط ايضاً. فالعراق دولة تحت الحصار الدولي، وهو وضع شاذ لا يمكن الاعتماد على استمراره الى ما لا نهاية. وهذا يعني ان بغداد اليوم تتعامل مع الاردن ودول العالم من منطلق مصالحها الحالية المرتبطة بكسر العزلة السياسية من بوابة الاقتصاد، وتعزيز اركان النظام الحاكم في وجه خصومة بمختلف الوسائل المتاحة. المقصود هو ان الاردن لا يستطيع ان يتبنى سياسات استراتيجية بعيدة المدى تجاه وضع موقت لا بد ان يتغير في حال تم رفع الحصار عن العراق ولم تعد بغداد بحاجة الى اعادة تأهيل سياسي عن طريق الاردن تقايضه مساعدات من نوع المنحة النفطية. إذ ان دولا اخرى مثل سورية ومصر وبعض الدول العربية الخليجية سارعت اخيراً بخطوات تصب في اتجاه اعادة تأهيل النظام العراقي. ولعل الخطوة المصرية بإعادة العلاقات الديبلوماسية مع بغداد تشير الى تسارع "التطبيع" العربي مع العراق، الامر الذي ساهمت فيه الاجواء الاقليمية المشحونة نتيجة المذابح التي ترتكبها اسرائيل بحق الفلسطينيين تحت انظار الولاياتالمتحدة التي لم تحرك ساكنا لوقفها. إذ ان دول المنطقة تعي تماما بأن الادارة الاميركية المنحازة بالكامل لمصلحة اسرائيل، لن تتدخل لإبطاء عملية التطبيع مع العراق، خاصة وانها عاجزة عن ردع اسرائيل، فيما تواجه انتخابات رئاسية لم تظهر نتائجها بعد، الامر الذي شل قدرتها على التحرك الفاعل على الصعيد الاقليمي، اقله الى حين. من الواضح ان تعثر التسوية السلمية في الشرق الاوسط افاد بغداد من جهة انه عزز من الحجة السياسية للمعسكر الرافض لفكرة السلام مع اسرائيل من الاساس، فضلا عن اضعاف ثقة انصار السلام بإمكان تحقيق تسوية مقبولة مع الدولة العبرية. وبدت عشرات الطائرات والوفود العربية التي حطت خلال الفترة الاخيرة في مطار صدام الدولي وكأنها تعيد النظر في الموقف من التسوية السلمية مع اسرائيل بمقدار مثل تحدياً للولايات المتحدة ورداً على سياساتها في المنطقة. وامام مشهد تنافس دول العالم على كسر الحصار عن العراق، تزداد ثقة النظام العراقي بنفسه وتترسخ قناعته بصحة مواقفه الاقليمية والدولية، ما عكسته تصريحات المسؤولين في بغداد، والتي لم تخل من شماتة واستعلاء، حتى تجاه من يسعون اليوم الى مساعدة العراق. وإن كانت تلك التصريحات تعكس طبيعة تفكير القيادة العراقية وهي تحت الحصار، فإنه يمكن تخيل موقفها بعد رفعه، وهو ما اصبح مسألة وقت.