لعمليات الهدم والبناء، التي تجري منذ مطلع التسعينات في رحاب المنطقة المعروفة غربياًَ بالشرق الاوسط، ثلاثة مظاهر اساسية: إحلال النظام الشرق أوسطي في مكان النظام العربي، بناء مشاركة متوسطية، وتسوية الصراع الصهيوني - العربي والقضية الفلسطينية. يضطلع بهذه العمليات كل من الاميركيين وحلفائهم الاوروبيين، تحت درجات متفاوته من التنسيق والتباين والنجاح والفشل ويشكل العامل الاسرائيلي نقطة تلاق ووئام بينهما. إن اسرائيل المضمونة الصدارة والحضور، المأخوذ بنصائحها وأولوياتها الاستراتيجية السياسية والأمنية والاقتصادية، ضمن أية ترتيبات اقليمية في محيطها، من الأمور المتفق عليها بين الاصدقاء الالداء على جانبي الاطلسي. منذ فترة طويلة وحتى وقت قريب جداً، بدا أن هؤلاء بينهم وفاق ودي ايضاً على استبعاد كل من ايران وليبيا والعراق من التفاعلات الاقليمية المستجدة بمظاهرها المذكورة، وفي بعض الحالات، ظهر هذا التوافق على نحو شديد التهور في عدائيته. إذ كيف يمكن مثلاً تبرير استبعاد ليبيا، صاحبة اكبر شاطئ على المتوسط، من مشاركة تدعى بالمتوسطية، فيما تلحق الاردن بها؟ وتم ردف هذا الاستبعاد، على خلوه من الحكمة وحسن التمويه، بحصارات متعددة الاسماء والعلل والدرجات على الدول الثلاث. ومن يلاحظ الاحداث عن كثب، يلمس تطورات محيرة في هذا الاطار تكاد تخرج عن المسار المعهود، فثمة أولاً قبول اميركي - بريطاني متزايد لإمكان تسوية قضية لوكربي مع ليبيا، بما ينذر بتحول في الموقف تجاهها. وثمة ثانياً، تهيئة لأجواء حوارية بين ايران والولايات المتحدة بعد أن قطع الاوروبيون شوطاً بعيداً على الصعيد ذاته، وكان هناك ثالثاً حديث عن احتمال فك الحصار عن العراق في تشرين الاول اكتوبر المقبل. جرى ذلك كله بتواتر وتتال سريعين خلال بضعة اشهر، مع أن واحداً من الترتيبات الاقليمية الكبرى المقصودة، لم ينل حظاً من النجاح المطلوب. فالشرق اوسطية كمنت من جديد وعادت لبيات قد يطول، والمتوسطية تكاد تلحق بها، والتسوية الصهيونية - العربية تواجه حال موات بعد شيخوخة مبكرة. ما الذي يدعو والحال كذلك، الى اعادة النظر في اوضاع الدول المستبعدة والتفكير في الافراج عنها واطلاقها اقليمياً؟ أحد الاجتهادات هنا، أن السياسة الاميركية بخاصة، قد تلحق بالاوروبيين الى طهران، بعد أن خرجوا عن طوعها وخرقوا قانون "داماتو" واحرجوها، ولا سيما ان هناك مصالح نفطية مهمة بالجوار في وسط آسيا، لا يتعين تركها من أجل عملية احتواء لا يشاركها اقرب الحلفاء في احكامها حول النظام الايراني، ومؤدى ذلك من ناحية أولى، احتمال استمرار اتجاه التهدئة ووصل ما انقطع مع ايران في ظل هذا النظام. ومن ناحية اخرى، فان السياسة الاميركية وحليفتها البريطانية اصبحتا عاريتين في قضية لوكربي، بعد موقف محكمة العدل الدولية الذي ناصر طرابلس، كذلك في ضوء التمرد الافريقي الواضح، والعربي الأقل وضوحاً للأسف، على عملية الحصار غير المبرر منطقياً ولا قانونياً ضد ليبيا، وهذه حيثيات أدعى لتفهم الاقتراب الاميركي - الاوروبي عموماً من زاوية مختلفة مع الحال الليبية. لكن القناعة بالنسبة الى المسألة العراقية ما زالت مختلفة، إذ العامل الاسرائيلي محدد قوي لفكرة اعادة النظر في الحصار، والرأي الراجح، أن العراق كان مرشحآً دائماً للمشاركة في المشروع الاميركي - الاسرائيلي لاستيعاب وتوطين قسم معتبر من اللاجئين الفلسطينيين، وتزامن وقوعه تحت طائلة الحصار والاعتصار مع تصاعد الآمال باعادة إحياء هذا المشروع في سياق صيغتي مدريد - اوسلو. وعلى رغم الاطمئنان للموقف العراقي الرافض لتفريغ حق العودة الفلسطيني في الرحاب العربية أو الاقليمية، فإن هناك من تحدوهم رغبة محمومة في عدم افلات الفرصة القائمة للضغط على بغداد في هذا السياق. وثمة صلة اخرى مقبولة عقلياً بين مسار التسوية الصهيونية - العربية واحتمال حل الأزمة العراقية، فالدفء المتنامي بين بغدادودمشق لا يناسب التسوية على المسار السوري - الاسرائيلي، ويتصور حلفاء اسرائيل في واشنطن، أن الوقت ما زال مبكراً على افلات العراق من القبضة بما قد يثري أوراق دمشق التفاوضية بظهير يصعب حساب تأثيره، قصيراً أو بعيد المدى، ضد الطرف الاسرائيلي. كذلك لن يسعد الشرق أوسطيين المتربصين الآن خلف الأكمة، أن يعود العراق الى الصف العربي، بما يزيد تعقيد الامور امام مشروعهم العتيد. من يتابع السياسة الاميركية وانحيازها اللامحدود الى اسرائيل، لا يستهجن هذا النمط من التحليل، ولا يثير دهشته سلوك رئيس هيئة التفتيش الدولية ريتشارد بتلر، الذي يضع العصا تلو العصا في دولاب الأزمة العراقية. * كاتب فلسطيني مقيم في القاهرة