يقول مقربون من عدي صدام حسين الذي تعرض لمحاولة اغتيال في بغداد ان مجرد اعلان تلفزيون الشباب الذي يشرف عليه عدي عن الحادث، كان المؤشر الأول الى تجاوز نجل الرئيس العراقي مرحلة الخطر، اذ لو ان حالته الصحية كانت غير مستقرة او انه كان في غيبوبة، لما عمد تلفزيون الشباب الى بث النبأ، بل كان قام بالمهمة التلفزيون الحكومي. ولا يقلل من أهمية الحادث نوع الاصابة وطبيعتها والاعلان عنها او عدمه، نظراً الى أبعادها الامنية والفنية والسياسية. وإذا كانت السلطات العراقية والأجهزة المكلفة بأمن الرئاسة صدمتها العملية لأنها كشفت عن خلل سيحاسب المسؤولون عنه، خصوصاً ان الطريقة التي نفذت بها العملية ومكان التنفيذ ونجاح المنفذين في الهرب ستترك مضاعفات على سمعة هذه الاجهزة التي يحسب لها العراقيون ألف حساب. ولعل ما يخشاه المسؤولون العراقيون بشكل محدد هو نجاح منفذي العملية في تحقيق أهدافهم بما يعيق خطة الحكم في تطبيع علاقاته مع العالم الخارجي بعد موافقته على قرار الأممالمتحدة المعروف بقرار النفط مقابل الغذاء والدواء. ويعترف مستشار سابق للرئيس صدام حسين يعيش حالياً في أوروبا بأن الرئيس العراقي نجح في التعامل مع محاولة الاغتيال بطريقة سحبت البساط من تحت أقدام أحزاب المعارضة وفصائلها، التي راحت تتبارى في اصدار البيانات التي تعلن مسؤوليتها عن تنفيذ محاولة الاغتيال. فمخيلات بعض قادة هذه الفصائل استرسلت في شرح تفاصيل المحاولة وأبعادها منذ الاعلان عنها في تلفزيون الشباب وحتى عرض محطات التلفزيون العالمية لصوره وهو يستقبل موفداً قطرياً زاره في مستشفى ابن سينا حيث يعالج. ولم يتردد بعض المعارضين الذين تحدثوا الى "الوسط" في القول ان عدي فارق الحياة او اصيب بالشلل، الامر الذي دفع شخصية عراقية تعرف رجال الحكم والمعارضة في العراق على حد سواء، الى تشبيه معظم المعارضين او التنظيمات العراقية في الخارج بأنهم باتوا مثل "المستشرقين الأجانب الذين يحللون الاوضاع في بلد ما ويخرجون باستنتاجات ومواقف اعتماداً على روايات تفتقر احياناً كثيرة الى الدقة والموضوعية". ولا يستبعد عسكريون عراقيون لجأوا الى الخارج ان تكون محاولة الاغتيال من تنفيذ ضباط من القصر الجمهوري او من أمن الرئاسة، معتبرين ان انسحاب المنفذين من دون الكشف عنهم تدل على اطلاعهم على الاجراءات الامنية المتخذة في المنطقة وعلى معرفتهم الدقيقة بعدي وتحركاته وطبيعة المقاومة التي يتوقعونها، وان كان لا يوجد ما يشير الى تبادل لاطلاق النار لحظة وقوع الحادث. ومنذ وقوع محاولة الاغتيال امام "دوندرمة الرواد" او ساحة الرواد كما يسميها سكان حي المنصور، نسبة الى اشهر محلات البوظة فيها، وعمليات الاعتقال والاستجواب تطال كثيرين. ولا تستبعد مصادر عراقية مستقلة ان يكون وراء العملية أقارب لصهر الرئيس العراقي السابق حسين كامل وشقيقه صدام بشكل خاص وآل المجيد بشكل عام، بهدف الانتقام لمقتلهم مع أفراد مع عائلتهم بعد عودتهم من عمان التي لجأوا اليها إثر خلافهم مع عدي، وسبق ذلك خلاف آخر بين عدي ووطبان الحسن وأنجاله في آب اغسطس 1995 أسفر عن اصابة الاخير بجروح. ويقول قادمون من بغداد الى عمان ان معظم المعتقلين هم اما من أقارب حسين كامل او من اصدقائه، اضافة الى عدد من العاملين في مقسمات الهاتف التابعة للقصر الرئاسي والمكاتب التي يشغلها عدي، وعدد من النساء اللواتي اعتاد نجل الرئيس ان يتصل بهن. ويُنظر الى الكلام المقتضب الذي أدلى به عدي من على سريره في المستشفى واتهم فيه ايران ضمناً بالتحريض على اغتياله حين قال: "معروفون من هم الغادرون ومن أين يأتون. ولو هو صراع رجال فهم خبرونا في ذلك ثماني سنين" في اشارة الى الحرب العراقية - الايرانية، على انه ينم عن "براعة" لدى الحكم في بغداد في التقليل من الآثار التي خلفتها عملية الاغتيال في اوساط العراقيين، خصوصاً في وقت انتشرت فيه الشائعات عن صراعات تشهدها عائلة صدام، وعن الاضرار السلبية التي لن توفر احداً اذا ثبت ضلوع أجنحة في العائلة في تنفيذ محاولة الاغتيال. ولا بد من الانتظار لمعرفة ما إذا كانت وسائل الاعلام العراقية ستبادر الى تسمية ايران كطرف يقف وراء التخطيط للعملية، لأن حصول ذلك معناه ان أنصار حزب "الدعوة" أو القريبين منهم سيكونون في وضع صعب جداً مثل الوضع الذي واجهوه في مطلع العام 1980. وتشكك أوساط عراقية مستقلة وأخرى معارضة بأن يكون حزب "الدعوة" العراقي الذي أعلن مسؤوليته عن محاولة اغتيال عدي هو فعلاً وراء العملية، وتقول انها لم تعرف ولم تسمع بوجود عراقيين من الشيعة في وحدات عسكرية مكلفة بأمن الرئاسة العراقية، أو في مواقع تتيح لهم معرفة تحركات الرئيس صدام حسين او احد افراد اسرته، اضافة الى ان محاولة الاغتيال جرت في حي المنصور الواقع في الجزء الغربي من بغداد والذي يعتبر من أهم الاحياء الراقية في العاصمة مثل الحارثية والكرادة، وتقع فيه مبانٍ حكومية عدة، أهمها مبنى الاستخبارات الذي يبعد عن مكان وقوع محاولة الاغتيال حوالي 450 متراً، اضافة الى ان معظم المطاعم والمحلات في الحي تتبع بشكل غير مباشر للأجهزة الأمنية. وفي مثل هذا الوضع تستبعد المصادر ضلوع حزب "الدعوة" او اي من أنصاره في التخطيط للمحاولة او تنفيذها في منطقة معروفة باكتظاظها بالسكان. ولم يقل حماس آخرين أعلنوا مسؤوليتهم عن تنفيذ المحاولة مثل الدليميين، انتقاماً لمقتل العميد محمد مظلوم الدليمي، أو آخرين عن حماس حزب "الدعوة"، الذي يعتقد بعض الخبراء في الشأن العراقي انه رأى في اعلان مسؤوليته مناسبة للعودة الى الساحة السياسية بعد الانشقاقات الثمانية التي تعرض لها وتسببت في اهتزاز صورته وتقلص شعبيته في اوساط الشيعة العراقيين. ويقول مسؤول عراقي سابق ان عدي أقام علاقات مميزة مع عدد من الشخصيات الايرانية، في مقدمهم ياسر ومهدي رفسنجاني نجلا الرئيس الايراني، ورئيس استخبارات الحرس الثوري الذي التقاه منذ مدة في كرمنشاه، اذ ان نجل الرئيس العراقي يملك مجموعة من الشركات والمطاعم التي تستورد البضائع المهربة من تركياوايران. وتعتبر محاولة اغتيال عدي في حي المنصور في بغداد المحاولة الاولى المؤكدة منذ بدأ نجمه بالسطوع في العراق، اذ لا يوجد دليل يدعم المعلومات التي تحدثت عن محاولة لاغتياله في منطقة الحبانية العام 1994 على يد افراد من عشائر الدليم المعروفة بعلاقاتها السيئة مع عدي. وتتردد في مجالس العراقيين في الخارج الحوادث التي ارتبط بها اسم عدي، من مقتل كامل حنا احد العاملين في طاقم حماية الرئيس العراقي، الى مقتل سكرتيره الشخصي محمد الفرغلي في العام 1993. لكن ذلك لا يمنع الدوائر الغربية من تأكيد ان سيطرة نجل الرئيس العراقي على اجهزة الأمن في البلاد تضعه في المرتبة الثانية من حيث الاهمية بعد والده. ويقول احد الخبراء الغربيين انه من المستحيل نجاح محاولة انقلابية في العراق من دون الأخذ في الاعتبار وجود رمزين للسلطة يجب التخلص منهما لضمان نجاحها، والا فإن القضاء على واحد منهما وبقاء الآخر يعني وقوع معارك دامية الامر الذي تفضل العواصم الغربية عدم تشجيعه. ويجمع الخبراء الغربيون والمتابعون لتطورات الوضع في العراق على ان محاولة الاغتيال لن تسقط النظام لكنها ستترك آثاراً سلبية ليس أقلها ان مخاطر امنية حقيقية تهدده. ولعل صعوبة السيطرة على تصرفات عدي وكثرة النشاطات والفعاليات التي يشرف عليها سواء من خلال قيادته لما يطلق عليهم اسم "فدائيو صدام" او اللجنة الاولمبية العراقية، كانت من العوامل التي سهلت نصب كمين له بعناية فائقة. لقد "بشر" الحكم العراقي عشية محاولة الاغتيال الفاشلة، على لسان وزير الخارجية محمد سعيد الصحاف بالانفتاح والتعددية وتأليف حكومة مدنية من تكنوقراط ومعتدلين، والغاء مجلس قيادة الثورة وتحويله الى مجلس استشاري، فهل سينفذ هذه الوعود بما يعطي الانطباع بأن بغداد بعد موافقتها على قرار النفط مقابل الغذاء مستمرة في تطبيع علاقاتها الداخلية والخارجية، ام ان محاولة اغتيال عدي ستجعل هذه الوعود في خبر كان؟!