لم يكد أحد كبار العسكريين العراقيين المتقاعدين في الخارج يسمع بالأحداث التي أشيع أن احدى ضواحي مدينة بغداد شهدتها، وكانت محاولة انقلاب قيل أن ضابطاً من عشيرة "الدليم"، من أبناء مدينة الرمادي، نفذها، حتى اعتدل العسكري المتقاعد في جلسته، وقال لجلسائه العراقيين: "إذا كان الحكم في بغداد سيطاح، فلن يكون ذلك إلا على أيدي أحد أبناء عشائر الدليم". ولم يترك الضابط المتقاعد الذي تولى مسؤوليات عسكرية مهمة، فرصة لضيوفه للاستفسار عما قصد. وتابع: التاريخ يعيد نفسه، الانقلابات في العراق لا يقوم بها سوى الدليميين، فيوم انقلاب عبدالكريم قاسم في العام 1958، كان العقيد عبدالسلام عارف من أبناء احدى عشائر الدليم يقود اللواء 20 مع العميد عبدالكريم قاسم قائد اللواء 19، وهاجمت قواتهما محطة الاذاعة، ونجح عبدالكريم قاسم في الاستيلاء على الحكم، واقصاء ملك العراق، وفي 8 شباط فبراير 1963 وقع الانقلاب البعثي ضد حكم قاسم، فتولى عبدالسلام عارف الحكم. وعندما شعر الأخير بأن البعثيين يخططون للتخلص منه خطط لانقلاب ضدهم في 18 تشرين الثاني نوفمبر 1964 بعد تسعة أشهر من تسلمهم السلطة ونجح. وبعد مقتله في حادث تحطم طائرة حل مكانه شقيقه عبدالرحمن عارف، واستمر في الحكم حتى انقلب عليه عبدالرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية وهو دليمي، وابراهيم الداوود آمر لواء الحرس الجمهوري دليمي أيضاً، في 17 تموز يوليو 1968، فتولى النايف منصب رئيس الوزراء، وتولى ابراهيم الداود حقيبة الدفاع. وعُيّن أحمد حسن البكر رئيساً للجمهورية. وبعد مرور اسبوعين فقط على انقلاب النايف والداود، وقع انقلاب البعثيين في 30 تموز. وأبقى هؤلاء على البكر رئيساً، وتسلم صدام حسين السلطة من ورائه بالطريقة المعروفة. وأكد اللواء عبدالرزاق رئيس الوزراء العراقي السابق، وهو من عشيرة الكبيسات في محافظة الأنبار تلك الوقائع. وأبلغ "الوسط" انه شارك شخصياً في تنفيذ ست محاولات انقلاب، نجح بعضها، ولم يكتب لبعضها نجاح يذكر. وأضاف ان أول محاولة انقلاب شارك فيها نفذت في 14 تموز 1958. وسيطر يومئذ على مطار الحبّانية الذي كان أصلاً تحت امرته. وقال ان محاولته الثانية فشلت في 8 آذار مارس 1959 وقادها العقيد الركن المرحوم عبدالوهاب الشواف. وتابع اللواء: شاركت في 8 شباط 1968 في انقلاب البعثيين الذي أتى بعبد السلام عارف الى الحكم، وكنت يومها قائداً للقوة الجوية التي تولت قصف مقر وزارة الدفاع. وبعد فترة وجيزة استقلت، وعندما دبّر عبدالسلام عارف انقلابه، كنت تقاعدت، فالتحقت بالقوة الجوية ونجحنا في السيطرة عليها وعلى قاعدة بغداد الجوية. وعندما توليت منصب رئيس الوزراء حاولت تنفيذ انقلاب عسكري مستفيداً من غياب الرئيس عبدالسلام عارف الذي كان يزور الدار البيضاء للمشاركة في احد مؤتمرات القمة العربية. لكن المحاولة التي نفذت في 15 تشرين الأول اكتوبر 1965 فشلت. وأضاف رئيس الوزراء العراقي السابق: غادرت بغداد الى القاهرة، وعدت منها متخفياً، ودبّرت انقلاباً في 30 حزيران يونيو 1966 قصفنا خلاله القصر الجمهوري، لكن المحاولة فشلت فاضطررت الى مغادرة العراق. وسألت "الوسط" اللواء عبدالرزاق عن الأوضاع الحالية في محافظة الأنبار، اثر ما تردد عن صدامات بين القوات الحكومية وأبناء عشائر الدليم، فقال انها لا تزال غير مستقرة، وان كانت الأنباء التي تحدثت عن توتر شديد مبالغ فيها. وذكر أن معلوماته تفيد بأن ما حدث أخيراً لم يحدث في منطقة أبو غريب، وانما في الرضوانية حيث يوجد عدد من القصور التي يملكها صدام وولداه قصي وعدي، وأن الاشتباكات التي شهدتها منطقتا الفلوجة والرمادي في أيار مايو الماضي بدأت عندما وصف خطيب أحد مساجد الرمادي اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي آمر قاعدة الحبّانية الجوية، الذي أعدم إثر محاولة انقلاب نهاية العام الماضي، بأنه شهيد. الأمر الذي أثار حفيظة بندر السعدون محافظ الرمادي الذي اتصل في الحال بوزير الداخلية وطبان ابراهيم الحسن - الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي - ليطلعه على ما يحدث في الرمادي. وأضاف اللواء عبدالرزاق: عندئذ طلب وطبان من المحافظ انتظار تعليمات منه. وفي هذه الأثناء أتى قصي صدام حسين الى المنطقة، واعتقل قادة حزب البعث في الرمادي، وفي مقدمهم المحافظ، ونقلهم الى القصر الجمهوري في بغداد. وعندما وجّه الرئيس العراقي اسئلة اليهم، ذكر له المحافظ أنه اتصل بوزير الداخلية ليبلغه بما يجري، لكن الأخير طلب منه عدم اتخاذ أي خطوة بانتظار تعليماته. لكن المواجهات تفاقمت حتى تدخل وطبان لاحقاً وحصدت صداماته مع أبناء عشائر المنطقة عشرات القتلى، ومئات المعتقلين، الأمر الذي أغضب صدام وأقال على أثره وطبان من منصب وزير الداخلية. ومع أن صدام - ولا يزال الحديث للواء النايف - استدعى زعماء عشائر الدليم الى قصره، وطلب منهم تنظيم مسيرة مؤيدة تأكيداً لولائهم له، إلا أن المشاركين فيها كانوا بضع مئات. وفي ما يتعلق بالمستقبل، استبعد رئيس الحكومة السابق وقوع انقلاب في المرحلة الراهنة. وقال "كل الانقلابات التي شهدها العراق لم تكن تتم على أساس عشائري بل كانت تقوم على مبادئ ايديولوجية أو أفكار عقائدية، مع التسليم بوجود عنصر العشائرية والانتماء الجهوي". صدام يصطدم بالجبوريين وعلى رغم أنه لا يزال غير ممكن تقدير عمق الشرخ الذي نجم عن المواجهة بين عشائر الدليم والرئيس العراقي، وكان يجمع الجانبين حتى مستهل أيار الماضي تحالف وثيق بسبب المصالح المتشابكة في مجالات عدة، فإن المراقبين يرون أن صدام حسين بدأ منذ نحو اسبوع التخلص فعلياً من القيادات الدليمية التي تحتل مواقع حساسة في الحرس الجمهوري، والأمن الخاص، والأجهزة الأمنية الأخرى، والوحدات الفاعلة. واعتبر أحد وجهاء عشيرة الجبور، في حديث أدلى به الى "الوسط" ان ثقة صدام بالعشائر لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأشار الى ما حلّ بعلاقة الجبور مع النظام. وقال: ان الظروف التي آلت اليها البلاد على الصعيد الداخلي، وعلى صعيد علاقاتها مع الدول المجاورة كانت سبباً وراء قيام ضباط كبار من الجبور بمحاولات انقلاب كان آخرها التي أكد وقوعها جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي السابق. وقام بتلك المحاولة العميد محمد بلال الجبوري، والشيخ ركاب ضامن الجبوري، غير أنه قبض عليهما في حزيران 1992، وأعدما مطلع 1993. وأشار الوجيه الجبوري الى سلسلة محاولات أخرى قام بها جبوريون ومنها التي أسفرت عن اعدام النقيب سطام غنام الجبوري في آب اغسطس 1990. وشمل مخطط النقيب الجبوري اغتيال صدام أثناء حضوره عرضاً عسكرياً. وأسفر كشف المحاولة عن اعدام 23 من العسكريين والمدنيين. ووقعت محاولات انقلاب عدة لم تعلن السلطات شيئاً عنها، ومنها محاولة فاشلة تزعمها الشيخ شخيط علي الدانه الجبوري. ويبدو أن ذلك ترك صدام حسين أمام خيار وحيد، يتمثل في ضرورة إبعاد أبناء عشيرة الجبور عن مراكز القوة التي يشغلونها. وذكر الوجيه الجبوري، في حديثه ل "الوسط"، أن بعض أركان النظام في بغداد صاروا يطلقون على الضباط من أبناء الجبور الذين أحيلوا جماعات على التقاعد "جماعة البدون"، في اشارة الى انهم أصبحوا من دون مناصب أو مراكز مؤثرة. وقال اللواء الركن حسن النقيب - وهو أحد قادة المعارضة العراقية في المنفى - ان الرئيس العراقي لم يعد يثق بأبناء سامراء والموصل لأسباب مختلفة. وبعد تفاقم خلافه مع عشائر سِمَّر والعبيد والطائي، باتت الخيارات أمامه محدودة، ولم تبق حوله سوى مجموعة من الأعوان من الأقارب والأصهار ومن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من أبناء الشعب العراقي. وأضاف ان ما كان يسمى في السابق "سكان المثلث"، ويقصد به أبناء المنطقة التي تحدها الرمادي وبغداد والموصل، "كانوا ركيزة الجيش العراقي حتى وقت غير بعيد، لكن بفعل ممارسات صدام تغيّر الأمر، وباتت الخبرة والرتبة العسكرية لا تغني ولا تسمن، بل أصبح الولاء والطاعة هما المقياس الأوحد. كما أن الاعتماد على القطاعات العسكرية الاساسية في الجيش تراجع، ليتركز بيد وحدات الحرس الجمهوري والأمن الخاص المزودة أحدث المعدات والأسلحة ويتمتع أفرادها بمزايا أفضل لجهة الرواتب والامتيازات". وذكر الفريق الركن مهدي عبدالله، الذي ترك بغداد قبل ستة أشهر، ل "الوسط" ان اعتماد الرئيس العراقي العسكري ينحصر في الوقت الحاضر في قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص. وقال ان نحو 50 في المئة من ضباط الحرس الجمهوري والحرس الخاص وجنودهما من أبناء الدليم الذين يتميزون بالشجاعة. وأوضح أن الحرس الخاص يمثل النخبة في الحرس الجمهوري، ويشرف على ادارته قصي صدام حسين، وهم شباب صغار سناً وثقافة. لكنهم يتمتعون بصلاحيات واسعة، وقد تتجاوز صلاحيات الضابط الصغير منهم صلاحيات قائد الفرقة. ويطلق ضباط الألوية والفرق على كل من أفراد هذه العناصر الموزعة على وحداتهم، من رجال الأمن الخاص والحرس الخاص، لقب "الأستاذ"، لأن لديهم صلاحيات واسعة في مجالات المراقبة، ومتابعة كل شاردة وواردة في الوحدات العسكرية المختلفة. وقال ل "الوسط" مسؤول عسكري عراقي، طلب عدم ذكر اسمه، ان قوام قوات الحرس الجمهوري يتجاوز 50 ألفاً، وقدّر عدد أفراد جهاز الأمن الخاص بأكثر من خمسة آلاف رجل. أجهزة لا تحصى ويعتمد الرئيس العراقي على أجهزة أمنية أخرى بدرجة أقل منها "جهاز الأمن العسكري"، الذي يملك سلطة أعلى من سلطة الاستخبارات العسكرية. وهناك "جهاز الأمن العام" الذي يشرف عليه سبعاوي ابراهيم الحسن، و"جهاز المخابرات العامة" الذي تولى ادارته في السابق عبدالرحمن الدوري. وأضاف المسؤول العسكري العراقي - في معرض شرحه لتركيبة الحرس الجمهوري الذي كان يطلق عليه في السابق "قوات الفارس" - انه ينقسم الى فيلقين، يتمركز أحدهما في منطقة الصويرة، والآخر بالقرب من تكريت، ويتولى قيادة الحرس الجمهوري الفريق الركن كمال مصطفى. وينقسم الفيلقان نفسهما الى فرق تطلق عليها أسماء من قبيل "قيادة قوات عدنان" و"قيادة قوات بغداد" و"قيادة قوات العابد"، و"النداء"، و"المدينةالمنورة"، و"نبوخذ نصر". والى جانب تلك الوحدات والأجهزة، هناك وحدة يطلق عليها "قوات الطوارئ"، تتدخل لقمع التحركات الشعبية في المدن والقرى. وكان أبرز أنشطتها تدخلها أخيراً في أحداث الرمادي، وقبل ذلك أثناء انتفاضة العام 1991. وتعتبر مجموعة من الضباط، في مقدمتهم الفريق الركن كمال مصطفى قائد الحرس الجمهوري، والفريق الأول الركن سلطان هاشم الرئيس الحالي لهيئة الأركان، واللواء الركن عبيد عبدالله، واللواء محمد عبدالله الفياض آمر الانضباط في الحرس الجمهوري، من أهم الضباط الذين يعتمد عليهم صدام حسين اضافة الى أولاده واشقائه وبقية أفراد أسرته. وقال ل "الوسط" ضابط عراقي كبير تولى مسؤوليات مختلفة داخل العراق وخارجه ان صدام حسين بات يشك في كل ضابط أو مسؤول يتمتع بصداقات واسعة، ويحظى بثقة الضباط وأفراد الشعب. وذكر انه، شخصياً، تعرض للاعتقال العام 1977 دون أن يعرف سبباً لذلك، وعندما اتصل به وزير الداخلية بعد اطلاقه ليطمئن على صحته، عاتب الضابط الكبير وزير الداخلية السابق سعدون شاكر على ما حدث له، لكن الأخير تظاهر بعدم معرفته بحادثة الاعتقال. ودعا الضابط الى العشاء، الذي حضره صدام حسين وكان يومها نائباً للرئيس أحمد حسن البكر. فسأله صدام عن سبب تردد عدد كبير من الضباط على مكتبه، فأجابه بأنهم "أقاربي وعشيرتي وأصدقائي". وفهم الضابط تلك الليلة أن الشكوك كانت تحوم حوله خوفاً من احتمال قيامه بتحرك ضد الحكم. وإذا كان الضابط المذكور محظوظاً بأن أفرج عنه سالماً معافى، فإن حظ العشرات، بل المئات من الضباط والوزراء والشخصيات الحزبية لم يكن مماثلاً، وانتهت بهم شكوك القيادة الى الاعدام رمياً بالرصاص أو شنقاً، بعد دخول زنازين التعذيب قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. وذكر قائد سابق لأحد التشكيلات المدرعة كان في الخدمة حتى وقت قريب ان صدام حسين لا يقيم وزناً لأحد. وضرب الضابط الذي أتيحت له المشاركة في اجتماعات عدة مع الرئيس العراقي بحكم موقعه مثلاً، ان هيئة الأركان عندما كانت تجتمع كانت تتخذ قرارات محددة، لكن صدام كان يتخذ قرارات مخالفة لها تماماً. وتابع الضابط الذي تحدثت معه "الوسط" "عندما تعقد اجتماعات لاختيار قائد للواء، أو فيلق، أو كتيبة، يطلب منا ترشيح اسماء ضباط. ومن الطبيعي أن نرشح من لديه الخبرة والكفاءة، لكن الرئيس كان يخالفنا جميعاً ويختار الأسوأ والأقل كفاءة ليضمن الولاء المنشود". عشيرة ضد عشيرة وأشار عسكريون عراقيون آخرون الى ظاهرة شهدها الجيش العراقي إثر تسلم صدام السلطة، وقالوا ان أبواب الكلية العسكرية فتحت أمام الحزبيين والمقربين الى صدام، عقب انقلاب 1968، للالتحاق بما يسمى "دورات خاصة" كانت مدتها تراوح بين ثلاثة وستة أشهر، ومنح المتدربون على مدى عامين رتب ضباط صف، قبل ترفيعهم تلقائياً الى ضباط ورتب أعلى كل ثلاث سنوات. وأشاروا الى أن بعض أولئك المتدربين بلغ رتبة عميد وتجاوزها. ونجحوا في تسلّم مواقع هامة في الأجهزة الأمنية، ووحدات الجيش، والحرس الجمهوري. وذهب ضابط عراقي تقاعد أخيراً الى ان الرئيس العراقي بعدما استعان بالضباط الجبوريين للتخلص من المواصلة نسبة الى الموصل، استعان بالدليم للتخلص من الجبوريين، "ولا ندري على من سيعتمد هذه المرة للتخلص من الضباط الدليميين الذين لا يخلو جهاز أمني أو وحدة عسكرية منهم". وتوقع ضابط دليمي تحدثت اليه "الوسط" ان يلجأ الرئيس العراقي الى الاستعانة بعشيرة ضد أخرى، "فهذه آخر ورقة بيده".