كشف آمر لواء سابق في الحرس الجمهوري العراقي يحمل أربعة أنواط شجاعة ولقب صديق لرئيس الجمهورية بسبب دوره في الحرب مع ايران، تفاصيل للمرة الاولى عن محاولة الانقلاب التي كان يخطط اللواء الركن محمد مظلوم الدليمي قائد قاعدة البكر الجوية للمشاركة فيها في تشرين الاول اكتوبر 1994 وأدت الى اعدامه. وقال العقيد الركن عبدالرزاق سلطان الجبوري الذي كان يخطط مع اللواء محمد مظلوم لتنفيذ محاولة الانقلاب في مقابلة مع "الوسط" ان خطأ ارتكبه ضابط سابق في الجيش العراقي برتبة عقيد تسبب في احباط المحاولة التي كان من المقرر ان يشارك في تنفيذها حوالى 60 ألف جندي وسلاح الجو العراقي. وأوضح الجبوري 40 عاماً، وهو من قرية الزاوية في محافظة نينوى وينتمي الى عائلة العزاوي فخذ الهيكل في عشائر الجبور، ان العقيد المتقاعد شاكر فزع الزوبعي حاول الحصول على معلومات من ضباط استخبارات ينتمون اليه بصلة قرابة، غير انهم وشوا به، واعتقل اللواء محمد مظلوم اثر ذلك بأسبوع. وأشار العقيد الجبوري الذي يتنقل بين شمال العراق وعواصم مجاورة الى انه كان يتردد على بغداد خفية بعد مغادرته لها العام 1991 للاشراف على تنظيم عسكري نجح في انشاء مقرات سرية في انحاء مختلفة من العراق. في ما يأتي المقابلة التي أجرتها معه "الوسط": متى تركت بغداد باتجاه شمال العراق؟ - غادرت العراق العام 1991، كنت آمر لواء في الحرس الجمهوري وطلب مني ان اجهض الانتفاضة في كربلاء في 11 آذار مارس 1991، فامتنعت عن تنفيذ هذا الامر، وكانت المغادرة هي الخيار الوحيد لأن مخالفتي الاوامر تعني صدور قرار بإعدامي. أي لواء كنت تتولى قيادته؟ - خدمت في اللواء ال 24، ثم طلب مني الانتقال الى اللواء ال 27، لكن مشاعري الوطنية منعتني من ان أشارك في ضرب الشعب، رغم انني كنت من المعروفين في الحرس الجمهوري، وتحرير الأراضي العراقية من الاحتلال الايراني في معارك التحرير الكبرى، ومعركة تحرير الفاو العام 1988. وعندما غادرت بغداد كان برفقتي ضابطين، توجهنا نحو الحدود الى دولة مجاورة ومن هناك انتقلنا الى شمال العراق. ما هي علاقتك باللواء الركن الطيار محمد مظلوم الدليمي آمر قاعدة البكر الجوية؟ - تعرفت اليه في كلية الاركان العام 1986، كنا في دورة الاركان المشتركة الرقم 52. كانت وجهات نظرنا تجاه الوضع في العراق متقاربة. وكان بودنا القيام بتحرك لتغيير الوضع، لكن ظروف الحرب جعلتنا نؤجل التفكير بهذا الموضوع، وبعد غزو الكويت والانتفاضة وما تركته من انعكاسات على شعبنا أخذنا نخطط لقلب نظام الحكم، وتسللت أنا من شمال العراق، اثر وضع خطة اطلقنا عليها "الفجر الصادق" وسبقتها خطط سرية أخرى. عشاء على مائدة مظلوم ما هي تفاصيل الخطة التي وضعتموها لقلب النظام؟ - كانت الخطة تقضي بتوجيه ضربات مركزة للأماكن التي يوجد فيها الرئيس صدام حسين في القصر الجمهوري والقصور الخاصة التي بناها في عدد من المحافظات، والمراكز المهمة التي يسيطر من خلالها على الاجهزة الامنية في الجيش. نزلت الى داخل العراق في أول حزيران يونيو 1994، وبقيت 35 يوماً أقمت خلالها مقرات سرية في مدن عدة، وكنت اتنقل متخفياً مع عدد من الضباط. وزرت اللواء محمد مظلوم في منزله في الغزالية أحد احياء بغداد وتناولت العشاء معه، بعدما فوجئ بقدومي، وللعلم فإن منزله هذا كان هدية من الرئيس صدام حسين. هل كان على علم بالخطة؟ - لم يفاجأ بالخطة لأنه يعرف توجهاتي، وبعدما عرضتها عليه طلبت منه ان يكون دوره فيها تأمين الضربات الجوية، على ان أتولى أنا شخصياً قيادة عدد من فرق الحرس الجمهوري المرابطة حول بغداد. وبعد ان أفتح مقر قيادة في منطقة ابو غريب القريبة من بغداد، كانت الخطة تقضي بدخول بغداد بأربع فرق من الحرس الجمهوري، أي حوالى 60 ألف جندي و350 دبابة من المناطق المحيطة ببغداد حيث قوات الحرس الجمهوري في التاجي شمال بغداد، وشرق بغداد، والرمادي غرب بغداد، ومحيط مدينة الكوت جنوب شرق بغداد، على ان أبادر لاغلاق مداخل بغداد وأهاجم الحرس الجمهوري الخاص على ان يدمر أو يتم أسر قواته بالطريقة نفسها التي هاجمنا بها القوات الايرانية في الفاو والزبيدات وشرق البصرة وجزر مجنون إبان الحرب الايرانية - العراقية. لكن مع اختلاف طفيف في الخطة لوجود أبنية وسكان مدنيين. كان لدينا تنسيق كامل مع قيادة الفيالق العسكرية في معظم انحاء العراق، وبعد ان نحتل بغداد، اذا بقيت الاذاعة سليمة فكنا ننوي عدم تدميرها، واذا نجحنا في ذلك فكنا سنعلن عبرها نجاح الانقلاب، ثم نتيح الفرصة لعدد من كبار العسكريين لتأييد الانقلاب. كانت خطتنا تتجاوز السيطرة على بغداد لتشمل العراق كله بعد نجاح الانقلاب العسكري. وقد طلب مني اللواء محمد مظلوم تأجيل تنفيذ الخطة ستة أشهر حتى أول آذار 1995، بهدف استكمال التنظيم السري داخل الحرس الجمهوري، وتأمين العدد الكافي من الطيارين المقتنعين بجدوى تنفيذ مهمة من هذا النوع. كان لدينا قادة بديلون، لأن عدداً من قادة الحرس الجمهوري كانوا غير مقتنعين بخطتنا أو لسبب آخر رفضوا المشاركة فيها. ما الذي أفشل الخطة؟ وكيف اعتقل اللواء محمد مظلوم الدليمي؟ - ارتكب العقيد المتقاعد شاكر فزع الزوبعي من أهالي الفلوجة خطأ قاتلاً، اذ خرج عن الخطة المرسومة له، وفاتح عدداً من ضباط الاستخبارات كان يعتقد انه بامكانه كسبهم، والحصول من وراء ذلك على بعض المعلومات المتعلقة بتحركات الرئيس صدام حسين، الأمر الذي حمل الضباط المذكورين على ابلاغ جهاز الأمن الخاص الذي أمر بدوره باعتقال العقيد شاكر، وأعقبه اعتقال اللواء الركن محمد مظلوم وعدد من ضباط الحرس الجمهوري، الأمر الذي عطل الخطة واربكنا. كان العقيد شاكر مسؤول تنظيمنا السري في منطقة الانبار ومهمته التنسيق مع الضباط في منطقة الرمادي. تحليل صدام كامل من الذي أفشى سر الخطة من هؤلاء الضباط الذين اتصلتم بهم؟ - اجتمعت بالعقيد صدام كامل شقيق الفريق حسين كامل في عمان وكان - كما هو معروف - يتولى مسؤوليات أمنية، وأكد لي ان الخطأ كان سببه مفاتحة العقيد شاكر ضباط الاستخبارات حسبما ذكرت لك. ولماذا الصمت طوال هذه الفترة عن نشر هذه التفاصيل المهمة؟ - لاسباب داخلية وخارجية. داخلية تتعلق بالتحقق من الموضوع، وخارجية لأن وضعي الأمني في شمال العراق لم يكن جيداً، اذ تعرضت لمحاولات اغتيال عدة. وأعتقد انه حان الاوان للحديث بعد خروج الفريق حسين كامل من بغداد. بعد ان تعرفت الى اللواء مظلوم اثناء دورة الاركان، كيف استمرت علاقتك به؟ - كنا على اتصال دائم من خلال تنظيم سري يجمعنا، وكنا نطلق عليه اسم "حركة ضباط الجيش لانقاذ العراق". كم يبلغ عدد الضباط الذين ينتمون اليه؟ - لن أبوح بذلك، رغم ان بعض الضباط اعتقلوا، لكن لا يزال بعضهم طليقاً ويمارس عمله في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية المختلفة. قلت انك زرت اللواء مظلوم في منزله، بحضور من تم اللقاء؟ - كان الرائد صالح محمد صالح الجبوري من الدفاع الجوي في الموصل حاضراً، وكان هو ضابط الارتباط بيني وبين الطيار محمد مظلوم، وقد أعدم. ان لقاءاتنا عادة ما تكون سرية، ولا يدخل فيها أكثر من شخص أو شخصين للأسباب الأمنية المعروفة. من هم الذين اعتقلوا مع اللواء مظلوم؟ ومتى اعتقل على وجه التحديد؟ - بعد اعتقال العقيد شاكر الزوبعي بأسبوع تم اعتقال اللواء محمد مظلوم في تشرين الأول 1994، وقد أعدما في أيار مايو 1995، وسلمت جثتاهما لذويهما في 24 أيار. ومن الذين اعدموا مع اللواء مظلوم الرائد عبدالعزيز محمود سليمان الجواري وكان عضو ارتباط في قيادة قوات الحرس الجمهوري التي ترابط في مدينة الموصل. انتفاضة الرمادي وكيف غادرت بغداد بعد لقائك اللواء مظلوم في حزيران 1994؟ - عبر بحيرة صدام في منطقة دهوك ومن خلال مرورنا عبر أراضي القطاعات العسكرية في شمال العراق، حيث كان آمر السرية من تنظيمنا وهو النقيب حسان غنام الجبوري، وقد انتقلت معي اسرتي. والجدير بالذكر ان النقيب حسان أعدم. وأود ان أشير الى ان عشائر الدليم والجبور هبت على الرغم من بطش النظام، وتحول التشييع الى تظاهرات في الرمادي تحدثت عنها كل وسائل الاعلام، خصوصاً بعد ان خلت هذه المنطقة من رجال النظام لمدة أربع ساعات سبقت وصول الحرس الجمهوري الى المنطقة، الأمر الذي تسبب في اقصاء وزير الداخلية وطبان ابراهيم الحسن الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي من منصبه. كانت الانتفاضة في الرمادي مخططاً لها، وساهمت في تأجيج نارها، الى جانب غضب رجال العشائر، عناصر من تنظيمنا السري بهدف كسر حاجز الخوف بين الشعب والنظام. هل تحاول تجاهل دور وجهاد عشائر الدليم في الانتفاضة؟ - لا على العكس، دورهم كان بارزاً، ولكن لنا عناصرنا الذين هم من صلب هذه العشائر، كما هم في عشائر الجبور وغيرها. بدليل ان كثيرين من أقارب اللواء محمد مظلوم لا يعرفونني، والذين يعرفون صلتي به بعض العناصر القيادية في التنظيم فحسب. وما الذي يثبت صحة روايتك للأحداث المذكورة؟ - الفريق حسين كامل والعقيد صدام كامل مسؤول جهاز الأمن الخاص يعرفون من خلال التحقيقات ان الذي اتصل باللواء مظلوم هو العقيد الركن عبدالرزاق سلطان الجبوري الذي يتولى شؤون التنظيم في الخارج. ومتى كان لقاؤك مع الفريق حسين كامل وشقيقه؟ - التقيتهما قبل اسبوعين في عمان. هل تحدثتم عن الخطة التي كنتم تنوون تنفيذها؟ - سألتهم كيف استطاعوا كشف المحاولة، فقالوا ان العقيد شاكر ارتكب خطأً بمفاتحته ضباط الاستخبارات. والحقيقة ان زيارتي لهما لم تكن بغرض الدخول في تفاصيل من هذا القبيل. هل هناك دول مجاورة أو غير مجاورة على علم بخطتكم؟ - جرت اتصالات مع بعض الدول الاقليمية. وماذا عن الدول الغربية؟ - قبل اعتقال اللواء مظلوم لم يتم أي اتصال بالعواصم الغربية، لكن بعد ذلك التقيت بضباط أميركيين في شمال العراق، وأجرينا حوارات سرية عدة حول القضية العراقية. هل كانت للعقيد صدام كامل علاقة بإعدام اللواء مظلوم وآخرين ممن اشتركوا في المحاولة؟ - لا أعرف. لكن قصي صدام حسين هو المسؤول المباشر عن جهاز الأمن الخاص، وان كانت بعض المعلومات تتحدث عن اطلاعهم على ما كان يدور في التحقيقات المتعلقة بهذه القضية.