بين الحلم والواقع مسافة مثقلة بالشجن، وما يجود به الواقع لا يلبي من أغراض الحالم إلا قليل القليل. في قصيدته "مديح الظل العالي" يغلق محمود درويش قصيدته قائلاً: "ما أكبر الفكرة، ما أصغر الدولة". ينطوي القول على جموح الشاعر الرومنسي الذي انتظر تحقّق حلم خفق في ذاكرته طويلاً، فإن وصل الحلم إلى مستقرِه، ذهب الشاعر إلى حزن ثقيل، وقصد أرضاً جديدة كابية الضوء، حيث "لا غد يأتي ولا ماضٍ يجيء مودّعاً". ولقد عاش درويش، طويلاً، ذلك الغرق الباهظ بين طيران القصيدة وقيود الواقع المتعدِّدة. والشعر، نظرياً، رحيل إلى فضاءات لا حدود لها، تُنكر عاديَّ المنطق وتتأتى على القياس. وكان على درويش، الشاعر الفلسطيني، أن يمتثل إلى سياق واقعي لا هروب منه، يُجبر القصيدة على أن تفتش عن الوطن المفقود قبل أن تنصاع إلى أهواء الذاكرة وزُخرف اللغة. كأن عليه أن يعثر على حل شعري لتلك العلاقة القديمة والمتناقضة بين الحرية والضرورة، تلك التي لا يكون صاحب القول فيها حراً... إلا إذا ارتضى بما يُقيّد قوله. غير أن درويش سعى، وباجتهاد لامع الحسبان، إلى ترويض القيد والحرية في آن، وخلق قصيدة متجدِّدة، تنفي قيدَها بحريتها المسؤولة وتنفي حريتها بالتزام شعري ووطني عالي المقام. متّكئاً على قصيدة مسكونة بالمفارقة، حلقّ الشاعر عالياً، وأعلن في طيرانه الطليق أن القصيدة تنبثق من مهاد الحرية لا من منعطف الكلام وهذيان اللغة. صاغ درويش قصيدة متجددة تتعايش فيها حرية وضرورة غريبتان، وتصدر عنهما قصيدة غريبة، عنوانها: قصيدة التحرر المقيّدة. ولم تكن تلك القصيدة الغريبة إلا آية على سياق فلسطيني، وجد في شعر درويش صوتاً له ومرآة تحتضن الفلسطيني في أحواله كلها، بدءاً بالفكرة الكبيرة وانتهاء بنثار يومي بالغ الصِغر. تحدّثت القصيدة، وخلال عقود متتابعة، عن شيخ وَرِع نهى ابنه عن معصية السفر، وعن عاصفة زاخرة بالأماني والوعود، وعن صبي مشاكس يصوغ أفقه المرغوب بالأصابع والطلقات والحبر السري... وكان الانفعال يسقط، أحياناً، على القصيدة فتحكي عن مدن من حديد ومدن من صلصال وفخار، إلى أن جاء زمن حامض المذاق قاد القصيدة من جديد إلى سهب التأسّي والضباب. شكّل السياق الفلسطيني قيداً لقصيدة درويش الأولى، فمن يفقد أرضه يخسر ذاكرته إن نسيَ الأرض المفقودة. وصدر عن الفَقد وانتظار اللقاء قيدٌ ثانٍِ يلازم القصيدة. فبعد ثنائية الحرية والضرورة، جاءت ثنائية: الأرض المفقودة والأرض الموعودة. والقيد الأول يقود القصيدة، بالضرورة، إلى المخيم المشتعل والقوارب التائهة. أما القيد الثاني فيكاثر الأماني محرِّضاً، ويغذّي الأحلام مستنهضاً الارادة. تندس القصيدة بين واقع يخذلها وأحلام لا تلبّي من مقاصدها إلا قليل القليل، كأن عليها أن تضع الزمن الحاضر الغليظ بين قوسين، وأن تؤكد المستقبل اللامرئي زمناً لأفضل العوالم الممكنة. اضافة إلى قيد السياق وقيد الحلم المنتظر، عرف شعر درويش قيداً ثالثاً، هو ذاك القائم بين الشاعر والمسؤول السياسيً. وفي هذا كله، كان الواقع يخبر عن قيوده المتعددة الثابتة، بينما كانت القصيدة تبحث حرّة عن لغتها وشكلها، وتتابع طليقة حوارها مع واقع يَقرُضُ الجديد أو يُعيد الجديد قديماً. أعطى درويش قصيدة التحرر المقيّدة، التي عاشت دورة المحاكاة بقدر ما عاشت دورة الاغتراب، قصيدة تهرب من الواقع وتحاكي وقائعه. من لا يعرف القصيدة الطليقة المشدودة إلى "أحمد الزعتر"؟ ومع أن الاغتراب يشكل قوام قصيدة حرة تنصاع في موضوعها إلى واقع لا حرية فيه، فإن الاغتراب يطلق صوته عالياً حين يقترب الشاعر من مآل القصيدة. فالشاعر يعرف جيداً الوقائع التي أملت عليه كتابة قصيدته، غير أنه لا يعرف إلى أين تذهب تماماً، كما لو كان القول الشعري يصف ويعكس ويتأمّل ويعبّر ثم يبقى معلقاً في فضاء الاحتمال، لأنه لم يعثر على أرض صلبة يحطّ عليها. جرّب درويش ألوان القصيدة، كما قال بها هيغل، من دون أن يقف أخيراً فوق شكل أخير. بدأ، لامعاً، في الشعر الغنائي، حيث الروح تناجي العالم وتتأمل أحوالها فيه، قبل أن تعود إلى عالمها الداخلي وتكتشف الحرية والطمأنينة. وبعد هذا الشعر وصل محمود إلى الشعر الملحمي، أو أوصله السياق الفلسطيني إليه، حيث الأنا المتأملة تنسحب بعيداً معطية المكان لذات غيرها، أعطت وقائع استقرّت في الماضي، أو كانت في الحاضر قريبة قبل أن يضع الماضي يده عليها. فالمخيم الذي نظر الشاعر إلى بشره، يومياً، تحوّل، بعد يوم لاحق، إلى أطلال وقبور غير مرئية. ويأتي الشعر الدرامي تركيباً للشكلين الشعريين اللذين سبقاه، فلا الذات مكتفية بذاتها ولا الموضوع يحتل المكان كله، بل هناك قصيدة جديدة يتحاور فيها الذات والموضوع في آن. مع ذلك، فإن تقسيم القصيدة الذي يأخذ به هيغل، لا ينطبق على قصيدة درويش، لأن الفيلسوف الألماني كان يتحدث عن واقع تعثر تناقضاته على حلولها السعيدة. والسياق الذي تعيشه قصيدة درويش يمثّل واقعاً آخر، لا تختفي فيه تناقضات معيّنة إلا لتظهر، عرضاً عنها، تناقضات أكثر حدة. ولهذا، يكون على درويش أن يقود قصيدته إلى أرض قريبة من أرض المأساة الاغريقية، حيث لا مكان للتفاصيل اليومية ولا للنهر الذي ينتهي إلى مصب الرغبات، لأن المكان كله للأسئلة الكلية التي تحتفل بالتاريخ الجوهري. يقول خوليو كورتزار: "إن كانت الرواية تتقاطع مع التاريخ، فإن الشعر يوازي التاريخ ولا يلتقي به". والقول هذا لا يثني على الرواية ولا يزجر الشعر، انما يربط بين الشعر والكليّات ويفصل بين الشاعر والتفاصيل اليومية. ولعل ديوان درويش الأخير "لماذا تركت الحصان وحيداً" محاولة تقترب من الكليّات، وتروّض المراجع الخارجية في آن. * ناقد فلسطيني مقيم في دمشق