زار زميل لبناني النجف وكربلاء في العراق، وشاهد اللمسات الاخيرة لأعمال ترميم المزارات التي تضررت اثناء الحوادث التي شهدها جنوبالعراق إثر "حرب تحرير الكويت" في آذار مارس 1991. وعرض على "الوسط" هذا التحقيق الذي يتضمن حواراً مع بعض العلماء المعنيين بقضية المرجعية، وصوراً عن الدمار الذي لحق بالمزارات. ها أنا في الروضة الحسينية وأمامي في الباحة الداخلية غابات من الملاءات السوداء، فالوفود ما زالت تتدفق على العتبات. رحب بي سادن الروضة وأفادني أن أضراراً فادحة لحقت بها نتيجة الاحداث، "لكن الحكومة رصدت عندما استتب الوضع عشرة ملايين دينار وتبرعت بپ100 كيلوغرام من الذهب و200 كيلوغرام من الفضة لترميم العتبات في النجف وكربلاء. وانتهت عملية الترميم في الثامن عشر من أيار مايو 1992. وحرصنا على ان تتم العملية بأيد عراقية مع ان إصلاح الكاشي المورق الذي يزين الجدران يقتضي خبرة وافية ونفساً طويلاً وهو عملية فنية دقيقة أنجزها ابراهيم النقاش باتقان بالغ علماً ان بعض المواضع ما زال يحتاج الى اللمسات الأخيرة". أمام ضريح الحسين، مئات المؤمنات والمؤمنين يتزاحمون للتبرك بلمس الضريح ويتفجعون. وشرح لي السادن ان المرايا والثريات البلورية تحطمت في الاحداث. ويتكرر مشهد الملاءات السوداء في الروضة العباسية المجاورة التي عرَّجت عليها قبل توجهي الى النجف. وقد استقبلني السيد مهدي فاضل الغرابي سادن الروضة وطاف بي بعد زيارة ضريح العباس في المعرض الذي أقيم في الروضة لاظهار الاضرار التي لحقت بالمنشآت والمؤسسات العامة أثناء الاحداث. وانضم الينا السيد يوسف مرتضى الواجدي إمام الروضة العباسية وخطيبها ودار حديث على المرجعية الشيعية بعد وفاة السىد الكلبايكاني وتوزع المقلدين بين مرجعية الشيخ محمد الأراكي في قم والسيد علي الحسيني السيستاني في النجف. وكان رأي إمام الروضة قاطعاً لجهة بقاء المرجعية في النجف رافضاً تقليد الأراكي والسيستاني مصراً على اعتبار السيد محمد الصدر رئيس الحوزة الدينية في النجف مرجعاً أعلى للشيعة، مؤكداً "ضرورة الفصل بين المرجعية الدينية والقيادة السياسية". وانتقلت الى النجف ووصلت اليها حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر، فاستقبلني سادن الروضة الحيدرية السيد حيدر محمد حسن الكليدار. فسألته امكان مقابلة السيد محمد الصدر والسيد علي السيستاني فوعدني خيراً وبعد اتصالات شهدت مداً وجزراً واستمرت حوالي ساعتين نجح في ترتيب لقاء لي مع الصدر في منزله الذي يقع في زقاق ضيق على بعد خطوات من الروضة. محمد الصدر وفي غرفة متقشفة فرشت أرضها بالبسط استقبلني السيد محمد الصدر، وقد توزع حوله بعض الدارسين. ودار الحوار الآتي: هل أنتم مع مبدأ دمج القيادة السياسية والمرجعية الدينية أم مع مبدأ الفصل بين القيادتين؟ - على السياسة ان تستلهم الدين وان تعمل بوحي أحكامه عملاً بالقاعدة القائلة: حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة. ولكن هل يقتضي ذلك دمج القيادتين الدينية والسياسية؟ ليس في الضرورة، إذ ثمة معطيات سياسية لا يملكها رجل الدين لانها من اسرار الدولة ولأنها مما يجري وراء الكواليس. فهل من الحكمة ان يتدخل رجل الدين في أمور لم يتح له ان يطلع عليها إطلاعاً وافياً؟ وهل من الحكمة ان يتورط في مواقف لم يحط بها إحاطة شاملة؟ قطعاً لا. وأنا مع مبدأ الفصل بين القيادتين شرط ان يجعل الحاكم السياسة في خدمة الدين لا ان يسخر الدين في خدمة السياسة. يدور تنافس بين النجف وقم على احتضان المرجعية العليا للشيعة، فما هو موقفكم من هذا التنافس؟ - الاجابة عن هذا السؤال تتم على مستويين: مستوى التاريخ ومستوى الحاضر، وكلاهما في مصلحة النجف. فعلى المستوى التاريخي تحتضن النجف مرقد أمير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب وفيها أقدم جامعة اسلامية حفظت التراث الاسلامي عبر العصور وأمدت العالم الاسلامي بالفقهاء، الى كونها مقر المرجعية الدينية للشيعة طوال أجيال ومركزاً ثقافياً أنجب من الفلاسفة والعلماء والفقهاء والادباء ما لم ينجبه مركز اسلامي آخر والنجف على هذا المستوى لا ينافسها منافس لانعدام التكافؤ. وعلى مستوى الحاضر علم النجف أوسع وأعمق وأدق وأغنى ومعظم فقهاء الشيعة اتبعوا خط النجف الفقهي. وانتصارنا للنجف هو انتصار للتاريخ وللعلم على حد سواء، وعلى عاتقي تقع مسؤولية إبقاء النجف حاضراً ومستقبلاً منارة تشع بأنوارها على العالم الاسلامي. بعد احتدام الصراع السياسي بين العراقوايران وانعكاسه على الوضع الديني هل ترتأون قيام آلية معينة أو نظام معين يحدد طريقة اختيار المرجع الأعلى للشيعة ويجعل هذا الاختيار بمنأى عن الصراع السياسي؟ - إدخال العنصر السياسي في العنصر الديني من هذه الناحية خطأ وتحريف في الاحكام الشرعية لأنه يؤدي الى اختيار من ليس اهلاً للتقليد. الجانب السياسي يقتضي شخصاً والجانب الديني يقتضي شخصاً، فإذا اتفقا كان خيراً واذا اختلفا فالجانب الديني هو المرجح وليس الجانب السياسي. والواقع ان من الصعب تحديد الأعلم بين الفقهاء لأن ذلك ينبع من قناعة فردية، وفي حال تعددت الآراء وتضاربت في شأن من هو الأعلم، يوجه سؤال أو مجموعة من الاسئلة الى من تتوافر فيهم شروط الاعلمية ومواصفاتها لمعرفة فتوى كل منهم بخصوصها وفي ضوء الاجوبة والأدلة والقرائن يصار الى تعيين الأعلم. بعد وفاة الامام الكلبايكاني عينت المؤسسة الدينية الرسمية في ايران الشيخ محمد الأراكي مرجعاً أعلى للشيعة، فما هو موقفكم؟ - ليس من حق أحد ان يفرض مرجعاً على الآخرين، ومن تحصل له قناعة يؤيد. والشيخ محمد الأراكي ليس هو الاعلم حالياً كما تقتضي القاعدة الدينية. وانا من الناحية العملية أرى نفسي أعلم منه، مع انني لم أره ولم أناقشه. رفض بعض المراجع الشيعية المحسوبة على ايران في لبنان وغيره تعيين الشيخ الاراكي وأيد مرجعية السيد علي الحسيني السيستاني المقيم في النجف، فما هو تعليقكم على ذلك؟ - ... رفض السيد محمد الصدر الاجابة عن هذا السؤال "لأن فيه مضاعفات حوزوية" على حد تعبيره. ولم يشأ ان يدخل في التفاصيل، على رغم الالحاح لمعرفة تلك المضاعفات. لكنه أضاف: "ان المراجع الشيعية في لبنان التي رفضت الاعتراف بتعيين الشيخ محمد الاراكي ستجد نفسها مضطرة الى الاعتراف بمرجعية السيد علي خامنئي بعد وفاة الاراكي، وذلك لارتباطاتها المالية بإيران". ما هو عدد الطلاب الذين يتابعون الدراسة في حوزة النجف الدينية وما هي جنسياتهم ومن يتولى تغطية نفقات تحصيلهم؟ - في حوزة النجف الدينية حالياً حوالي 600 طالب عراقي وحوالي 150 طالباً من تركياوايران وباكستان والهند وافغانستان بينهم ثلاثة لبنانيين فقط، ونحن نتولى تغطية نفقات تحصيلهم مما نجمعه من الخمس والزكاة، وترصد لنا وزارة الاوقاف العراقية مبلغ 3 ملايين دينار ننفقها على المطبوعات والمدارس الدينية في مختلف أنحاء البلاد. ما هي علاقة الحوزة الدينية في النجف بالسلطة العراقية؟ - يمكننا ان نلخص علاقتنا بالسلطة على الوجه الآتي: السلطة تؤيد المظاهر الدينية الشيعية وترعاها، وهي تعطف علينا ما دام اننا لا نتدخل في السياسة. وهي تكف شرها عنا ما دمنا نكف شرنا عنها. بمعنى أنها تلتزم ازاءنا سياسة المعاملة بالمثل، وقد قامت السلطة مشكورة بترميم جميع الاضرار التي لحقت بالعتبات المقدسة. وقبل ان استأذن السيد محمد الصدر بالانصراف سألته هل ثمة صلة قربى بينه وبين الامام السيد موسى الصدر، فأجاب: "هو ابن عم والدي وقد درس في النجف لمدة سنتين لكن دراسته الاساسية تمت في قم". آل ياسين وبعدما تعذر الاتصال بالسيد السيستاني في النجف، التقت "الوسط" الشيخ محمد الحسن آل ياسين في منزله في الكاظمية والذي ورد اسمه في عداد المراجع الشيعية القائلين بمرجعية السيستاني، وهو من كبار الفقهاء وعضو المجمع العلمي العراقي وعضو في مجمع اللغة العربي الأردني وباحث أدبي ومدقق لغوي وشاعر. هل أنتم مع دمج القيادة السياسية والمرجعية الدينية أم مع مبدأ الفصل بين القيادتين؟ - لا فصل ولا دمج، لأنني لا أؤمن بولاية الفقيه في الاطار الواسع الذي كان يدعو اليه المرحوم الخميني. الشعب المسلم يريد ان يحكم بأحكام الاسلام، ولكن ليس من الضروري ان يكون الحاكم رجل دين. يدور حالياً تنافس بين النجف وقم على احتضان المرجعية العليا للشيعة فما هو موقفكم من هذا التنافس؟ - نحن مع النجف لأننا ما زلنا نعتقد الى اليوم بأن في النجف أفراداً هم على قلتهم أفضل من المرشحين في قم. فالنجف مؤهلة حالياً بما لها من وهج تاريخي وبمن فيها من علماء لاحتضان المرجعية العليا للشيعة. بعد احتدام الصراع السياسي بين العراقوايران وانعكاسه على الوضع الديني هل ترتأون قيام آلية معينة أو نظام معين يحدد طريقة اختيار المرجع الأعلى للطائفة الشيعية ويجعل هذا الاختيار بمنأى عن الصراع السياسي؟ - إن المسألة تحتاج الى مدة من الزمن تتضح فيها لدى الناس المعنيين مواصفات الأعلم ومن هو الجامع لتلك المواصفات. وفي ضوء ذلك يبرز الأعلم ويعتبر المرجع الاعلى للطائفة الشيعية. وهذا ما يجري منذ ألف سنة حتى أيامنا هذه. بعد وفاة الامام الكلبايكاني عينت المؤسسة الدينية الرسمية في ايران الشيخ الاراكي مرجعاً أعلى فما هو موقفكم؟ - لا علاقة لنا به. وهو لا يلزمنا لا من قريب ولا من بعيد. رفض بعض المراجع الشيعية المحسوبة على ايران في لبنان وغيره تعيين الاراكي وأيدت مرجعية السيستاني، فما هو تعليقكم؟ - نحن نعتقد بأن مجلس درس الامام الخوئي أخرج عدداً من الفقهاء لا يساويهم علماً في الوقت الحاضر من لم يحضر هذا المجلس، وبذلك يكون المرشحون المؤهلون هم خريجو هذا المجلس. وعلى من يعنى بالبحث عن الأعلم ان يبحث عنه بين هؤلاء الخريجين فقط. والمرشحون في النجف على اختلاف درجاتهم أو مستوياتهم العلمية من خريجي هذا الدرس، وربما كان في قم بعض الخريجين ايضاً. لكنه حتى في قم هناك من هو أعلم وأفضل من الشيخ الاراكي. وأذكر على سبيل المثال السيد محمد الروحاني خريج درس الامام الخوئي ومن وراث ذلك العلم. وبدا واضحاً من رد الشيخ آل ياسين انه خلافاً لما ذكر عنه ليس من مقلدي السيستاني ولا من القائلين بمرجعيته ولا من مقلدي الاراكي أو السيد محمد الصدر، وهو يؤمن بأن الزمن كفيل بالمساعدة في حسن الاختيار. وخلاصة الجولة على النجف وكربلاء واللقاءات مع رجال الدين هناك ان ثمة إجماعاً على النجف واختلافاً على الاشخاص وان نقل المرجعية الدينية من النجف الى قم بحجة انه لا تتوافر لرجال الدين في النجف أجواء الحرية في ظل النظام الحالي أمر مرفوض. أما الخطة التي اقترحها السيد محمد الصدر لاختيار الاعلم عن طريق طرح مجموعة من الاسئلة على المرشحين فهي غير عملية اذ من يختار "اللجنة الفاحصة" وكيف يتم الاتفاق على الاسئلة التي ستطرح على المرشحين، وكيف يصار الى تقويم الاجابات عنها؟