حسم السيد علي كافي رئيس المجلس الاعلى للدولة في الجزائر، موقف بلاده من "المصالحة الوطنية" والحوار مع التيار الاصولي المسلح في الجزائر عندما اكد في خطاب رسمي يوم 8 ايار مايو الجاري ان السلطات الجزائرية لن تفتح حواراً مع الاصوليين المسلحين. وأعلن الرئيس الجزائري خطوطاً عامة لسياسة الحكم في المرحلة المقبلة على الصعيدين الداخلي والخارجي. وعلى رغم خلو البرنامج الرئاسي من اية خطوات استثنائية غير متوقعة، فانه تضمن ايضاحات مهمة تتصل بالمسائل الآتية: * شرعية الحكم: اكد الرئيس الجزائري عزم المجلس الاعلى للدولة تنظيم استفتاء عام حول المؤسسات الدستورية قبل نهاية العام الجاري. ومعروف ان هذا التوقيت يصادف استحقاقاً دستورياً اساسياً في البلاد، حيث تنتهي ولاية المجلس في كانون الاول ديسمبر المقبل وعليه لا بد من تحضير بديل شرعي، تعتقد اوساط سياسية جزائرية انه سيكون مجلساً جمهورياً يحظى "بتأييد شعبي" ويحكم خلال مرحلة انتقالية تحدّث عنها كافي بعبارات غامضة حين قال انها ستستغرق "اقصر وقت ممكن". وفتح الرئيس الجزائري الباب على كل الاحتمالات بامتناعه عن تحديد عناصر الاستفتاء وأسئلته. فقد اكتفى في هذا المجال بالقول انه سيشمل المؤسسات الدستورية، وهي حتى اشعار آخر، المجلس الاعلى للدولة، والمجلس الاستشاري الوطني، والدستور نفسه. ويسود اعتقاد لدى الاوساط السياسية الجزائرية، مفاده ان التعديلات التي ستطرأ على الدستور، بعد الموافقة الشعبية عليه من خلال الاستفتاء، ستشمل كل ما من شأنه ان يزيد في عزل التيار الاسلامي المسلح، مثل قانون الانتخابات النيابية الذي كاد ان يحمل "جبهة الانقاذ" الى السلطة، وتأكيد، بعبارات واضحة وصريحة، رفض تشكيل احزاب على اسس دينية واثنية والحؤول دون تشكيل احزاب صورية، ذلك ان القانون الحالي يجيز تشكيل حزب اذا ما تقدم 15 مواطناً جزائرياً من الراشدين، بطلب لذلك. اما بالنسبة الى المجلس الاستشاري الوطني الذي تم تعيين اعضائه من طرف المجلس الاعلى للدولة، للحلول محل "المجلس الوطني الشعبي" اي البرلمان المستقيل في آخر اسبوع من عهد الشاذلي بن جديد، هذا المجلس قد يُعطى صلاحيات اشتراعية جزئية مع الاحتفاظ بصفته الاستشارية، وقد اصبح من المؤكد ان الدولة ستعمد الى زيادة عدد اعضاء هذا المجلس بضم ممثلين عن الاحزاب والجمعيات التي اشتركت في الحوار الوطني مع الحكم واتفقت معه على مبادئ عامة، من بينها: تداول السلطة بطريقة سلمية، ومعارضة "الانقاذ" والمنظمات الاسلامية المسلحة، ورفض الارهاب، وتأكيد الديموقراطية والتعددية... الخ. باختصار شديد يمكن القول ان المجلس الاعلى للدولة يريد اضفاء شرعية على المؤسسات الدستورية الجزائرية، خلال الفترة الانتقالية، من خلال الاستفتاء الشعبي العام. واللجوء الى هذه الوسيلة لا يتضمن اية مخاطر بالنسبة الى الحكم ذلك ان نتائج الاستفتاء تعتبر مضمونة بالنسبة اليه، طالما انه لا يواجه معارضة سلمية لسياسته، وطالما ان المعارضة الكبيرة ممثلة بالتيار الاسلامي المسلح تعمل تحت الارض وخارج "الشرعية الدستورية" المعلنة وبالتالي لن تتمكن من خوض معركة صناديق الاقتراع مع الحكم، ويمكن الذهاب الى ابعد من ذلك بالقول ان الحكم سيضع الرأي العام امام معادلة صعبة، من نوع ان الاقتراع ب "لا" ضد الحكم تعني الاقتراع لمصلحة التيار الاسلامي المسلح. * الاسلام والدولة: اكد علي كافي ان الاسلام يشكل جزءاً اساسياً من هوية المواطن الجزائري وانه دين الدولة. هذا التأكيد هو تكرار لمبدأ دستوري جزائري معروف، لكنه يشكل قطيعة مع الدعوات العلمانية الجزائرية المطالبة بفصل الدين عن الدولة. وقد حرص علي كافي على الاشارة في خطابه الى ان هذا التعريف لعلاقة الاسلام بالدولة هو حصيلة مشاورات تمت خلال الحوار الوطني مع ممثلي الاحزاب الجزائرية الشرعية، ومن بينها حزبان اسلاميان اساسيان هما حركة "النهضة الاسلامية" التي يقودها الشيخ عبدالله جاب الله، وحركة المجتمع الاسلامي حماس التي يقودها الشيخ محفوظ نحناح. وإذا كان تعريف علاقة الدولة بالاسلام يشكل تغطية ضرورية للتيار الاسلامي الشرعي لدعم الحكم في المرحلة الانتقالية فانه يتناسب مع المزاج الجزائري العام، وهو مزاج غير علماني، ويوفر للسلطات الجزائرية هامشاً من المناورة في صراعها مع التيار المسلح. لكن المشكلة التي لا يمكن لهذه السلطات تجاوزها تكمن في الترجمة الدستورية لهذا التعريف. ولعل اهل الحكم وحلفاءه في التيارات الحزبية لا يرغبون في اعطاء هذه المشكلة المرتبة الاولى في مناقشتهم ومخاطبتهم للرأي العام. الامر الذي سيتيح للتيار الاصولي المسلح مواصلة استغلال هذه القضية الى اقصى الحدود. * اقتصاد السوق: حسم الرئيس الجزائري خيار بلاده في المجال الاقتصادي عندما اكد ضرورة تخليص الاقتصاد من براثن "الادارة الرسمية والبيروقراطية" وفتح المجال امام المنافسة والانفتاح على الخارج واطلاق المبادرات الاقتصادية الحرة. وكل ذلك يحمل مؤشرات على حسم الوجهة الاقتصادية باتجاه مفهوم "اقتصاد السوق"، وان كان الرئيس كافي شدد على ضرورة ان يتم ذلك بطريقة منظمة. ويتيح هذا الخيار السلطة، على رغم المخاطر الداخلية التي يتضمنها، كسب رضى القطاع الخاص الذي يعاني من البيروقراطية والاجراءات الادارية الضخمة، ويستجيب لمطالب دائني الجزائر الغربيين ولرغبات شركاء الجزائر الاقتصاديين. وهنا لا تتيح عبارات الخطاب العامة والغامضة، البحث عن اجابات مقنعة حول كيفية معالجة مشاكل البطالة والسكن والتجارة الموازية... الخ. * السياسة الخارجية: دعا علي كافي الى تنشيط الديبلوماسية الجزائرية وأعطى امثلة على ذلك من خلال اشارته الى تخطيط الحدود مع تونس بصورة نهائية بعد مفاوضات دامت عشر سنوات، وأشار ضمناً الى زيارة وزير الخارجية وعضو المجلس الاعلى للدولة، رضا مالك الى دول الجوار المحيطة بالجزائر التي تمت خلال الشهر الماضي. وقد شملت جولة مالك النيجرومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا وكانت تهدف الى تحقيق "الامن والاستقرار" في المنطقة. وقد ساهمت الجزائر قبل فترة في مساعدة جيرانها على حل مشكلة التمرد الذي تمارسه قبائل الطوارق في ماليوالنيجر، لقاء مساهمة الدولتين في ضبط الحدود الجنوبية الجزائرية والحؤول دون تسرب المساعدات العسكرية والمقاتلين لدعم الحركات الاسلامية الجزائرية المسلحة. والمثال الثالث الذي ركز عليه رئيس الجمهورية يتصل بدور الجزائر في منظمة الوحدة الاسلامية، خصوصاً خلال اجتماعها الاخير الذي ادان الارهاب والتطرف الديني. وأخيراً اشار علي كافي الى ضرورة تنشيط التعاون المغاربي. واذا كان حديث الرئيس خلا من اي ذكر لمشكلة الصحراء الغربية التي يعتبر حلها شرطاً لتقدم مشروع الوحدة المغاربية، فان الامثلة الباقية تشير كلها الى ان السلطات الجزائرية عازمة على تكريس جهودها الديبلوماسية في الخارج لخدمة اهداف السياسة الداخلية القاضية بانهاء "التمرد الاصولي المسلح". مما يعني ان الجزائر لن تستأنف دورها في السياستين الاقليمية والدولية، في القريب العاجل، وان همّ المواجهة مع الاسلاميين المسلحين سيظل طاغياً على السياستين الداخلية والخارجية حتى اشعار آخر.