"ماذا قدم الخطاب الديني للمرأة السعودية؟!"، والمعنى المقصود بالسؤال والاستفسار عنه ها هنا، ومن غير حاجة لكثير من المقدمات، أعني به تحديداً الخطاب الصحوي الحركي باختلاف مستوياته وتفاوت درجاته، الذي كانت ولا تزال المرأة تشغل حيزاً كبيراً من أطروحاته وخطاباته وبياناته باعتبارها الحصن الحصين من منظوره لحماية المجتمع وقيمه، وأن أي اختراق لذلك الحصن المنيع، وفقاً لمقاييسهم، هو اختراق وانهيار للمجتمع بأسره! لاشك أن هذا التساؤل والاستفسار تساؤل مشروع ومنطقي لكل فرد من أفراد المجتمع في أن ينظر ويتأمل، ولا أقول على مدى أكثر من 30 عاماً، بل وعلى مدى السنوات العشر الماضية، ماذا قدم هذا الخطاب من رؤية أو مشروع على مستوى الكثير من الأصعدة المتعلقة بالمرأة السعودية حتى الآن؟ فعلى سبيل المثال ماذا قدم هذا الخطاب للمرأة على مستوى الصعيد الإنساني في حفظ كرامة وإنسانية المرأة الإنسان، وليست المرأة الجسد؟ وماذا قدم للمرأة على صعيدها التنموي من مشاريع تسهم في تنمية وتطوير دور المرأة في المجتمع؟ وماذا قدم للمرأة على الصعيد القضائي والقانوني في حفظ حقوق المرأة الشخصية وحمايتها من العنف؟ تساؤلات عدة ومختلفة ومهمة لا يمكن لأحد أن يجيب عنها من تلقاء ذاته من دون الرجوع إلى أبرز وأهم الخطابات والبيانات المتعلقة بهذه القضايا. وهنا يبرز وبوضوح أهمية القراءة والتأمل والدراسة للبيانات والمطالبات التي أصدرها مجموعة من العلماء والدعاة المنتمين للتيارات الحركية وغيرها خلال العقد الماضي، وأي مراقب أو مختص بهذه القضية يلحظ أن ثمة ثلاثة بيانات شهيرة صدرت متعلقة بالمرأة كانت تتسم بالشمولية والمطالبات المتعلقة بها. أولها: ما عرف باسم"وثيقة حقوق المرأة المسلمة وواجباتها"، الذي وقع عليه ما يزيد على 200 عالم وداعية، الصادر عام 2004. وثانيها: البيان المسمى ب"حقوق المرأة ومنزلتها في الإسلام"عام 1427ه، ووقع عليه أكثر من 50 عالماً وداعية. ثالثها: الخطاب الذي تقدمت به أكثر من 500 من النساء السعوديات إلى ولي العهد آنذاك، خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، في عام 1426ه، الذي كان يتوقع بحكم كونه صادراً من مجموعة من النساء أن تكون من أهم مطالباتهن رفع الظلم عن بني جنسها من النساء المضطهدات من كثير من الأزواج وأولياء الأمور. لعل القارئ للوهلة الأولى يظن أنها مطالبة بإنشاء مراكز ودور لحماية المرأة مما تواجهه من صنوف العنف الأسري، ولكنها كانت مطالبة بإنشاء مراكز تُعنى بحماية المرأة من وسائل التغريب المعاصرة، وأردفوا بها جملة على استحياء وهي رفع الجور عنها بواسطة القضاء النزيه! هذه البيانات تضمنت أهم المطالبات والمنجزات لذلك الخطاب على مستوى المرأة، التي كانت تصب في معظمها على لغة الحظر والمنع والتجريم والتحريم والحجر من دون التطرق، ولو بشكل هامشي، إلى حقيقة ما تعانيه المرأة في مجتمعنا من ظلم وهدر لحقوقها في كثير من المجالات الحياتية، ناهيك عن الكم الهائل من الفتاوى والخطب والمحاضرات التي كانت مشغولة بمناقشة المسائل الهامشية من أحكام الزينة وغيرها على حساب القضايا المصيرية للمرأة! وقد كان من أبرز نتائج ذلك كله على المرأة هو سلب المرأة الرأي والمشاركة والفاعلية والتأثير في صناعة كل ما حولها، وحصر دورها في مجرد التطبيق، وتجريمها في حال الابتعاد عن المنهج المرسوم لها من خلال تلك الرؤية أو ذلك المشروع. ولم تكن له مطالبات واضحة بشأن وضع مدونة قضائية للأحوال الشخصية لحفظ حقوق المرأة وعدم ترك الأمور عائدة إلى الاجتهادات القضائية! ولم يكن له اعتراف بأهلية المرأة القانونية والمالية التي منحها لها الإسلام من دون وصاية من ولي أو غيره! ولم يسهم في مشاركة وعمل المرأة، بل كان عائقاً ومانعاً ومحرماً لها من مزاولة الكثير من الأعمال والوظائف بحجج واهية! بل لم يقف ضد الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة كزواج القاصرات، وطلاق كفاءة النسب، بل كان في كثير من الأحوال مشرعاً ومبرراً لها من الناحية الشرعية! ولذلك من غير المستغرب حينما كتب أحد أبرز المنظرين والدعاة لهذا الخطاب في مقال شهير له على شبكة الانترنت بعنوان"منجزات الصحوة"، أراد فيه تعداد منجزاتها العظيمة وما حققته في كثير من المناحي والمجالات، وحينما أتى للحديث عن المرأة لم يزد على ذكر"أن الصحوة حافظت على الفضيلة، وقاومت مشاريع المنافقين لإخراج المرأة عن حشمتها وعفتها، وتقويض الحواجز بين الجنسين التي شرعها القرآن، وأنتجت الصحوة الإسلامية في هذا المنجز آلاف المواد الصوتية والمقروءة"، وهو لم يقل إلا حقاً، فالمحافظة على الفضيلة ومحاربة المشروع التغريبي والحرص على حشمة المرأة وعفتها هو بالفعل من أهم المنجزات التي يمكن احتسابها وذكرها لهذا الخطاب، ولعل في ما أشار إليه إجابة وافية للتساؤل الذي بدأنا به بداية المقال وهو"ماذا قدم هذا الخطاب للمرأة السعودية؟! * كاتب سعودي. [email protected]