قبل عامين وتحديداً في 5 يوليو تموز 2006، كتبت مقالاً - وهو بالمناسبة المقال الثاني لي في هذه الصحيفة، وعلى هذه الصفحة - معنوناً ب"جائزة الدولة التقديرية"، وقد تمنيت في ذلك المقال بأن نُصاب بالعدوى من بعض الدول العربية القريبة والبعيدة، فضلاً عن الدول المتقدمة في العالم التي تمنح رموز مبدعيها ومثقفيها وروادها شهادات اعتراف، ووثائق تقدير في احتفالية سنوية يسلمونهم فيها"جائزة الدولة التقديرية"بكل عرفان لعطاء هؤلاء المبدعين، وطالبت في ذلك المقال بتخصيص"جائزة الدولة التقديرية"في وطن لديه طوابير طويلة من الأسماء اللامعة والمبدعة. قد يقول البعض إن الجوائز في وطننا كثيرة، ولسنا في حاجة إلى المزيد، وهم بذلك يشيرون إلى جائزة الملك فيصل العالمية، وهنا لابد من إيضاح بأنها - أي جائزة الملك فيصل العالمية - منبثقة من مؤسسة الملك فيصل الخيرية، وهي مؤسسة خيرية ومستقلة ولا دخل للحكومة فيها لا من قريب ولا من بعيد، كما أنها تمنح جوائزها للمبدعين والمميزين من العلماء والمفكرين من كل أنحاء العالم، إذاً هي جائزة عالمية ومنافسة قوية لجائزة نوبل ومقرها السعودية، أيضاً، قد يشير البعض إلى الجائزة التي تُمنح سنوياً لأحد رواد الوطن على هامش مهرجان الجنادرية، وهي جائزة رائعة لا يسعنا إلا أن نقف إجلالاً لها واعتزازاً بها، ولكن هي بمثابة تكريم يستهدف الرعيل الأول من الرواد، تقديراً وتثميناً لمسيرتهم الإبداعية الطويلة، وهناك الجوائز العلمية المنتشرة هنا وهناك من بلادنا، فهي جوائز خاصة بالتحصيل الدراسي، وهناك الكثير من الجوائز المختلفة التي لها بالطبع بالغ الأثر في تطور المجتمع والإنسان السعودي. أنا أتحدث هنا عن"جائزة الدولة التقديرية"التي تُمنح للعلماء والمفكرين والأدباء وأصحاب الانجازات العظيمة والعلامات المضيئة في سماء الوطن، وحين تكون الجائزة هي الأعلى والممنوحة من الدولة، ستكون هي الأغلى بالنسبة للمبدعين، تصيبني الحسرة حينما اقرأ سيرة أحد المبدعين، أو العلماء من وطني - وهم ولله الحمد بالآلاف - ثم لا أجد له أي تكريم أو جائزة من وطنه، في حين ينال صاحب تلك السيرة جائزة أو وساماً أو وشاحاً من إحدى الدول العربية، بل وحتى من دول أجنبية، فما معنى هذا؟ هل تبخل الدولة - وهي الكريمة - على رجال ونساء هذا الوطن بجائزة تكون الأعلى والأغلى باسم"جائزة الدولة التقديرية السعودية". أحمد الله كثيراً على أن ما دعوت له قد تحقق فعلاً، بعد أكثر من عامين من ذلك المقال. اجتاحتني السعادة، بخبر القرار الذي صدر من وزارة الثقافة والإعلام في الآونة الأخيرة بإعادة منح"جائزة الدولة التقديرية"بعد توقف دام أكثر من ربع قرن، وتجري التحضيرات والاستعدادات - هكذا سمعنا - للعودة الحميدة لهذه الاحتفالية المنتظرة بعد طول غياب، إذ شُكلت للجائزة لجان عدة، وأمانة خاصة بالجائزة ترتبط مباشرة بوزير الثقافة والإعلام... والجائزة الموعودة ستُعيد من جديد ضخ الدماء الحارة لشرايين المشهدين الثقافي والأدبي بعد معاناة من التصلب والتخشب، فالمجتمعات والأمم التي لا تحتفي بمبدعيها ومفكريها ورموزها تُمحى ذاكرتها، وتفقد توازنها وتضطرب بوصلتها! الجائزة بنسختها الجديدة - كما رشحتها الأخبار القليلة - ستُمنح مرة واحدة لشخصية أو شخصيتين كحد أقصى في العام الواحد، كما تُقدر قيمتها المالية ب"300"ألف ريال. وبالعودة لتاريخ هذه الجائزة التي تختص - للأسف - بمجال الأدب فقط، إذ أقرت عام 1403ه تحت إشراف الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ولم تستمر سوى دورتين، وقد حصل عليها في دورتها الأولى عام 1404ه الأدباء حمد الجاسر، وأحمد السباعي، وعبدالله بن خميس، وفي عام 1405ه كانت الدورة الثانية وفاز بها الأمير عبدالله الفيصل، والأديب عبدالغفور عطار، والشاعر طاهر زمخشري، رحمهم الله جميعاً. إن عودة هذه الجائزة من جديد ستكون حافزاً لمبدعينا ومثقفينا، لاسيما الجيل الجديد تُخبرهم بأن هناك من سيُقدر عطاءهم! [email protected]