تعد مكتبة جامعة"اكسفورد"واحدة من أقدم المكتبات الجامعية، وهي تمثل أحد عناصر القوة والإمداد العلمي للجامعة بكلياتها المختلفة. بدأت هذه المكتبة في صورة مجموعات مهداة من بعض الأساتذة أو الساسة، وافتُتحت للقارئ عام 1488. ودامت هذه المكتبة الرائعة نحو 65 سنة. ثم حدثت مجموعة من العوامل التي أدت إلى زوالها: تراجع أعداد الكتب التي كانت تأتي إليها من طريق الهبات لتزويد المكتبة بما تحتاج إليه، وبخاصة بعدما بدأت كل كلية من الكليات الجامعية تهتم بإنشاء مكتبة خاصة بها. إن السماح بإعادة المخطوطات القديمة والنادرة أدى إلى فقدان الكثير منها. الأحداث التي بدأت عام 1537، عندما أمر هنري الثامن بحل الأديرة والطوائف الدينية، ما تسبب بنكبة كبيرة في تاريخ المكتبات الإنكليزية، إذ تعرضت آلاف المخطوطات للدمار الشديد أو للمصادرة. وفي عهد الملك إدوارد السادس دُمرت البقية الباقية من الكتب في مكتبة جامعة اكسفورد، كما يقول الدكتور عبدالله يوسف الغنيم أستاذ الجغرافيا في جامعة الكويت في كتابه المهم"المخطوطات الجغرافية العربية في مكتبة البودليان جامعة اكسفورد"الصادر أخيراً عن مركز اكسفورد للدراسات الإسلامية في 410 صفحة من القطع الكبير الفاخر، والمزوّد بصور المخطوطات. وفي العام 1598، كتب توماسي بودلي T.Bodley إلى الجامعة يعرض إرجاع المكتبة على نفقته الخاصة وإمدادها بالكتب والمخازن والقاعات المناسبة. وهو أمر نهض به على أكمل وجه إلى حين وفاته عام 1613. وبعدما عمل ديبلوماسياً للملكة اليزابيث الأولى... متنبهاً الى الصراعات السياسية والمنافسات المرتبطة بها في البلاط الملكي، قرر بودلي أن يودع العمل في وظائف الدولة وداعاً كاملاً، وأن يلجأ إلى عمل مفيد يختم به حياته. ويصف بودلي بداية تلك المرحلة في مذكراته التي كتبها بقلمه بقوله: يجب أن أقوم بعمل صادق يمليه عليّ واجبي نحو وطني أكمل به ما تبقى من حياتي... لقد فكرت كثيراً، وأخيراً اقتنعت بأنه ليس هناك شيء أفضل من إقامة مكتبة في اسكفورد، وأن أحوِّل ذلك المكان الذي تم تدميره وتخريبه إلى مكان عام ليستفيد منه الطلبة". ويقول الدكتور عبدالله الغنيم إن المكتبة نمت على مدى القرون التالية حتى أصبح عدد الكتب التي تحتويها يزيد على 6.800.00 كتاب بمختلف اللغات، إضافة إلى 1.200.000 خريطة ويبلغ طول رفوف الكتب 176 كيلومتراً، وتشتمل على 29 قاعة إطلاع، ونحو 2500 مقعد. ويرى المؤلف أن دراسته هذه لكثير من محتويات هذه المخطوطات كشفت عن الكثير من الجوانب العلمية غير المسبوقة في هذا المجال، ومن أمثله ذلك: أن الأعمال التي تحتفظ بها مكتبة البودليان من مؤلفات أحمد بن ماجد وأراجيزه تُستخدم أو يُفاد منها أو التعريف بها من قبل جميع الذين اهتموا بنشر تراث ابن ماجد من المستشرقين والعرب على حد سواء. وبعض الأراجيز والقصائد لم تعرف أو تنشر في أي مكان، على رغم اهتمام المستشرقين والعرب بأعمال ابن ماجد ومخطوطاته في كثير من بلدان العالم، كما أن الكتاب الذي يحمل عنوان"اتحاف الأخصَّا في فضائل المسجد الأقصى"المنسوب إلى المنهاجي الأسيوطي في فهرس المكتبة البودلية، هو في واقع الأمر نسخة مهمة من كتاب"فضائل بيت المقدس"لأبي المعالي شرف بن المرجي من علماء القرن الخامس الهجري، علماً أن الذي نشر الكتاب عام 1995. اعتمد على نسخة ظنها فريدة من الكتاب، وهي تلك المحفوظة في مكتبة"توبنين"ونال عنها درجة الدكتوراه، ولو تيسر للباحث الاطلاع على نسخة"البودليان"لتفادي الكثير من التحصيفات والتحريفات التي وردت في مخطوطة"توبنغن"على حد كلام الدكتور عبدالله يوسف الغنيم. كما أن هذا الكتاب ليس فهرساً للمخطوطات فحسب، ولكنه تعريف موسع بكل كاتب ومخطط، وبيان لقيمة كل مخطوط مقارنة بالنسخ الموجودة منه في مكتبات العالم. والكشف عن الدراسات التي كتب عن هذه المخطوطات وما طبع منها مجزءاً أو كاملاً يؤكد مدى الحاجة إلى طبعة جديدة في ضوء هذا التحليل والتوصيف الشامل. قَسّم المؤلف كتابه إلى موضوعات، وأورد تمهيداً عن نشأة مكتبة"البودليان"، ثم التعريف بالمجموعة العربية المخطوطة ومصادرها وأورد المخطوطات وفقاً للحقول التالية: الجغرافيا الإقليمية وكتب البلدان، والجغرافيا الطبيعية، والمعاجم الجغرافية وتقويم البلدان، وكتب الرحلات، وكتب الخطط وفضائل البلدان، والملاحة وعلوم البحار، وكتب العجائب. ومما أورد الدكتور عبدالله الغنيم من مخطوطات تحت عنوان"الجغرافيا الإقليمية وكتب البلدان":"أخبار الزمان"لأبي الحسن المسعودي وكتاب"المسالك والممالك"لابن حوقل وكتاب"أكام المرجان في ذكر المدائن المشهورة في كل مكان"لإسحاق بن الحسين المنجم، وكتاب"الجغرافيا بسط الأرض في الطول والعرض"لابن سعيد المغربي، وپ"معالج القربة في أحكام الحسبة"لابن الإخوة، وپ"التعريف بالمصطلح الشريف"لابن فضل الله العمري، أما في الجغرافيا الطبيعية، فتناول المؤلف مخطوطات:"رسالة في المد والجزر"لأبي اسحق الكندي، وكتاب"الأنواء"لابن قتيبة الدينوري، وپ"أزهار الأفكار في جواهر الأحجار"لأبي العباس اليتفاشي، وپ"مناهج الفكر ومباهج العبر"للوطواط، وپ"البرهان في أسرار علم الميزان"للجلدكي، وپ"رسالة في زيادة النيل"لابن حجة الحموي، وپ"كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة"للسيوطي. وفي المعاجم الجغرافية وتقويم البلدان، تحدث المؤلف عن مخطوطات"معجم البلدان"لياقوت الحموي، وپ"آثار البلاد وأخبار العباد"للقزويني وپ"تلخيص الآثار في عجائب الأقطار"للباكوي وپ"التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية"لابن الجيعان، وپ"نشق الأزهار في عجائب الأقطار"لابن إياس وپ"أوضح المسالك إلى معرفة البلدان والممالك"لسباهي زاده. وفي مجال كتب الرحلات، أورد الدكتور الغنيم مخطوطات:"مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن"لابن الجوزي، وپ"الإشارات الى معرفة الزيارات"للهروي، وپ"الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعانية بأرض مصر"لموفق الدين البغداداي وپ"رحلة الشيخ اللطيفي وجميع ما رآه سياحته من العجائب". وفي شأن كتب الخطط وفضائل البلدان، فهناك مخطوطات:"فضائل بيت المقدس"لأبي المعالي المقدس، وپ"تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة"للمراغي المصري، وپ"تحفه الكرام بأخبار البلد الحرام"للفاسي، وپ"وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى"للسمهودي، وپ"الروضة الزهية في ولاة مصر المعزية"للكبرى، وپ"الإعلام بأعلام بيت الله الحرام"للنهروالي. ومن مخطوطات الملاحة وعلوم البحار:"حاوية الاختصار في أصول علوم البحار"ومجموعة قصائد وأراجيز في الملاحة البحرية لأحمد بن ماجد، وخرائط بحرية للصفاقسي والفوائد في أصول علم البحر والقواعد للسعدي. ومن مخطوطات كتب العجائب، أورد الدكتور عبدالله الغنيم:"عجائب المخلوقات"للغرناطي، وپ"تحفة الملوك والرغائب لما في البر والبحر من العجائب والغرائب"لابن زنبل المحلي، وپ"حاوي الحسان من حياة الحيوان"للديمري، وفريدة العجائب وپ"فريدة الغرائب"لابن الوردي، وپ"غرائب الفنون وملح العيون"لمؤلف مجهول.