روسيا: نحن في موقف يسمح لنا بامتصاص صدمات أسواق النفط    السماح بدخول شاحنات النقل المبرد القادمة فارغة من دول المجلس إلى المملكة    وزير الخارجية ووزيرة خارجية بريطانيا يناقشان المستجدات على الساحة الإقليمية    أمطار غزيرة على مدينة الرياض    إقامة مباراة الهلال أمام السد في ملعب عبدالله الفيصل    أمانة تبوك تكثِّف جهودها للتعامل مع الحالة المطرية    رينارد يختار حارس منتخب السعودية أمام مصر    الهلال يُعاند رغبة برشلونة في ضم كانسيلو    نائب أمير جازان يستقبل رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة    أمير جازان يستقبل رئيس محكمة الاستئناف بالمنطقة    فيصل بن بندر يستقبل مديري التعليم والبيئة والمياه والزراعة بالمنطقة    التخصصي" يتوج بجائزة بيئة العمل الصحية من سيجما العالمية    تجمع عسير الصحي يحتفي بالعيد ويشكر مرابطيه على جهودهم    الأصول الاحتياطية للبنك المركزي السعودي تتجاوز 1.7 تريليون ريال بنهاية 2025م بنمو سنوي 5.3%    الأصول الاحتياطية للبنك المركزي السعودي تتجاوز 1.7 تريليون ريال    برعاية محافظ الطائف… انطلاق فعاليات الملتقى العالمي للورد والنباتات العطرية    الشؤون الإسلامية بجازان تعايد منسوبيها وتثمن جهودهم في رمضان وتعزز روح الألفة    رابطة العالم الإسلامي تُرحّب باعتماد مجلس حقوق الإنسان بالإجماع قرارًا يُدين الاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية والأردن    سقوط شظايا صاروخ على سطح منزلين ولا إصابات    الهلال قادم لخطف الصدارة    سلام هي حتى مطلع الفجر    تحذيرات متكررة.. ومغامرة مستمرة    أنغام تفتح تاريخها الفني في ليلة طربية مرتقبة    بشار الشطي يطلق أغنية «بترد الأيام»    مواهب واعدة تَطرُق الطموح في «the Voice Kids 4»    العيد في السعودية.. حكاية طمأنينة    بيعة ولاية العهد.. نماء ونهضة    سيكولوجية الحروب    الأمم المتحدة: الهجمات الإيرانية على المدنيين في الخليج ترقى إلى جرائم حرب    تفاقم مخاطر الانفجار الإقليمي.. تحذير أممي: ضربات المنشآت النووية تنذر ب«كارثة مطلقة»    قتلى وجرحى وتوتر حول وقف النار.. قصف الاحتلال مستمر على غزة    مفتو العالم الإسلامي: العدوان الإيراني إجرام غير مسبوق    بيئة مكة تعايد منسوبيها    تربة المريخ.. سماد نباتات صالحة للأكل    أسرة محرق تتلقى التعازي    الأرصاد تحذر من شواهق مائية وأعاصير قمعية    طرحت برامج نوعية في مجالات صحية متقدمة.. «كاساو» تفتح باب القبول للدراسات العليا    ذكريات العيد في مجلس البسام    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ علي زيدان البلوي بوفاة والدهم    ارتفاع السوق    تعدي عليها.. حبس شقيق شيرين عبد الوهاب    الاكتفاء بموافقة المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني.. توحيد إصدار تراخيص التعليم الإلكتروني الخاص    بتنظيم وزارة الثقافة ..الرياض تستضيف مهرجان الفنون التقليدية 2026    في ملحق تصفيات أوروبا لكأس العالم.. إيطاليا تتشبث بالأمل في مواجهة أيرلندا الشمالية    كلاسيكو البرازيل وفرنسا أبرز الوديات الدولية    كتب التاريخ خلال 9 أعوام ودون اسمه في قائمة الأساطير.. صلاح ينهي مشواره مع ليفربول بإرث لا ينسى    «التخصصي» ينجح في إجراء عملية سحب القولون ب «سونسن»    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    فعالية "عيد وسعادة" تُبهج أهالي الجبيل في أجواء احتفالية مميزة    على ضفاف المجاز.. شعراء صبيا يحيون اليوم العالمي للشعر في أمسية أدبية استثنائية    تحديد مواعيد زيارة مجمع طباعة المصحف    الصمعاني: تعزيز كفاءة الأداء لتطوير المنظومة العدلية    الأمم المتحدة: هجمات إيران على المدنيين في الخليج والأردن ترقى إلى جرائم حرب    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    الدفاع المدني: سقوط شظايا اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين بالمنطقة الشرقية ولا إصابات    «الإسلامية»: تقديم 2.3 مليون خدمة دعوية للمعتمرين    معايدة الأسر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



استطلاعات الرأي في معترك السياسة
نشر في الحياة يوم 21 - 06 - 2008

هل لاحظتم الدور الذي تمارسه استطلاعات الرأي في مواكبة الانتخابات التمهيدية لمرشحي الرئاسة الأميركية عن الحزبين الكبيرين الجمهوري والديموقراطي؟. ألم يلفت انتباهكم الحملات المحمومة لاستكشاف ميول الناخبين التي تضطلع بها مراكز الاستطلاع، متعددة الاختصاص ومختلفة المكانة والصدقية، قبيل وأثناء وبعد كل جولة انتخابية لهذا المرشح أو ذاك في واحدة أو أخرى من الولايات.. بل وان هذه العملية تحدث أحيانا بين يدي كل تصريح أو خطاب للمرشحين أو أية شاردة أو واردة تصدر عنهم؟.
والأمر كذلك، تبدو هذه المراكز وكأنها ثالثة أطراف العملية الانتخابية إلى جانب المرشحين والناخبين. وبالطبع نستطيع أن نرفع عدد هؤلاء الأطراف إذا ما أضفنا إليهم تأثير وسائل الإعلام والممولين المتبرعين والشخصيات والرموز من ذوي الشعبية العامة أو السيرة الذاتية السياسية وغير السياسية المميزة.
دراسة تفضيلات الناخبين بعد محاولة التعرف عليها وملامستها مهمة أصيلة وبارزة ،وان لم تكن الوحيدة، من بين المهام التي تنبري لها مراكز بحوث الرأي العام. لقد أضحت هذه البحوث مرجعية يعتد بها لمتابعة الاتجاهات والرؤى والمواقف على أكثر من صعيد وفي غير حقل ومجال. وفي الوقت الراهن، فإننا أينما ولينا وجوهنا وجدنا من ينشغل بنتائج الدراسات المسحية. يحدث هذا على مستويات تبدأ بالأفراد والمؤسسات وتنتهي بالدول و أحيانا بمناطق شاسعة كالعالم العربي أو حتى بقارات.
ولسنا بعيدين اليوم عن توجه إدارة الرئيس جورج بوش الابن لتحسين صورة الولايات المتحدة وتخصيص دائرة خاصة بذلك، بالنظر للمسموح الذي أثبت رداءة هذه الصورة في النطاق"العالمي"بأسره.
على أن الاستطلاعات السياسية، شأن معظم مباحث الاجتماع السياسي، عرضة للتوظيفات والاستخدامات بحسب أهداف وأهواء قد لا تكون نزيهة دوما أو حيادية. فهناك ما يوحي بأن بعض رعاة هذه الاستطلاعات يخوضون بها معاركهم ويصفون بها حسابات مع خصومهم و منافسيهم في الداخل أو مع أعدائهم في الخارج. نحن بصيغة أخرى بصدد واحدة من العمليات التي تسمح بصناعة الصورة أو الحدث أو الدعاية بالموجب أو بالسالب أو بالتمهيد لتحركات يصعب فصمها عن صراعات المصالح والإيديولوجيات والسياسات.وفي حالات بعينها،عرفنا بعض القوى التي تمكنت من التوسل بالاستطلاعات لمخادعة منافسيها والتمويه عليهم والتغطية على موازين القوى الحقيقية معهم. يقال مثلا بأن حركة"حماس"الفلسطينية وجهت أنصارها وأعضاءها إلى التصويت لغير صالحها في استطلاعات الرأي السابقة على الانتخابات العامة بالضفة وغزة في كانون الثاني يناير 2006، الأمر الذي طمأن منافسيها إلى احتمال الفوز عليها إلى أن فوجئوا بعكس ذلك عند التصويت الفعلي!.
كذلك يحدث أن يجري التأثير في خيارات المستطلعين عبر أدوات التعبئة والحشد والتوجيه الدعائي المكثف. ولأن هذه العملية غالبا ما تتم بنعومة وسلاسة على أيدي خبراء مخضرمين، فان تداعياتها تخفي على جمهور المصوتين أو الجماعات المقصودة بها، بحيث يدخل في روعهم انهم قاموا بالاختيار الصحيح وبإرادتهم الحرة..فيما الحقيقة أنهم إنما طوعوا ووجهوا إلى ما اختاروا من حيث لا يدركون.
وللإنصاف، فإن مراكز بحوث الاستطلاع والقائمين عليها ربما وقعوا هم أنفسهم ضحية تكتيكات التوجيه بقصد الوصول باستطلاعاتهم إلى نتائج محددة. فقد يطلب إليهم إجراء مسح بعينة خدمة لجهة ما، بعد أن يتم تحديد نوعية العينة المطلوب استقصاء رأيها والأسئلة المراد أجابتها وأسلوب طرحها . وربما حددت هذه الجهة الوقت الذي ينبغي إجراء الاستطلاع فيه ووقت ومناسبة إعلان نتائجه ووسيلة هذا الإعلان.
وفقا لهذه العملية شبه المتكاملة، غالباً ما نصبح أقرب إلى استنطاق للرأي بأكثر مما نكون إزاء معاينة عشوائية لآراء الجمهور حول المسألة موضع الاهتمام. أي أن بحوث الرأي ونتائجها لا تعبر في مثل هذه الحالة عما يجيش حقاً في خواطر المستطلعين بشكل تلقائي أو منساب، وإنما يراد بها المساهمة في صنع الرأي وتقييد تفضيلاته على نحو صارم، ثم تجيير هذه التفضيلات لخدمة سياسة معينة.
لا تتبدى مثل هذه التكتيكات لعموم الجمهور، لكن الراسخين في العلم وبحور السياسة، وما يتصل أو يخلط بها من مباحث نفسية وإعلامية ودعائية على صعيدي الفكر والحركة، على دراية بها. ولذا فإن اهتمامهم باستطلاعات الرأي وحرصهم على مطالعتها وتفهم مغازيها، لا يسوقهم إلى الانحناء لها مباشرة أو الاستماع لها والعمل بإيحاءاتها في كل الأوقات والمناسبات. فلو كان الأمر على هذا النحو، فلربما تغيرت خريطة الزعماء المنتشرين من حولنا"المنغمسين في معظم قضايانا العربية الساخنة. فزعماء مثل إيهود أولمرت في إسرائيل وجورج بوش الابن في الولايات المتحدة أهملا طويلا الاستطلاعات التي قالت إن شعبيتهما لا تؤهلهما لموقعيها القيادية الأولي في بلديهما. واستمر توني بلير في رئاسة الوزارة البريطانية لسنوات رغم أنف المسوح التي أكدت افتقاده لقوة الإسناد الشعبي. ويبدو أن نيكولا ساركوزي يمضي على الطريق ذاته كما تقول أحدث استطلاعات الرأي في فرنسا، وذلك بسبب شططه في مخالفة التقاليد الاجتماعية لأسلافه في الاليزيه.
لا تتمتع أرقام الاستطلاعات وحساباتها إذاً بالقول الفصل في تحديد حال الزعماء والقادة ومآلهم.. لكن المنتمين من هؤلاء للمجتمعات الديموقراطية التي يحسب فيها للرأي العام حساباً، يأخذون هذه الأرقام على محمل الجد ويسعون حثيثاً لتغييرها لصالحهم، موظفين في ذلك فيالق من خبراء الدعاية وصناعة الرأي العام.
انتقاد استطلاعات الرأي وبيان ما قد تحتوي عليه من مخبوءات وأجندات خفية وما يرتبط بسيرورتها من مصالح،والتحذير من انطوائها أحياناً على عمليات تزييف أو لىّ للحقائق، هذه المثالب ونحوها لا تعني نبذها أو عدم الاعتماد عليها بالمطلق. فهذه الآلية هي من تجليات الحداثة والممارسة الديموقراطية بكل مظاهرها، حتى ما عادت بعض المؤسسات في المجتمعات المتقدمة تستغني عنها في تحسس نبض الشارع واستنكاره ردود أفعاله إزاء أنشطتها وفعالياتها. وفي بعض الأحايين يكون لمداخلاتها وآرائها المعززة بالجداول والأرقام اليد العليا في تحديد هذه الأنشطة والفعاليات وتحديد المواقف ورسم السياسات. لنتذكر مثلاً كيف رفع بيل كلينتون شعار"انه الاقتصاد يا غبي"في حملته الانتخابية عام 1992، وكيف انه تمكن بذلك من دحر منافسه جورج بوش الأب. لقد كان هذا الأخير في أوج قوته السياسية بعد أن أعلن انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة وخرج مظفراً من معركة"تحرير الكويت"عام 1991. لكن كلينتون، أذكى الرؤساء الأميركيين طراً تقريباً، كان قد استمع إلى استطلاعات الرأي التي أكدت أن الناخب الأميركي يضع الاقتصاد أولاً.
وللمفارقة فان بعض الاستطلاعات الطازجة أثبتت مجدداً أن الاقتصاد ما زال هو القضية الأولى عند هذا الناخب في الحملة الجارية راهناً. وتقديرنا أن مجريات هذه الحملة تنسجم مع هذا التقدير، مؤكدة في الوقت ذاته أنه ليس سياسياً حصيفاً من يستبعد بوصلة الاستطلاعات.
پ
* كاتب فلسطيني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.