لا العقاقير ولا الأحلام بأنواعها وصورها المختلفة كفيلة بأن تنسي الإنسان واقعه، فبعد كل غفوة يقظة، وإثر كل مساء مظلم صباح منير، ومن يتناسى هذه الوقائع سيصطدم عاجلاً أم آجلاً بصخرة الحقيقة على طريق أحلامه وخيالاته. لكل مجتمع وعصر مقاييس وموازين لتصنيف الناس ووضعهم في مرتبتهم من السلم الاجتماعي. والإنسان بطبيعته متشوق لإبراز شخصيته. يمتاز عصرنا الحاضر بتنوع المظاهر والصفات وغيرها بسرعة فائقة مما حرم الإنسان القناعة والاكتفاء الذاتي. أزياء تتبدل من وقت لآخر. يطول ثم يقصر. تسريحات الشعر متنوعة الألوان والأشكال حتى أصبحت فناً ومهنة لموضة غاية في الغرابة. منازلنا لا تقاس بكبر مساحتها إنما بمدى استغلال كل شبر فيها. السيارات والدراجات والطائرات تتبدل بما يدخل عليها من تجديدات لتوفير الراحة للمسافرين، أساليب تعليمنا وثقافتنا أصبحت تعتمد أكثر على إشراكنا في الرأي والبحث والمناقشة، وأغذيتنا تطورت وتنوعت حتى صارت شغلنا الشاغل. إضافة الى ظاهرة تبرز للعيان وتلقى الاستحسان عند الذين يؤمنون بالسطحية ويتأثرون بالقوالب الخارجية والمظاهر، وهي خطف الأبصار بواسطة الدعاية او الإشاعة او التفاخر. كلها مجتمعة او كل منها على انفراج وهي تؤثر في الغالب على أفكار ضعاف النفوس والبسطاء الذين يرون في خطف الأبصار عن طريق المفاجأة ما يثير ويشوق. ولقد أخذت هذه الظاهرة تتغلغل في وسائل الإعلام التي تقدم للقارئ والمستمع والمشاهد المعلومات والأخبار والحوادث بأسلوب لا يخلو من المبالغة وحتى السطحية أحياناً مما يجعل الجمهور يؤخذ بالغطاء قبل فحص ما يوجد تحته، وبالقشرة اللماعة من دون اعتبار ما اذا كان السوس ينخر فيها. ذلك اننا أصبحنا نفكر فقط في الساعة التي نعيشها. لذا أوجدت هذه المظاهر في نفوسنا عدم الاستقرار، وأثارت التنافس والحسد، ودفعتنا الى تقليد الآخرين على رغم تفاوت الدخل والإمكانات فأغرقتنا بالديون الباهظة. وفي يومنا الحاضر يتنافس الناس على إقامة الأبنية الكبيرة ويتفاخرون بصالونات الضيوف التي يحشر فيها الأثاث الغالي الثمن وقد لا تفتح هذه الصالونات إلا نادراً لأن أصحابها لا يكاد يربطهم بالنشاط الاجتماعي أي رابط. السيارات صارت مقياساً لعلو الشأن وهي تكلف عشرات الآلاف من الدولارات يقتنيها البعض مع انه لا يملك سوى عشرات الدولارات، والفضل في ذلك لعملية التقسيط الموجودة. الهاتف الخليوي، التلفزيون، الكومبيوتر والانترنت وغيرها هي اليوم في عداد مظاهرنا العصرية. صحيح ان مستوى المعيشة في ارتفاع مستمر، ولا يجوز للإنسان ان يكون متخلفاً، ولكن ذلك يجب ان يطبق في حدود الإمكانات وعلى ضوء الحاجات. اننا نتخبط في فوضى من المظاهر العصرية. نتشاحن ونتسابق عليها ظناً منا أنها السبيل لإبراز شخصيتنا ورفع شأننا، لكنها في الواقع سبب لإبراز نقائصنا وعيوبنا، إضافة الى المتاعب المالية والنفسية والاجتماعية التي تجلبها. وعندها قد نفتح عيوننا على المصائب والويلات بعد فوات الأوان، فتكون مظاهرنا المزيفة أشبه ببالون منتفخ ينفجر عند أقل وخزة! ريما منذر - لبنان