كانت تأتيني الميتافيزيقا من التراتيل الكنسية القديمة، ومن أورغن يوهان سياستيان باخ، وسيزار فرانك، وأوليفيية ميسيان، ومن سوناتات بيتهوفن ورباعياته، ومن توقيعات شوبان، وسكريابن، وديبوسي، على البيانو، وسمفونيات انطون بروكز، وموسيقى صوفيا غوبايدولينا، وتوجعات آلتي السيتار، والسارود الهنديتين. وكانت تأتيني ايضاً من لوحات الفنان البلجيكي يول ديلفو، ومن ملكوت الرياضيات. وكانت تمنحني ضرباً من الخدر الأفيوني. لكن همومي بقيت في تزايد، فرحت أبحث عن علاج آخر قد أجده في الميتاكيمياء. ولأنني لست ممن يتعاطون النشوقات، ولا الزرقات في الذراع، لذلك حصدت اهتمامي بالأشربة والشايات. ورحت أجرب هذه الشايات كل يوم، بأمل ان اهتدي الى انجعها وأكثرها اداءً للغرض. فجربت شاي الخبازى، وقشور التفاح، والقرفة، وعرق السوس، ونكهة البرتقال مع نكهة المانغو، ثم جربت شاي اوراق التوت الاسود ونكهة الماندرين، ونكهة اللايم، وقشور الليمون، ونبات ورك الحصان، وقشور التفاح. وجربت شاي التوت بشتى اصنافه، وشاي حشيشة الليمون، او عساليج الكرز وأوراق البرتقال، والخبازى. وجربت شاي قشور السفرجل، وأوراق الاجاص، والشليك المجفف، ونكهة المانغو، وعرق السوس. ولم تنفعني. ثم جربت خلطة من عشبة الساحرة، ونبتة الهيام، ونبتة السعادة. وجربت خلطة من الفطر الهلاسي، وزهور أبواق الملائكة، ونبتة الحشاش. وخلطة من زهرة الفردوس، وتابل المدير للرأس، ولوبياء المصلي، وعشبة ملكة الجحيم. وجربت خلطة من زهور السيدة ذات الحجاب، والفطر المضيء، وزهرة شجرة الشمعدان. وجربت خلطة من زهور شجرة المسافر المدغشقرية، وأوراق حبل الشيطان، ولهب الغابة أو ما يسمى بالزنبق الافريقي، وجرس غداء القرد. وجربت خلطة من فاكهة الخبز، وكوسى الثعبان، وأوراق شجرة السجق، واللوبياء الطيارة. وجربت خلطة من اوراق مخلب الشيطان، وأوراق شجرة الاتداء المدلاة، وزهرة اللوتس المقدس. وجربت خلطة من اوراق نبتة هبة النيل، ونبتة الشيطان الازرق، واخطبوط الصحراء. وجربت خلطة من أوراق نبتة الرجال الاشباح، ووردة اريحا، وشجرة المر الاسطورية. وجربت خلطة من زهور هبة ملكة سبأ، وأوراق شجرة الحليب، وأوراق نبتة النعاس. ثم جربت حشيشة التنين، وحشيشة البركة، وحشيشة الريح. وجربت حشيشة العقرب، وحشيشة القمر، وحشيشة النجم، وحشيشة القنّب، فما نفعتني كلها في شيء. ثم رأيت أن أزيد الجرعة، أعني أن اجرب اعشاباً أقوى تقتل اذا زيدت جرعتها. وفكرت في أن أبدأ بالفطر المقدس، الذي كنت على معرفة به بعد قراءة كتاب الفطر المقدس والصليب لجون الليغرو. هذا الفطر يدعى باللاتينية Amanita muscaria، وعُرف منذ بداية التاريخ. فتحت قشرة مظلته المبقعة باللونين الاحمر والابيض يوجد سم هلاسي ذو مفعول شديد. وهو يشد الناظر اليه لمنظره الجذاب. وهو نفس الفطر الذي جلبه الآربون عندما نزحوا من الشمال الشرقي الى افغانستان قبل الفي عام. وكانوا يدعونه سوما. وهذا قد يذكرنا بكلمة"السم"العربية، لكنني بحاجة الى التثبت منه. وكان هذا الفطر مقدساً، وعندما يتناول بكميات قليلة فإنه لا يقتل، بل يورث مفعولاً مذهلاً، واحلاماً هلاسية، يرى فيها متناوله عوالم فانتازية عندما يغمض عينيه. وفكرت في الصبار المقدس، وهو نبات مكسيكي لفت انظار الفاتحين الاسبان عندما دخلوا المكسيك، ولاحظوا الدور الذي يلعبه في طقوس المواطنين الاصليين. فقد كان السكان الاصليون يجففونه ويستعملون قطعاً منه بحجم الازرار في عباداتهم ليحقق لهم تواصلاً دينياً. وتحت تأثيره يصبح في مقدور الانسان ان يتصور صوراً فانتازية عجيبة، وعوالم غير حقيقية. ويمارس الاحساس بحال هلاسية طويلة الأمد، يرى في اثنائها صوراً ملونة لاشياء غريبة مع اشكال هندسية غريبة. وكانت هذه النبتة تعتبر مدخلاً الى الفردوس. كتب طبيب تعاطى هذا النبات:"شاهدت مجوهرات... وسجاجيد مذهلة تتوهج في آلاف النيران. ثم احالت نفسها، امام باصرتي، الى ازاهير، والى فراشات، وأجنحة وامضة. ومع مرور كل لحظة كنت استمتع بمناظر جديدة". وفكرت في حشيشة البلادونا ست الحسن، مع انها من بين اكثر النباتات سماً. كان عصير ثمرها يقطر في العيون، فيوسع البؤبؤ. لذلك شاع استعماله بين نساء ايطاليا قديماً. وارتبطت هذه النبتة بالسحر والساحرات ايضاً. واشيع ان الساحرات كن يدهّن بها قبل اجتماعهن بالشيطان. لكنها كانت تستعمل كمادة سامة. ففي ايام حكم آل بورجيا في ايطاليا، كانت تخفى جرعات من البلادونا في اماكن مختلفة في قصرهم، لاستعمالها عند الحاجة، بعد ان تضاف الى الطعام أو الفاكهة. فكان تناول الطعام خطراً في صحبة أناس من علية القوم. من هنا شاع المثل في ايطاليا:"لا تأكل الكرز مع البابا". لكن نبات اللفاح أو اليبروح استأثر باهتمامي اكثر من ذلك، لمزاياه التخديرية. فهو يسبب نوماً عميقاً وطويلاً. وهو متوافر في منطقة البحر المتوسط. وفي التوراة تروى عنه حكايات ظريفة، ترقى الى المعتقدات الشعبية أو الخرافة. ويروى أن القائد القرطاجي هانيبال هزم خصومه من خلال استثمار مفعول نبتة اللفاح. فعندما كانت الجيوش الافريقية تتمرد على السلطة في قرطاجة، كان هانيبال، المعروف بحدة ذكائه، يتظاهر بالتراجع، ويترك العديد من الجرار مملوءة بالشراب، بعد ان تضاف اليها عصارة جذور اللفاح، ثم يصل الجنود العصاة، فيجدونه امامهم، فيشربونه، وتأخذهم سنة من النوم العميق، ويصبحون بذلك فريسة سهلة لجيش هانيبال العائد. وكان اللفاح يستعمل للتخفيف من الآلام الشديدة، في أيام الحكم الروماني، عندما كان البعض يتعرض الى التعذيب على الصليب. كان اللفاح يقدم الى هؤلاء الضحايا قبل الموت، من نساء متعاطفات معهم. وهو يسبب نوماً عميقاً مع تنفس ضعيف جداً وضربات قلب ضعيفة، فإن ضحية الصلب يمكن أن يوحي بأنه ميت، مع أنه لا يزال حياً. وعند ذاك، كان ينزل ويسلم الى عائلته للدفن. واللفاح نبتة عشبية صغيرة، زهورها كأسية الشكل، ولونها ارجوائي صارخ، وثمرها الذي ينضج في موسم حصاد الحنطة اصفر، وحلو سائغ المذاق. ولا تزال الجماهير الشعبية الفلسطينية تعتقد انه يصلح علاجاً للعقم. وجذره يشبه الانسان: هناك رأس، ورقبة، ويدان، وجذع، وساقان، تماماً مثل جسد الانسان. وكان يستعمل في المانيا في القرون الوسطى لتسكين أوجاع الحامل عند الولادة. وكانوا يلفون الجذر بقماش حريري ويحممونه كل يوم جمعة وكأنه انسان. لذلك حرم استعماله، وقيل ان ثلاث نساء حكم عليهن بالموت في 1630 في هامبورغ بتهمة عبادة اللفاح. وحتى جان دارك اتهمت بحيازة اللفاح، وتعرضت الى التعذيب والموت حرقاً. وفكرت في القات، الذي يُزعم ان له مفعولاً في اذكاء المخيلة، وتركيز الذهن، وانعاش القلب، وطرد النوم. ويُزعم ان المرء في الصباح الباكر قبل استعمال القات يشعر بالضجر والكآبة. حتى اذا بدأ بمضغ القات فإنه يبدأ بالابتسام. وفي المرحلة التالية، بعد ان يكون مضغ كمية من هذا النبات، سينسى همومه، ويواصل عمله بقية النهار بارتياح. وبلا تعب. لهذا سمي هذا النبات"زهرة الفردوس"، مع ان الاماليو أو الاوراق هي التي تمضغ. لكنني احجمت عن استعمال القات، لأنني لا احب عملية المضغ المستمرة... وهكذا رأيت ان اعود الى عالمي الميتافيزيقي، واتخلى عن الاعشاب الميتاكيماوية، مع انني كنت أود أن اعيش في الاجواء الفانتازية التي تجترحها تلك الاعشاب.