بحرج شديد مددت يدي، حاملة ورقة نقدية من فئة 100 درهم نحو 13 دولاراً إلى الطبيبة، بعدما انتهت من كتابة وصفة الدواء، وأنا أتمتم بكلمات اعتذار تعبّر عن حيرتي. كنت لا أزال أخال السكرتيرة غير جادة في طلبها في دفع أجر العيادة للطبيبة شخصياً. وبابتسامة هادئة، استلمت الطبيبة النقود، ووضعتها في درج مكتبها، هكذا بمنتهى البساطة، وبعبارة صغيرة:"ما كاين مشكل" ما من مشكلة. لم يسبق أن سمعت عن طبيب يتسلم بنفسه تكاليف الاستشارة الطبية، فهناك دائماً السكرتيرة التي تلعب دور الوسيط لاستبعاد العلاقة المادية بين المرضى والأطباء، للحؤول دون تشويش صورة الخدمة النبيلة التي يقدمونها، لإنقاذ الحياة وتحسين الصحة. ربما كانت هذه الطبيبة استثناءً، أو لعلها تعرضت في الماضي لخيانة الأمانة من مساعديها. والحق أن حال هذه الطبيبة ليست استثناء خالصاً. يعرف الكثير من الموظفين والعاملين في المغرب، أن بعض تكاليف خدمات الأطباء لا تمر حتماً من خلال السكرتيرة. وتعد وثائق الشهادات الطبية أشهر هذه الخدمات التي تزعم"مؤكدة"أن المريض الفلاني يعاني مرضاً يستدعي تغيبه عن العمل، ولزومه الفراش لفترة معينة من الزمن، يحدد مدتها... المريض المزعوم نفسه. ويبقى هذا النوع من الخدمات غير العلاجية"سراً مهنياً"بامتياز، ليس بالنسبة إلى الطبيب فحسب، بل إلى المريض"المزيف"الذي يتحول زبوناً محضاً في هذه الحال. وأطرف ما في الأمر، أن بعض الأطباء يحددون سعر الشهادة الطبية، لتبرير أسباب"التغيب"، بحسب الأيام التي يحتاج إليها"الزبون". في مؤسسات القطاع العام، لا يُعترف بصدقية مثل هذه الشهادات الطبية، إذا وصلت إليهم من عيادات خاصة، تجنباً لتدخل تأثير المال في العلاقة بين طالب الخدمة الطبية ومقدّمها. ويلزم العاملون بتقديم شهادة طبية مختومة من طبيب ينتمي إلى سلك الطب العمومي، أو الخضوع للخبرة الطبية المضادة من قبل طبيب المؤسسة العمومية، للتأكد من المبررات الحقيقية للتغيب عن العمل. غير أن هذا الإجراء القانوني"الرادع"لا يحول دون الالتفاف عليه، ولا يعني أن جميع أطباء القطاع العام منزهون من الوقوع في إغراء المال، أو أنهم لا"يبيعون"خدماتهم الطبية، إذا لم يقدموا أي علاج حقيقي. والإجراء نفسه هو ما أيقظ جشع بعض الأطباء في هذا القطاع، بمبررات ضعف دخل الطبيب التابع للقطاع العام. وبين عالمي القطاع العام والقطاع الخاص في الطب، عالم خفي يشي بأن في المهنة النبيلة شيئاً ما لا يسير ربما كما ينبغي. علاقات الأطباء والمرضى تختلف، وتتخذ العلاقة الإنسانية بالأساس أبعاداً متنافرة في ما بين العالمين، وهذا الجانب هو أشد ما يسم هذا الاختلاف. يندفع المريض نحو طبيبه شاعراً بالحاجة إلى الحصول على الطمأنينة والأمان والمودة، والعلاج طبعاً، حاملاً ألمه وهواجسه، تابعاً تبعية تامة لمعالجه، سلبياً، خانعاً، في حالة انتظار وترقب. وفي مقابله، يقف الطبيب على مسافة، في علاقة غير متكافئة، فهو يملك المعرفة، وبيده أدوات العلاج، وبإمكانه الاستجابة لتوقعات مريضه المختلفة، ولكنه قد يحصرها في مجال التواصل الحيوي بينهما، وهو الجسد المعتل، متجاهلاً بقية المتطلبات، وهذه في الغالب سمة العلاقة بينهما حينما تجمعهما المؤسسة الطبية العمومية، ولا يكون بينهما رابط مادي مباشر. يعلل أطباء القطاع العام تراجع النبض الإنساني في هذه العلاقة مع المرضى بشروط العمل القاهرة، فهم يستقبلون أعداداً كبيرة من المرضى، من مختلف الشرائح الاجتماعية، وعلى رأسها شريحة معدمة تبحث عن المجانية ، قبل العلاج، ويصعب التواصل معها. غير أن أطباء القطاع الخاص قد لا يعتبرون أنفسهم محظوظين مادياً، ويتمتعون بعلاقات إنسانية أعمق مع مرضاهم، فضغط سلطة المال في هذه العلاقة يزعجهم، لأن المريض الذي يدفع مقابل استشارة طبية يكون أقل خنوعاً وأكثر تطلباً، وعدم رضاه عن الخدمة الطبية المقدمة له، يمكن أن يشرّع أبواب الإفلاس على الطبيب، ويسيء الى سمعته. ليس من تعارض بين أداء الطبيب مهمته في تقديم العلاج الممكن للمريض، وبين أداء هذا الأخير ثمن الخدمة المقدمة إليه، ففي نهاية المطاف، الحفاظ على الصحة والحياة لا يقدران بثمن، والمنفعة متبادلة بين الطرفين، لكن العلاقة المادية بين طرفي العملية العلاجية ظلت دائماً مشوبة باللبس، وتفاقم هذا اللبس في وقتنا الراهن المسكون بقيم المادية.