أثرى الفنان السوري صباح فخري ساحة الغناء العربي الأصيل بفنه الذي سيظل زاداً لإسعاد الأجيال القادمة من عشاق الطرب الراقي. غنى في البلاد العربية كافة ومعظم دول المهجر ما عدا اليابان والصين. كُرّم ونال أعلى الأوسمة والجوائز. ومن يتابع مسيرته يعرف مدى قدرته على الغناء لساعات وساعات متنقلاً بين أغنية وموشح من دون توقف."الحياة"التقت صباح فخري وسألته عن سرّ الرقم القياسي العالمي الذي حقّقه في الغناء المتواصل على المسرح، لمدة تجاوزت العشر ساعات في العام 1968 في كراكاس في فنزويلا، وبمَ يشعر عندما يغني فيأخذه الطرب إلى الرقص؟ يقول فخري:"أشعر بأنني في أحسن حالاتي. وأجمل لحظات حياتي هي عندما أكون على المسرح أمام جمهوري الذي أحبه وأعمل لأجله وأقدم له كل جميل من ثقافة وفن". أما الرقم العالمي، فيعتبره شيئاً عادياً،"لأنني في كثير من حفلاتي في حلب أقف على المسرح في العاشرة مساء واستمر حتى الثانية عشرة ظهراً. فذلك مقدرة وعطاء من الله، لكن السرّ يكمن في استمرار الجمهور في الإصغاء إليك من دون أن يتركك أو يمل منك". ويرى فخري أن الرقص حالة تعبّر عن داخل الانسان:"عندما ترقص الروح يتحرك البدن تعبيراً عن رقصة الروح، وهذا هو الرقص الروحي، الرقص الصوفي رقصة السماح عندما تعيش حالة رقي بلا إسفاف أو تحريك للغرائز ... انه رقص قديم يجري في حلقات الذكر، وتعلمناه من استاذنا عمر البطش، وهو تعلمه من اساتذته". لكن شتان بين هذا النوع من الرقص وبين مشاهد الرقص الهزلية التي ترافق فناني اليوم وما صارت عليه حالة"الطرب"العربي. ويحذّر فخري من أن الطرب في خطر، وليس وحده"الحياة كلها صارت في خطر، وأي شيء فيها معدّ للسرقة إذا لم تحمه، والطرب الاصيل والتراث العربي في خطر اذا لم نحمه، وحمايته تكون بالحفاظ عليه كقيمة ذات شكل ومضمون". وشدّد فخري على أن"الطرب من جذورنا العريقة وكنوزنا الغالية ويجب علينا احترامه مثلما نحترم ابوينا، واذا لم نحترم تراثنا فلا هوية لنا". وتحدّث عن وجوب حراسة التراث من السرقة، مؤكداً أن"هناك مافيا عالمية كبيرة تقوم حالياً بسرقة التراث وتسجيله باسمها وخصوصاً في اليونسكو. لكن التاريخ معروف، ويوجد شيء قبل اليونسكو، الفارابي، وابن سينا، وغيرهما عندما كان هؤلاء اين كانت اليونسكو...". وأضاف:"علينا أيضاً ان نعرّف العالم بتراثنا، وأنا لست ضد ان يغنى تراثنا وموسيقانا، ولا اعتبر ذلك سرقة. وإنما يجب ان تعيش جميع الأمم تراثنا لأنه مخزون من كنوز مادية ومعنوية وخفايا وأسرار روحية كبيرة. انه حضارة والموسيقى لغة الكون، ولولا الموسيقى لسكن الكون وأصبح جماداً بلا حياة". أما لماذا يركز صباح فخري في اغانيه على التراث؟ فيقول:"أنا ارتكز على تراث عريق جداً، لأنه ذو قيمة كبيرة. والاهم من ذلك ان له رسالة انسانية. وأريد تعميم هذه الرسالة على جميع الامم، وأترجم هذه الموسيقى بلغتي، مثل بقية اللغات، فنحن لنا هوية"... وفي ما يتعلّق بآخر أعماله الفنية، أعلن فخري أنه سيفتتح في الفترة المقبلة معهداً غنائياً خاصاً في مدينة حلب، مشيراً إلى أنه الوحيد في العالم العربي المتخصّص بتعليم الغناء منذ أيام زرياب. كما سيصدر قريباً كتاباً يتضمن كل ما غناه ولحنه صباح فخري. وبالنسبة الى فخري، فإن التكريم"محرض على الاستمرار وتقديم الأفضل للآخرين، كما انه بمثابة ثقل على كاهلي لإعطاء المزيد". ويعتزّ الفنان السوري بتكريمه من جانب رئيس جمهورية بلاده بشار الأسد، فقد"كبرني وكبُر". العالم عرف هذا الرجل كم هو حضاري وكم هو بعيد النظر، على رغم ظروفه السياسية الصعبة. لكن ما حقيقة تفتيش فخري لجوازت سفر الحضور في احدى حفلاته في الاردن عند علمه بوجود اسرائيليين ضمن الجمهور؟ يصرّح فخري:"لا أغني لهم ولا يشرفني حضورهم. وهنا يجب التمييز بين اليهود والصهاينة، فاليهود كانوا يعيشون معنا في حلب كأسرة واحدة في وطن واحد، ودخل التطرف الصهيوني وفرقنا، ونحن لسنا ضد اليهود ولسنا ضد اي شعب آخر، وقرآننا وديننا يدعوان الى التسامح والمحبة بين الجميع". وانتقد بشدّة السياستين الأميركية والاسرائيلية في المنطقة، مشيراً إلى أن أبناء جيله يعانون من جرح عميق كونهم عايشوا النكبة من أولها،"تابعناها يوماً بيوم مثل ولد تربيه وكبر أمامك وأنت تراه مريضاً أمام عينيك ومرضه يتفاقم". وذكّر فخري بأنه قدّم للقضية الفلسطينية أغنيات مثل"حي على الجهاد"في العام 1967، وپ"حكاية شهيد"للشاعر الفلسطيني عبدالرحيم محمود، وغيرهما من الأغاني التي صدرت في العام 1947 مثل"مرحب مرحب بالعربان.. اللي تحارب بالميدان"، و"يا حماة الحمى". وهي"أغنيات أحدثت ضجة في الوسط الفني، إلى درجة جعلت اسرائيل تجمع الأشرطة التي سجّلت عليها هذه الأغنيات وغيرها، لفنانين عرب مثل اللبناني مارسيل خليفة وأشرطة تتحدث عن فلسطين. لا يريدون اي شيء يذكّر بذلك...". لا يعارض صباح فخري فكرة تصوير أغنياته على طريقة الفيديو كليب. إنما يقف موقفاً جاداً"ضد الخلاعة في الفيديو وضد ما يسيء الى الأخلاق". ويشرح:"أنا أغني ولكن لست بحاجة الى ثلاثين صبية كي اختبئ خلفهن، فهذا شيء معيب. الآن نحن نرى مشاهد جديدة وفساتين جديدة، ولا نرى أغاني ولا نسمع ألحاناً. لذلك علينا التمييز بين فن الاستماع وفن المشاهدة". وعلى عكس ما يظنّ البعض، فقد رحّب فخري بتصوير فيديو كليب، شرط أن"يقدم الصورة التي تمثل اللحن والكلمة، ويعمق خطي ويخدم قضيتي. فبذلك تتحقق عناصر الأغنية الناجحة المتمثّلة باللحن والكلمة والأداء والصورة".