بصراحة، أصبح بريد القراء سبباً آخر لزيادة قلقي على حاضر الأمة ومستقبلها، واعترف بأنني قلق بطبيعتي، الا ان بعض البريد يعكس نفساً طائفياً، بدأ بعد احتلال العراق، وزاد مع كل سنة تالية. بعض القراء يلتزم طائفته الى درجة أن يبعث إليّ بأربع رسائل في أسبوع واحد، وهناك غيره ورسالة كل أسبوع موضوعها الانتصار لطائفته ضد الطائفة الأخرى. والقراء هؤلاء لا يرون أن أمل حياة أعداء العرب والمسلمين هو أن يقتتل المسلمون السنّة والشيعة لترتاح اسرائيل وكل عدو آخر من عناء مواجهتهم. ليس الغرض هنا التشهير، بل التحذير، لذلك لن أذكر أسماء فالقراء أصحاب الرسائل يعرفون أنفسهم، وكل الرسائل محفوظ عندي لمن يشاء أن يدرسها، فقد قلت مرة وأقول اليوم ان بريد القراء استطلاع للرأي العام العربي في دقة أي استطلاع يجريه مركز بحث أو أدق، لأنه يشمل عدداً أكبر كثيراً من المشاركين بحكم انتشار الجريدة. أحد القراء قال إنني أؤيد سياسات حزب الله وايران ولي أجندة ضد المملكة العربية السعودية، وهو اتهم حزب الله في رسالة ثانية بخطف جنوبلبنان لحساب ايران، وكرر مثل هذا الرأي في رسائل أخرى، وتبعه قارئ قال انني أدافع عن النظام الإيراني وهو سبب المصائب في العراقولبنان. وأمامي بضع عشرة رسالة أخرى بالمعنى نفسه. وطبعاً هناك في مقابل هؤلاء قراء يقولون انني ضد حكومة نوري المالكي لأنني ضد الشيعة، وما هجومي على ادارة بوش والمحافظين الجدد سوى غطاء. لا أراجع رسائل القراء لأدافع عن نفسي، فأنا لا أحتاج ولن أفعل، وانما للتحذير من الانزلاق في طريق تشنج طائفي لا يفيد سوى الأعداء. بأوضح عبارة ممكنة، أنا لا أدافع عن أي طرف، وانما أهاجم الطرف الآخر، ولم أذكر يوماً الدول العربية إلا وقلت انها جميعاً غير ديموقراطية، ومن دون حكم قانون، أو محاسبة أو حقوق امرأة. وهكذا فعندما أتحدث عن حزب الله لا أدافع عنه وانما أهاجم اسرائيل، وعندما أتحدث عن ايران لا أدافع عنها وانما انتقد السياسة الأميركية إزاءها. اسرائيل شنت حرباً على لبنان كله لأن حزب الله خطف جنديين، وهناك 11 ألف أسير في سجونها، أكثرهم من دون محاكمة، ولا ترى في تدمير حياتهم سبباً ليهاجمها أحد، أما ايران فإنني أحتكم الى القراء الذين بعثوا اليّ رسائل تهاجمها، فالموضوع هو أن سياسة ادارة بوش الرسمية المعلنة هي تغيير النظام في ايران، ثم تطالب هذا النظام الذي تريد تغييره، أي تدميره، أن يساعدها في العراق، هل هذا منطق؟ هل هو ممكن؟ أنا كتبت عن أطماع فارسية قديمة في الخليج غير ان القراء الذين يعارضون ايران تجاوزوا رأيي هذا، ثم تجاوزوا سياسية أميركا المستحيلة ليخلصوا الى رأيهم القائم في حزب الله وايران. كانت هناك رسائل أخرى زادت على ما كتبت، من دون تطرف أو تشنج، والقارئ حسن يسأل عن تسلح دول الخليج، وهل يحق لدول الخليج استخدامها؟ وماذا عن دور سورية وحزب الله في حال ضربت أميركا ايران؟ هو يطلب جواباً، ولا أعرف دور سورية، إلا أنني أغامر بالقول ان حزب الله سيضرب اسرائيل، سواء هاجمت أميركا، أو اسرائيل، ايران. القارئ وسيم سعد الدين يقول ان من حق أميركا وايران السعي لحماية مصالحهما واللوم هو على السياسيين العرب الذين لا يحمون مصالح بلادهم، والقارئ ماجد علي حمدان يحذرني من ترديد التهمة الأميركية عن علاقة ايران بالقاعدة، ويقول ان الاتهام الأميركي كذب ودجل وخداع. أما القارئ ابراهيم اسماعيل فيطلب مني التوقف عن ترديد فكرة ان ايران تسعى للحصول على سلاح نووي، ويذكرنا جميعاً بكذب ادارة بوش وهي تتحدث عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، ويؤكد ان ايران لن تتعاون مع الولاياتالمتحدة ضد الدول العربية. وبالمقابل فالقارئ سامر كحيل يعتقد بأنني محق في سعي ايران لامتلاك سلاح نووي، الا انه يحذر الدول العربية من الوقوع في فخ الولاياتالمتحدة واسرائيل وما تدبران للمنطقة، ويكاد القارئ أحمد الفتامي يكرر الفكرة نفسها وهو يحذر من الوقوع في فخ الولاياتالمتحدة واسرائيل، ويوافقني الرأي أن دول الخليج ستدفع ثمن مواجهة أميركية ? ايرانية. أستطيع أن أقول ان غالبية كبرى من القراء اتفقت معي على موضوعين، الأول اصراري على ان مؤتمراً جديداً عن الشرق الأوسط في الخريف سيفشل، لأن جورج بوش الابن فاشل، والثاني خوفي من أن تستعمل الولاياتالمتحدة صفقة السلاح مع دول الخليج للإيقاع بينها وبين ايران. والاستطلاع غير المقصود للرأي العام العربي عبر بريد القراء يظهر اهتماماً هائلاً بالوضع الفلسطيني، فمع انني كتبت قبل أكثر من شهر أن أبناء القضية أنجح من تآمر عليها، فإنني لا أزال أتلقى بريداً عن الموضوع، هو أيضاً مقسوم بين أنصار حماس وأنصار فتح، وأنصار الأولى أكثر. القراء رأوا مثلي ان حكومة رجب طيب أردوغان هي أفضل حكومة تركية للعرب، ولا مفاجأة في ذلك، غير أنني فوجئت بحجم اهتمام القراء بالإفراج عن الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني، وفوجئت أكثر بوجود تأييد لموقف العقيد القذافي عبّر عنه بشكل جيد قراء تجاوزوا الابتزاز في الموقف الرسمي الليبي ليؤيدوا النتيجة، فرأيهم ان العقيد عامل الغربيين كما اعتادوا أن يعاملونا.