تستعد شركات الطيران العاملة في دولة الإمارات العربية المتحدة لنقل مئات الآلاف من العمال المخالفين لقانون الإقامة الى بلادهم، مع اقتراب انتهاء المهلة التي منحتها لهم الحكومة الاتحادية، خصوصاً ان الدولة تعاني خللاً كبيراً في تركيبتها السكانية. وتفاقمت هذه المشكلة في الأعوام الأخيرة، مع تدفق العمال الأجانب إليها، على خلفية الطفرة العمرانية الهائلة التي يشهدها البلد، حيث تشكل الجالية الآسيوية فيه اكثر من 60 في المئة من عدد السكان المقيمين، يضاف إليهم الوافدون من دول جنوب شرقي آسيا والإيرانيون والعرب والغربيون، ما زاد المخاوف من تعميق مشكلة التركيبة السكانية. ويواجه الإماراتيون هاجس نمو أعداد الوافدين، لا سيما أن مواطنين كثراً يجدون صعوبة في الحصول على عمل. ويخشى بعض المسؤولين في الدولة ان تتعمق مشكلة التركيبة السكانية اكثر إذا استمر تدفق العمال الأجانب. وعبّر أحد المسؤولين عن تخوفه من احتمال"ألا يشكل المواطنون في الإمارات السبع أكثر من 2 في المئة من السكان عام 2025". واكتشفت الإمارات، التي لا يتجاوز عدد مواطنيها الأصليين 10 في المئة من إجمالي عدد السكان المقيمين، ان نحو 600 ألف عامل يعيشون فيها في شكل غير شرعي، غالبيتهم من الجالية الآسيوية، فمنحتهم في حزيران يونيو الماضي، مهلة للمغادرة تنتهي مطلع الشهر المقبل. وأكد متحدث باسم"طيران الإمارات"في حديث الى"الحياة"، ان الناقلة الإماراتية تقدم أسعاراً مخفضة تصل الى 55 في المئة من ثمن التذكرة، للعمال الذين تشملهم المهلة، المسافرين الى الهند وباكستان وبنغلادش. كذلك عرضت شركة الطيران الهندية حسومات على تذاكر المغادرين الى الهند. ويأمل المسؤولون الإماراتيون ان تخفف هذه الخطوة من ازمة التركيبة السكانية التي يعاني منها البلد منذ الطفرة الاقتصادية الشاملة قبل ثلاثة عقود، خصوصاً انها جاءت ضمن إطار حملة شاملة تقوم بها السلطات الاماراتية لتقليص المشكلة، فألّفت في تموز يوليو الماضي"لجنة وطنية"، تتولى مسؤولية رسم الخطط ووضع السياسات والاستراتيجيات السكانية لدولة الإمارات"بما يتوافق مع المصلحة والثوابت الوطنية ومع مراعاة متطلبات التنمية والتطوير خلال المرحلة المقبلة". وتأخذ اللجنة على عاتقها، رفع نسبة المواطنين العاملين في القطاعين العام والخاص، وتبحث عن منظومة جديدة تساهم في تقديم التوصيات واقتراح المبادرات التي تساهم في تحقيق أهداف استراتيجية الحكومة على الوجه الأمثل. وكان نائب رئيس الدولة رئيس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تحدث عن الخلل في التركيبة السكانية، مشيراً الى أن الحل لن يكون سريعاً"لكنه يسير على خطين متوازيين، أولهما دخول مزيد من المواطنين إلى سوق العمل، وهذا يتحقق سنة بعد أخرى، وسيدخل سوق العمل خلال السنوات العشر المقبلة حوالى 400 ألف مواطن، أما الخط الثاني فهو المضي قدماً في عملية إعادة هيكلة الاقتصاد". وتتضمن استراتيجية الامارات مجموعة من الاقتراحات والآليات العملية التي من شأنها التأثير إيجاباً في التركيبة السكانية، من ضمنها"تقليص اليد العاملة الهامشية ومعالجة ظاهرة العمال المخالفين". وركزت على"رفع مستوى التوطين، والتركيز على اليد العاملة الماهرة من الوافدين، التي تساهم في تعزيز قواعد الاقتصاد المعرفي في الدولة". ويخشى المسؤولون قيام العمال الأجانب، خصوصاً الذين أمضوا عشرات السنين في البلد، في إطار العولمة، بالمطالبة بحق الجنسية والتعليم والصحة، أسوة بما يحدث في الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حيث يعامل الأجنبي معاملة المواطن تماماً في كل الحقوق، طالما يملك تصريح عمل نظامياً، بما في ذلك المشاركة في الانتخابات البلدية. واتجهت الحكومة الإماراتية في السنوات الأخيرة الى منح الجنسية لبعض المقيمين العرب، وهي ترمي بكل ثقلها حالياً لإيجاد وظائف لعشرات الآلاف من المواطنين العاطلين من العمل، ملوِّحة بالعصا حيناً وبالجزرة أحياناً، لدفع القطاع الخاص، الذي يسيطر عليه الاجانب، الى زيادة نسبة المواطنين فيه. وتسلط الضوء على المصارف وشركات التأمين، على اعتبار انها اكثر قدرة على استيعاب أعداد كبيرة من الخريجين المواطنين، بعد سلسلة التوسعات الكبيرة التي شهدتها هذه القطاعات بدعم من الحكومة التي ترى أن على هذه المؤسسات رد الجميل لها. وتسعى الإمارات الآن الى تنفيذ قرار اتحادي اتخذ في 1996 يلزم قطاع المصارف زيادة عدد المواطنين العاملين بنسبة أربعة في المئة سنوياً، واثنين في المئة في قطاع التأمين. لكنها اكتشفت كل عام ان القطاع الخاص يختلق الاسباب للتهرب من تطبيق هذه"الكوتا". والعصا التي تلوح بها ولو لم تستعملها بعد، هي في يد وزارة العمل الاتحادية والمصرف المركزي، اللذين هددا مراراً باللجوء الى تطبيق سياسة عدم منح التأشيرات وفتح فروع جديدة للمؤسسات المقصرة في تطبيق هذه النسبة.