استهل الرئيس الأميركي جورج بوش مبادرته بشأن استئناف عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل بالقول "ان العراق ليس وحده المسألة المحورية في الشرق الأوسط". ان تكون القضية الفلسطينية كما وصفها الرئيس فهذا ليس خبراً جديداً علينا، لكنه بالتأكيد جديد على الأوساط السياسية في أميركا وخارجها التي تعاملت مع رفض الإدارة الأميركية لهذه الحقيقة على مدى السنوات الأربع الماضية. فمع بداية الغزو الأميركي للعراق أصيبت هذه الإدارة بحساسية مفرطة تجاه حقيقة ان"القضية الفلسطينية هي محور الصراع في منطقة الشرق الأوسط"، إلى درجة أن السياسة الخارجية للبيت الأبيض أصبحت تتعامل مع كل قائل بمحورية القضية الفلسطينية بأنه يسوغ الإرهاب في أحسن الأحوال، وحاولت خلال الفترة الماضية خلق قناعة بأن ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين أزمة حدود. لكنها اليوم تعترف بأن القضية الفلسطينية هي مفتاح الحل لأزمات المنطقة، فما الذي حدث؟ وهل يمكن النظر الى استهلال الرئيس الأميركي باعتباره محاولة لتحسين سمعته وتنفيذ وعده بالدولتين قبل رحيله؟ الصحوة الأميركية الجديدة فسرها بعضهم بأنها مجرد توظيف إعلامي لتحسين صورة الإدارة وتحويل الاهتمام عن ورطتها في العراق وإشغال الرأي العام الأميركي والدولي بالقضية الفلسطينية لبعض الوقت، وآخر نظر إلى التوجه الأميركي"الجديد"بأولوية ومركزية الصراع العربي - الإسرائيلي بأنه عرض جدي هدفه تهيئة الظروف الأمنية في المنطقة، وتحسين فرص صانع القرار في السياسة الأميركية لاتخاذ موقف من قضايا إعادة انتشار القوات الأميركية في العراق أو انسحابها، وتقسيم العراق، وثالث نظر إلى استهلال الرئيس الأميركي كاستجابة للمطالبة المتكررة من دول الاعتدال العربي بضرورة تحريك عملية السلام، فجاءت الاستجابة في هذا الوقت بالذات بسبب حاجة الإدارة لمساعدة هذه الدول على تحسين الوضع في العراق، خصوصاً ان تعاون دول الاعتدال العربي في دعم العملية السياسية في العراق أصابه فتور مقصود في الفترة الأخيرة لأسباب عديدة أهمها رفض واشنطن الاعتراف بأن ما يجري في العراق احتلال، وكما قال سياسي خليجي رفيع"أميركا تحتل العراق وتتصرف كدولة منقذة، ليتها تواجه الحقيقة، وتتصرف بطريقة امبريالية مكشوفة، ولو فعلت فربما تغير الأمر لمصلحة الجميع، فالسياسة الدولية لديها آليات محسومة للتعامل مع الاحتلال"، فضلاً عن ان دول الاعتدال تعتقد ان الإدارة الأميركية في العراق سمحت بتنامي التدخل الإيراني في الحياة السياسية والاجتماعية للعراقيين. لاشك في ان التصريحات الإسرائيلية، التي سبقت ورافقت زيارة ممثل اللجنة الرباعية الدولية في الشرق الأوسط توني بلير، كشفت الى حد بعيد أهداف مؤتمر السلام ومبادرة بوش لتحريك المفاوضات، فنقلت صحيفة"هآرتس"الإسرائيلية حرص الدولة العبرية على"ان لا يحيد بلير عن التفويض الرسمي الممنوح له المتمثل في بناء مؤسسات السلطة"، ما يعني ان ما قيل من تفسيرات وتحليلات عن المبادرة الأميركية ليست هي المقصودة، حتى وان تحقق بعضها، فمن الواضح ان المبادرة الجديدة ليست بمعزل عن الوضع الفلسطيني الداخلي، فهي ستسعى الى تكريس تجاهل حركة"حماس"، وتدويل الخلافات الفلسطينية، والتعامل مع تحركات"حماس"بصفتها جزءاً من الاعمال الإرهابية في المنطقة، واتخاذ إجراءات اقتصادية وسياسية بغطاء دولي ضد المنتمين للحركة، فإذا سار المؤتمر بهذا التوجه، فإن الشعب الفلسطيني سيكون بانتظار عقوبات أشدّ وأقسى من تلك التي واجهها الشعب العراقي قبل الغزو، فضلاً عن أن هذا التوجه سيخلق أوضاعاً سياسية تزيد من العنف، وربما دخلت الأراضي الفلسطينية في حرب أهلية طاحنة، تفضي في النهاية الى معاودة تشكيل أو إخراج ما يسمى ب"عملية السلام"وحسم مسألة ضمها لاستراتيجية ما يسمى"الحرب الأميركية على الإرهاب"، ولهذا فإن على الدول العربية ان تتريث، وتسارع الى حل الإشكالات الفلسطينية - الفلسطينية قبل الدخول في أي تحرك نحو مفاوضات السلام. فالدخول الى هذا المؤتمر بنصف الشرعية الفلسطينية، يتنافى مع استراتيجية توحيد تمثيل الشعب الفلسطيني التي تقرها الجامعة العربية، ناهيك عن ان التماهي مع تجاهل حركة"حماس"وما تمثله على الأرض يسوغ"عرقنة"الأراضي الفلسطينية، فالصورة، كما تعكسها التصريحات الأميركية، ان ثمة سلطة شرعية، وأخرى تدعم الإرهاب وخارجة على القانون، وهذا تفسير كاذب، وتحيز فج، رغم كل المآخذ على حركة"حماس"ورعونة تصرفاتها، فما جرى لا يختلف كثيراً عما شهدته دول مثل أوكرانيا وتركيا وغيرهما، ويمكن حله بقوانين اللعبة ذاتها، بعيداً عن تدويل الأزمات الداخلية، التي ستبدأ في فلسطين، لكن لا أحد يدري أين تنتهي.