في 24 حزيران يونيو 2002 اتخذ الرئيس جورج بوش قراراً بتعديل سياسة الولاياتالمتحدة في الشرق الأوسط. بموجب هذا التعديل لم يعد الاعتراف بالقرار 242 وحق اسرائيل بالوجود كافياً لحصول الفلسطينيين على دعم واشنطن لتحقيق مطالبهم العادلة. أصبح المقياس هل هم فاسدون أم ديموقراطيون؟ هل هم خاضعون للإرهاب ويمارسونه أم مسالمون؟ مدير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، روبرت ساتلوف. منذ ذلك التاريخ استبدلت الإدارة الأميركية السياسة بالايديولوجيا المؤمنة بأساطير التوراة. بدأ عزل عرفات حتى الموت. أصبح شارون "رجل سلام". اطلقت يده لإخضاع "الإرهاب" وايجاد شريك فلسطيني يتفاوض معه. بقي الشريك غائباً على رغم انتخاب محمود عباس رئيساً. سقط شارون في الكوما، بعدما قتل "خريطة الطريق". وحوّل الرباعية الى شاهد زور على معاناة الفلسطينيين. بعد خمس سنوات، وما رافقها من حروب، وبعد احتلال العراق وتجربته الديموقراطية جداً، وبعد خروج الجيش السوري من لبنان، وتراجع وصاية دمشق لمصلحة الوصاية الأميركية... بعد كل هذا عاد البيت الأبيض الى الاهتمام بالمسألة الفلسطينية، من خلال دعم اعتدال عباس في مواجهة تطرف"حماس". وتفعيل دور الرباعية. وقع الاختيار على توني بلير، موفداً دولياً الى الشرق الأوسط، لأنه، على ما يقول بوش، صاحب رؤى نافذة:"عملنا معاً في زمن الحرب وتحلى كل منا بالتصميم على النجاح ووقفنا معاً في الخندق ذاته". من حق بعض العرب أن يشكَ بنيات بلير. الرجل كان متحمساً للحرب على العراق، كأنه أميركي من المحافظين الجدد. شارك في ترويج الأكاذيب عن امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل. أكد لمجلس العموم أن باستطاعة صدام شن هجوم كيماوي خلال 45 دقيقة. ترك منصبه على أصوات المتظاهرين ضد سياسته. لم يعتذر عن الحرب. لم يلتفت الى العراقيين. لم تحركه الدماء الغزيرة في بلاد الرافدين. قال إن ما جرى ويجري يستحق المعاناة"يكفي التخلص من صدام حسين". لم ير الى تحول بغداد قاعدة للإرهاب، تصدره من المغرب الى لبنان الذي يكاد يتحول الى مركز جديد ل"القاعدة"بعدما صنفته في موقع المساند. في بداية غزو العراق حاول اقناع العرب بأن واشنطن ولندن ستسعيان الى تسوية عادلة لقضية الشرق الأوسط، مقابل وقوفهم الى جانب الحرب. لم يقل الحقيقة عن الأسلحة العراقية. وفشل في اقناع بوش بالتحرك فلسطينياً. ثم وقف بحزم ضد أي دعوة لوقف الاعتداء الاسرائيلي على لبنان في تموز يوليو الماضي. بحجة ساقطة أن من حق الدولة العبرية الدفاع عن نفسها. من حق بعض العرب أن يشكّ بنيات بلير فالرجل مؤمن، مثل بوش تماماً، ونكاد نقول مثل ابن لادن أيضاً، لأن الأيديولوجيا تتحكم بسلوكه السياسي. تتيح له اصدار فتاوى بالقتل وحق الاسرائيليين ب"أرض الميعاد"، خصوصاً أن بوش حصر مهمته في"مساعدة الفلسطينيين في بناء مؤسساتهم"وإدارة شؤونهم، أي تحضيرهم تمهيداً لدخولهم جنة الدولة. أما المفاوضات والمبادرات السياسية فمن اختصاص رايس وحدها. حقق بلير المؤمن حلمه بالإقامة في الأراضي المقدسة وسيطلق مؤسسة ل"الحوار بين الديانات ولاظهار أن الايمان حاضر في عالمنا وجزء من تقاليدنا"، على ما قال بعد تنحيه، فهل يستطيع بايمانه نفخ الروح في الرباعية؟ هل يستطيع اقناع بوش بالعدول عن سياسته التي اعتمدها عام 2004 أم هو رسول بوش الى الشرق لتحقيق ما جاء في الكتب؟