يكاد لا يخفى على أحد أن الصراع العربي - الإسرائيلي المستمر بلا حل استحال خطراً جسيماً يحدق بالسلم والأمن الدوليين بما نشره من بغضاء وإرهاب وموت على نطاق عالمي. وفي حين باتت فضيحة دارفور الإنسانية أخيراً تستقطب بعض الانتباه، ما زال القمع الإسرائيلي للفلسطينيين في الأراضي المحتلة مغفلاً بشكل كبير على رغم أنه أكثر خطورة بكثير على رغم النطاق الأضيق للرعب الذي يخلفه، وذلك بسبب المشاعر العنيفة التي يولدها حول العالم. فالصراع أظهر إسرائيل بصورة الجلاد وحولها إلى دولة محصنة قاسية تستمر في سعيها إلى الأمن الصعب المنال إلى ارتكاب جرائم شنيعة كما شاهد العالم في لبنان في الصيف المنصرم وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة في كل يوم من أيام الأسبوع. فأوصال المجتمعين اللبناني والفلسطيني تمزقت وسقط الآلاف بين قتيل وجريح وبلغ مئات الآلاف حد الفقر المدقع وتدهورت العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي وجردت الولاياتالمتحدة من السلطة المعنوية عبر دعمها غير المشروط لإسرائيل في حين اتقدت نار الثأر في صدر كل عربي من المحيط إلى الخليج. وما من مشكلة أكثر إلحاحاً من هذه المشكلة على جدول الأعمال الدولي لكن كيف يمكن حلها؟ لعل الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون هو الرجل الوحيد في العالم القادر على جمع الأطراف إلى طاولة التفاوض. فهو مقبول من الجهتين وله من السلطة الشخصية والخبرة والمعرفة والسحر المقنع ما يكفي لتحقيق نجاح معقول. وعندما كان رئيساً للولايات المتحدة كاد كلينتون في العام 2000 أن يدفع الإسرائيليين والفلسطينيين والسوريين إلى توقيع اتفاقيات سلام في ما بينهم. ولا بد الآن من منحه فرصة ثانية لذلك، ولا بد للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون من تعيينه كبير مفاوضيه للسلام وتكليفه بمهمة مستعجلة تكمن في عقد وترؤس وإدارة مؤتمر يضم الإسرائيليين والفلسطينيين والسوريين وهي مهمة تفوق في أهميتها تلك التي أوكلت إلى وزير الخارجية الأميركي السابق جيمس بيكر في العام 1991 عندما أقنع العرب والإسرائيليين ومن بينهم رئيس الوزراء الإسرائيلي المتردد جداً إسحق شامير بحضور مؤتمر سلام في مدريد. وسيحتاج بيل كلينتون في أي مهمة كهذه الى دعم شديد من الإدارة الأميركية ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية وجزء من الجالية الأميركية اليهودية في أدنى حد. ووحده تضافر الجهود الدولية الراغبة والقادرة على ممارسة ضغط على كلا الجانبين يمكن الأمل معه بتحقيق نتائج. وقد يعترض معترض بالقول إن كلينتون سيكون منهمكاً جداً في الأشهر القادمة في مساعدة زوجته هيلاري في حملتها للوصول إلى الرئاسة. لكن أي نجاح جزئي في عملية السلام ولو اقتصر على مجرد استئنافها سيكون كفيلاً بحصوله على احترام هائل ويظهر الزوجين بيل وهيلاري كلينتون كثنائي قوة فريد من نوعه على الساحة العالمية. وربما من المفيد بمكان أن يتلقى كلينتون مساعدة من رئيس البنك الدولي السابق جيمس ولفنسون ولا يجوز الخلط بينه وبين بول وولفوفيتز المنزوع المصداقية الذي ستكمن مهمته في جمع أموال طائلة من متبرعين دوليين لتمويل التعويضات وإعادة استيطان اللاجئين الفلسطينيين وإزالة المستعمرين الإسرائيليين من الضفة الغربية وإعادة تأهيل الاقتصاد الفلسطيني الممزق. وفي هذه الذكرى الأربعين لانتصار إسرائيل في العام 1967 والذكرى الأربعين لاحتلال الأراضي الفلسطينية والسورية، فقد آن الأوان بالتأكيد لإنهاء الصراع وإعطاء السلام فرصة فهذه هي الضمانة الوحيدة لأمن إسرائيل على المدى الطويل. ومع ذلك يبدو المجتمع الدولي مكبل اليدين بسبب حجم المهمة. أما العرب فأطلقوا من جهتهم مبادرة سلام واسعة النطاق لكنهم لم يدعموها سياسياً أو مالياً كما ينبغي وأجرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس زيارات عدة إلى المنطقة لكنها لم تحقق أي تقدم يذكر. في هذه الأثناء رفضت إسرائيل عرض حركة"حماس"بوقف إطلاق نار ملزم للطرفين في الضفة الغربيةوغزة فهي تستشيط غيظاً من صواريخ القسام المحلية الصنع التي تتحدى الاسرائيليين والتي تستمر في إطلاق النار من سجنها الكبير في غزة على بلدة سديروت القريبة منها ومع ذلك ما زالت تتمسك بحلمها في القضاء على حركة المقاومة الإسلامية بالقوة. وبالفعل تستمر إسرائيل في اعتقال خصومها السياسيين وشن الغارات عليهم واغتيالهم ضاربة عرض الحائط بالقانون الدولي. فرئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية مهدد علناً بالقتل شأنه شأن المسؤول القيادي ل"حماس"في دمشق خالد مشعل. وهذا ما أدلى به وزير الأمن العام الإسرائيلي آفي ديشتر إلى إذاعة الجيش الإسرائيلي بمزحة فظيعة منذ بضعة أيام"أنا مقتنع أننا سنبيده في أول فرصة". أما في لبنان في الصيف الماضي فحاولت إسرائيل أن تمحو بالقصف"حزب الله"عن الوجود لكنها فشلت من غير أن يردعها ما ل"حماس"و"حزب الله"من جذور محلية ضاربة في العمق، ورغم معرفتها بأن أي محاولة جدية للقضاء عليهما ستقتضي قتل الكثيرين من سكان غزة وجنوب لبنان. لقد أصدر مكتب العمل الدولي ومقره جنيف تقريراً قاسياً من 40 صفحة حول وضع المناطق العربية التي تحتلها إسرائيل فهو يظهر أن بين كانون الثاني يناير 2006 ونيسان ابريل 2007 قتل 712 فلسطينياً وجرح 3711 على يد الجيش الإسرائيلي أو المستوطنين الإسرائيليين. وفي الفترة نفسها قتل 29 إسرائيلياً من الجيش والمدنيين وجرح 439 على يد الفلسطينيين. ويصف التقرير بتفصيل تقشعر منه الأبدان تمزق النسيج الاجتماعي والاقتصادي في الحياة الفلسطينية. والأسباب لا تخفى على أحد. فهم يضمنون المقاطعة الدولية الاقتصادية والاجتماعية للحكومة الفلسطينية التي اخترقتها أخيراً النروج وسويسرا والصين وحجز إسرائيل غير القانوني لعائدات الضرائب الفلسطينية التي تتراوح بين 60 و70 مليون دولار شهرياً وما يترتب عليه من عجز الحكومة عن دفع أجور 160 ألف موظف في القطاع العام يعيلون أكثر من مليون نسمة فضلاً عن النظام الإسرائيلي المنتشر والقائم على الإغلاق والسيطرة بما في ذلك نقاط تفتيش وحواجز وبوابات حديدية وتلال رملية وجدران ومعابر وخنادق وحاجز فصل الضفة الغربية. وقد ساهمت الولاياتالمتحدة الأميركية بشكل مباشر في هذه المأساة فالقيود التي فرضتها وزارة المال الاميركية حظرت التعامل أو التبادل المالي مع الحكومة الفلسطينية. وكنتيجة لذلك حتى القطاع المصرفي الفلسطيني تجنب العمل مع الحكومة خوفاً من مقاضاته بموجب قوانين مناهضة الإرهاب الأميركية ما حرم الحكومة من تسهيلات القروض المتاحة سابقاً. وزادت حدة الفقر والبطالة، ففي غزة تقارب البطالة نسبة 35 في المائة ويعيش 88 في المائة من الأسر تحت خط الفقر. وفي الوقت نفسه تستمر المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية بموجب القانون الدولي في التوسع بلا توقف. والآن باتت السيطرة الإسرائيلية التي تتضمن 121 مستوطنة"رسمية"و101 قاعدة غير مرخصة وأراضي محمية ومغلقة ممتدة إلى أكثر من 40 في المائة من الضفة الغربية. ويكتب خوان سومافيا المدير العام لمكتب العمل الدولي في مقدمة تقريره"حالة ازدهار وأمن على جانب وحالة احتلال عسكري وفقر وانعدام أمن على الآخر هي حالة محفوفة بالمخاطر لكلا الجانبين ولا يمكنها أن تدوم". وهو يختم بهذه الكلمات:"أنا أدرك مدى صعوبة التعبير بشكل مناسب في لغة تقرير عن الشعور العميق بالعقاب الجماعي الذي يختزنه الشعب الفلسطيني بشكل مشروع في قلبه. فمرة بعد أخرى تتبادر كلمة"كرامة"إلى الذهن. أولاً بسبب الدوس على كرامة الفلسطينيين بطرق مختلفة ولكن ثانياً بسبب تلك الكرامة التي يواجه بها الأفراد والعائلات والمجتمعات المهانات التي يتعرضون لها يومياً. ويعد هذا التعافي السريع من الجراح مصدر قوة داخلية تمكن الهوية الفلسطينية البعيدة عن الزوال من تغذية الطاقة الجماعية للاستمرار في الاعتقاد بأن سعيهم للحرية في النهاية سيتحقق وسيصبح السلام مع إسرائيل ممكناً". وفي الظروف الراهنة وحده شخص كبيل كلينتون يمكنه تحقيق ذلك. * كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط