تبرز أزمة الطاقة بقوة دائماً في قلب جميع الصراعات الدولية في مناطق عدة من العالم، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الخليج العربي، وهذه الصراعات أدت الى اهتزاز وزعزعة القواعد المستقرة، وكانت دائماً وراء عدم الاستقرار هذا أميركا وحليفتها بريطانيا، وهو ما جعل هذا العالم المتلاطم الأمواج مليئاً بالصراعات والحروب، ولعل أوضح مثال على تحريك الطمع في البترول للازمات احتلال أميركا وحلفائها لأفغانستان، للفوز بموقع استراتيجي يشرف على نفط بحر قزوين. والصراع الشرس على الاستراتيجية والنفط امتد الى العراق، متذرعاً بالإرهاب وأسلحة الدمار الشامل التي أصبحت أكذوبة العصر لتبتلع أميركا ومعها بريطانيا بلاد الرافدين بمحيطها النفطي 115 بليون برميل وموقعها الاستراتيجي في قلب العالم العربي. وباحتلال العراق فإن حلبة الصراع العالمي على النفط تشهد وستشهد معارك جديدة ومن نوع جديد، وهو صراع استخدمت وستستخدم فيه أسلحة جديدة وأساليب تختلف عن أساليب جميع الحروب السابقة، ومع احتلال العراق تدخلت الدول المحتلة في مصيره السياسي والنفطي واحتكرت الشركات النفطية للدول المحتلة، خصوصاً الأميركية عقود النفط في العراق تليها البريطانية، وخرجت الشركات الفرنسية والصينية والروسية مرغمة من ميدان استغلاله واستكشافه في ذلك البلد. خروج روسيا المر من عالم النفط العراقي جعلها تتمسك بعدم شطب ديونها على العراق البالغة 8 بلايين دولار إبان انعقاد المؤتمر الدولي حول العراق الأسبوع الماضي في شرم الشيخ واشترطت لشطب ديونها أو نسبة منها الحصول على نصيب من فتات كعكة المشاريع النفطية في العراق الذي أصبحت ثرواته من البترول نهباً وسلباً على أيدي المحتلين ومتزعمي الفساد من العراقيين. ومن شدة حرص العم سام - الذي جاء غازياً - على النفط فإن أول جهاز تنفيذي أحكمت قواته السيطرة عليه فور سقوط بغداد التاريخي وزارة البترول العراقية وتركت الجهات الأخرى مثل التعليم والجامعات والآثار وحتى الدفاع للنهب والسلب، ولكن على رغم هذا الاحتلال الاميركي الذي تم ضد إرادة العالم جميعاً يمكن القول إن منظمة الدول المصدرة للبترول الأوبك ما زالت تمسك بأوراق اللعبة من حيث الإنتاج والأسعار إذا امتلكت إرادة وحدة الكلمة ولعبت الاوراق لمصلحة دولها وشعوبها، ثم من اجل مصلحة الاقتصاد العالمي، وهو ما يعود إليها خيره أيضاً بطريقة غير مباشرة، ولكن ما هو من شأن هذه المنظمة التي مضى على تأسيسها أكثر من 45 عاماً وسياسة الإنتاج والتسعير التي هي من اخص خصوصياتها تنتقد بين حين وآخر من وكالة الطاقة الدولية التي تساندها الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط، وتقف وراءها شركات النفط العملاقة التي تحمل جنسية الدول الصناعية، المستهلك الرئيسي للنفط والتي تحظى بدعم من تلك الدول. ولا شك ان احتلال العراق وهو عضو في"الأوبك"سيحد كثيراً من قدرته على دعم قرارات تخدم مصالح المنظمة في تدخل أميركا وبريطانيا المباشر في سياسات العراق الداخلية والخارجية، وفي مقدمها النفط، وعلى الجانب الآخر وفي موقع متوسط تقف الدول المنتجة من خارج"الأوبك"تراقب الصراع من منظور المصلحة الخاصة. وقد تدخلت عوامل عدة لاستمرار تحسن أسعار النفط منها ما يتعلق بالعرض والطلب الفعلي الذي يصل الى 85 مليون برميل يومياً لهذا العام، والتوقعات والمضاربات التي أدت الى رفع السعر وبعض المعلومات الصحيحة، بل وكذلك المغلوطة ومنها ما هو نفسي سيكولوجي، فالأسعار تتأثر بدرجة كبيرة بالحالة النفسية لوسطاء النفط، إضافة الى تأثرها بقوة تصريحات المسؤولين عن قطاع النفط، خصوصاً في الدول الرئيسية المنتجة والمصدرة - السعودية والإمارات والكويت وإيران وروسيا وفنزويلا وغيرها - ناهيك عن التزام المنتجين، خصوصا أعضاء"الأوبك"بخفض سقف الإنتاج الذي يتفقون عليه بنسب كبيرة. ومن العوامل المهمة لتحسن أسعار النفط تعاون الدول المنتجة خارج"الأوبك"، التوترات والحروب، التطورات السياسية في بعض الدول والكوارث الطبيعية، إضافة الى اختناقات عمليات التكرير في بعض المصافي التي تعد احد الأسباب المهمة لارتفاع الأسعار، وذلك لتدني سعة مصافي التكرير على المستوى الدولي بخاصة في الولاياتالمتحدة، اكبر مستهلك للنفط 25 في المئة من إجمالي الاستهلاك العالمي. هذا، على رغم إعلان وزير الطاقة الأميركي الاثنين الماضي أن معدل استغلال الطاقة في مصافي النفط الأميركية يبلغ حالياً 89 في المئة، وينتظر ان يزيد على 90 في المئة مع مطلع الصيف المقبل، وعدم التوسع في الاستثمار في بناء المصافي في بعض الدول، إما لصعوبة الحصول على التراخيص لمصاف جديدة كما في ولاية كاليفورنيا الأميركية لحماية البيئة أو لكبر حجم الاستثمارات في المصافي، أو لعدم توافر قطع الغيار كما في ايران، فهي على رغم أنها دولة كبيرة في إنتاج النفط إلا أنها تستورد حوالي 150 الف برميل يومياً من البنزين المكرر لسد حاجتها المحلية لعدم حصولها على قطع الغيار بسبب الحصار المضروب عليها، وهو ما أدى الى تدني مستوى أداء المصافي فيها. ولا شك ان الحرب على العراق واحتلاله يتصدران العوامل الرئيسية كأهم عامل في دفع عجلة الأسعار الى أعلى، فقبل اندلاع الحرب في آذار مارس 2003 كان الإنتاج على رغم الحصار أكثر من مليوني برميل يومياً طبقاً لبيانات وكالة الطاقة الدولية آنذاك، وبعد الاحتلال عاود العراق إنتاجه النفطي، ولكن بمستويات متدنية بسبب الحرب والاحتلال وتدمير بعض المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب بين موانئ التصدير في الشمال والجنوب الى جانب ازدياد الأوضاع الأمنية في العراق سوءاً، كل ذلك أدى الى انخفاض الإنتاج العراقي عام 2003 الى 1.33 مليون برميل يومياً، وعلى رغم انه زاد في عام 2004 الى 1.99 مليون برميل يومياً، واستمر يدور حول هذا الرقم عامي 2005 و2006 إلا انه يظل اقل من المعدل المعروف لإنتاج العراق. ومع نشوب الحرب الأهلية واستمرار الاحتلال والفلتان الأمني، والمزيد من التدهور والتأزم وتنامي النزاعات الطائفية بين أهل البلد الواحد وتفكك وحدته فإن أوضاع النفط العراقي على كف عفريت، ويزيد في تصاعد الأسعار الصراع العربي - الإسرائيلي واستمرار احتلال الأراضي العربية وتردي الأوضاع في الأراضي الفلسطينيةالمحتلة واستمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين بدعم أميركي غير مبرر، فقضية فلسطين تترك بصماتها على الاستقرار في الشرق الأوسط وعلى أسعار النفط. وقد يبدو للوهلة الأولى ان الحروب والصراعات الكارثية ترفع أسعار النفط لمصلحة الدول المنتجة، ولكن الواقع يقول ان أكثر من 80 في المئة من عائداته تذهب الى خزائن الدول الصناعية ويبقى فتاته فقط لأصحاب الثروة الحقيقيين. وقد كسر سعر النفط حاجز 78 دولاراً في آب أغسطس 2006 بسبب العدوان الإسرائيلي الشرير على لبنان، ثم هبطت الأسعار بعد توقف العدوان لتدور بين 60 و66 دولاراً للبرميل، والتي دعم تحسنها الهجوم على خطوط أنابيب نيجيريا، وهي أسعار تعد مرتفعة نسبياً ويمكن وصفها بالملائمة وتبدو مشجعة على الاستثمار في مجال التنقيب والتطوير والاستكشاف، وهذه الأسعار ما زالت مرشحة للتحسن مع توافر عوامل ارتفاعها. * مفكر سعودي - رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية