راجت ظاهرة الاعتذار عالميا في العقدين الاخيرين ودخلت مجال التقاليد الرسمية الدولية، وتحمست لها بعض الاطراف التي تريد ان تنظف ما علق في ماضيها من طحالب. الاعتذار يعني ان الخطأ الذي ارتكب لن يتكرر وان المنتسبين له يشعرون بالندم على متتالياته التي طالت الاخرين بصورة او بأخرى. من هنا يمكن ملاحظة الاعتذار الذي وقعه اخيرا 300 من رجال الدين المسيحي في الغرب على ما ارتكبه اسلافهم من فظائع بحق الشعوب المسلمة في الحروب الصليبية، وما يرتكب في الحاضر من تجاوزات بحجة محاربة الارهاب. وتأتي أهمية الرد الذي تجاوب في الاساس مع دعوة رجال دين مسلمين"على كلمة سواء"، انه قد يهدئ من الصراع الذي تنفخ في ناره جهات متعصبة من الطرفين، بعد ان بات العالم يتفرج على حروب سخيفة بين الاسلام والمسيحية. الاعتذار بادرة طيبة دوما، ولكن لا يجب التوقف عند حدوده اللفظية ونشوة انتزاع الاعتراف من الطرف الاخر، فهذا الامر يحتاج الى ملحقات سلوكية اخرى تعززه، اعني استمرارية الحوار بين اطرافه. مطلوب من 138 عالما مسلما و300 عالم مسيحي ان يثروا الحوار ويعمموا ثقافة التسامح ويؤكدوا على التفاهم بينهم في ظل الظروف التي يمر بها العالم منذ سنوات تحت ضغط الجهاد الاعمى والارهاب وفتح ورشتين للحروب في العراق وافغانستان. بكل المقاييس، يعد الاعتذار سلوكا حضاريا سواء بدر من الافراد او من الجماعات مع التنويه بأن الامر لا يتعلق بأخلاقيات عالية وصحوة ضمير ذاتية، انها ظاهرة مرتبطة ايضا بمطالبات من الضحية لتصحيح الغبن الذي وقع عليها بسبب اخطاء الماضي. واقرب مثل الينا اعلان حزب العمال الفائز بالانتخابات الاسترالية الاخيرة انه يدرس تقديم اعتذار للسكان الاصليين ابوريجينال عما لحق بهم من اذى عندما خطف ابناؤهم في حملة منظمة، وعهد برعايتهم الى عائلات مهاجرة اوروبية الاصل لتتم تنشئتهم على قيم الرجل الابيض. البادرة جاءت ردا على مطالبات طويلة من السكان الاصليين لمساواتهم في الحقوق والرعاية و المطالبة بالاعتذار عن كل ما لحق بهم من غبن جراء سيطرة المهاجرين البيض على بلادهم. وكانت ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية اعتذرت قبل سنوات للسكان الاصليين في نيوزيلندا عن تجريدهم في القرن التاسع عشر من ملكية اراضيهم على يد القوات البريطانية المستعمرة، كذلك اعتذرت عن المجزرة التي ارتكبتها قوات بلادها في الهند عام 1919 ما عرف في حينه ب"مجزرة ارميستار". لكن توني بلير نفسه لم يعتذر، قبل ان يغادر الحكم رسميا كرئيس للورزاء، لملايين الافارقة الذي استعبدوا في العالم بفضل القوات البحرية البريطانية التي نقلتهم الى العالم الجديد في الاميركتين من خلال تجارة بشرية حقيرة، رغم ان هذا العام في بريطانيا هو عام الاحتفال بمرور مائتي سنة على قانون الغاء العبودية. بلير اكتفى بالتعبير عن"اسفه"في موقف لا يبدو انه يخصه وحده، بل هو موقف رسمي تبدى ايضا اثناء زيارة غوردن بروان رئيس الوزراء الحالي قبل سنتين لافريقيا بصفته وزيرا للخزانة آنذاك، حين استبعد في تصريح للاعلام فكرة اعتذار بريطانيا عن تاريخها الاستعماري لان ذلك"بات شيئا من الماضي لا يجب التوقف عنده، وعلينا ان نتحرك الى الامام". وما قصده بالتحرك ترجمه في حينها الى شعار جعل الجوع ماضيا الذي طرحه في اجتماع الدول الثمانية الاكبر في العالم، ورافقت دعوته حفلات غنائية شارك فيها فنانون من انحاء العالم لجمع الاموال لصالح ملايين الجوعى في تلك القارة السمراء. ورغم كل ما قدمته بريطانيا من عروض حسن نية فان ذلك لم يقنع السود بديلا عن الاعتذار الرسمي. لم تخدرهم المعارض والفعاليات التي تعم ارجاء المدن البريطانية حتى آذار مارس المقبل احتفالا بذكرى الغاء العبودية، ولا الاعتذار الذي صدر عن بلديات المدن التي تورطت سابقا في تجارة العبيد او قام اقتصادها على اكتافهم مثل صناعة السكر والقطن. لا يزال السود في بريطانيا ينتظرون اعتذارا على مستوى رسمي اكبر من خلال الملكة او رئيس الوزراء. وكتبت النائبة العمالية السوداء ديانا ابوت مقالا في هذا الشأن انتقدت فيه الموقف الرسمي من الاعتذار، وهي سليلة العبيد الذين استغلوا في ما كان يعرف بجزر الهند الغربية، وحفيدة واحد منهم نجا من الاوبئة والامراض اثناء الرحلة الشاقة الطويلة التي كان يستغرقها السفر بين غرب افريقيا وسواحل الاميركيتين. على اية حال يبدو ان الاعتذار عن الماضي الاستعماري غير وارد عند الدول الاوروبية، فها هو ساركوزي يرد على مطالبات الجزائريين بالاعتذار بضرورة"التصالح مع الذاكرة". حالة عدم الرضا هذه تبين الى الى اي مدى يشكل الاعتذار حجرا فاصلا بين الماضي والحاضر، بين جرم الفعل الاول وتجاوز معاناته، بين موروث الحقد والغضب ونسيان كل ذلك نحو بداية طازجة. ان تكريس الاعتذار كسلوك يومي يجعل الفرد متقبلا لفكرة اعتراف الجماعة بارتكابها اخطاء بحق جماعات اخرى. وعلى الاعلام والادب مسؤولية الشراكة في الترويج لتلك الفكرة، بدل ان تسهم في الترويج للقيم السلبية بركوبها موجة العنجهية القومية والتعصب المذهبي الطائفي التي تحد من مبادرات الاعتذار والاعتراف باي تجاوزات لحقوق الانسان بشتى تجلياتها. نذكر هنا ببادرة الفنان الاميركي الراحل ألن بريدج الذي أسس خطا هاتفيا للاعتراف عام 1980 تحت شعار"مشروع للاعتذار"، وراح يكتب عن هذا الموضوع باسم"مستر ابولوجي"السيد اعتذار. تلقى الخط اعترافات كثيرة لا تخطر على بال، نشر بعضها في المجلة التي تحمل اسم ايضا اسم اعتذار"ابولوجي"، كذلك تمدد المشروع الى موقع على الانترنت يروج لهذا المبدأ. وربما تهم القارئ العربي واحدة من تلك الاعترافات التي أتت من يهودي اميركي عاش في اسرائيل مدة ستة اشهر، فقد اعترف انه قتل ستة اشخاص من العرب في غارة ليلية شاركه فيها ستة من المستوطنين اليهود، تصوراً منه انه بذلك يدافع عن ارض تخصه في مواجهة العرب. ولكنه بعد عودته لاميركا ومراجعته لموقفه، اكتشف ان القتل ليس الطريقة الصحيحة للدفاع عن فكرته"لذا اريد ان اعتذر"قالها واغلق سماعة الهاتف. وهناك من سيقول ان اعتذار ذلك الرجل لن يغير من حقيقة ان من قتلوا لن يعودوا الى الحياة مرة اخرى. نعم، لكنه على الاقل لن يقتل المزيد منهم في المستقبل ومرر لمستمعيه موقفا اكثر تأثيرا من عشرات المقالات. لنتصور ان لدينا خطا هاتفيا عربيا مماثلا الا نحلم ان نسمع اعتذارات العشرات: كل من حرض على الافكار المتطرفة من قادة سياسيين ومثقفين ثم جلس مسترخيا بانتقاله الى صفوف السلطة او المحايدين لها. هؤلاء مطالبون بالاعتذار لاجيال خدعت وقدم بعضها حياته ومستقبله على مذبح افكارها. كل من حرك الحروب والنزاعات لتحقيق شهوة الانتصار الزائف، او المجير للمصلحة الشخصية. والان، كل الاحزاب والانظمة والافراد يمكنهم ان"يبقوا البحصة"ويعتذروا لنا لا ليغسلوا ضمائرهم كما يتم غسيل الاموال المشكوك بها، بل ليسهموا في تضميد جراح الماضي وتفعيل الحراك في المجتمع حتى لا يقف طويلا عند الماضي واخطائه. * كاتبة سورية.