"نانتا" Nanta، اسم عرض مسرحي موسيقي غير ناطق وكوميدي وراقص وهذياني و... ما بعد حداثي، ويكتسح كوريا الجنوبية منذ العام 1997. وپ"نانتا" باختصار، هو استعراض موسيقي ضاحك يؤديه أربعة طبّاخين، يفترض بهم أن يُعدّوا مأدبة لعرس كوري تقليدي خلال ساعة. فتستغرق أجسادهم في الرقص والاستعراض على وقع موسيقى تصدر من أدوات الحياة اليومية في المطبخ العادي. تصعد الموسيقى من السكاكين والملاعق والطناجر والمقالي وقناني البلاستيك ومرشّة الملح وألواح تقطيع الخضروات وبراميل المخلّل ومستوعبات المياه وعلب السكر ومرشّات البهار والمغارف وخفّاقات البيض اليدوية والرفوف المعدنية والخشبية ومدحلة العجين الخشبية "الشوبك"بالعامية المشرقية وقوالب صنع الكعك والحلوى وغيرها. وتحوّل موسيقى"نانتا"الأجساد رقصاً ضاحكاً منفلتاً، وتدفعها الى أداء بهلوانيات بالصحون والأدوات الأخرى، وپ"معارك"من وحي الفنون القتالية، مثل الكونغ فو والتاكواندو. تُخاض بعصي المكانس وأذرع المغارف والسكاكين، وبدروع من مصافي العصير ومناخل الطحين، وخلف"قلاع"من مستوعبات الصحون وآلات الجلي وبراميل الزبالة وغيرها. ويسير استعراض نانتا"على إيقاع الطبخ وضجيجه، ليقدم خيالاً فنياً هاذياً يمثل الأصوات التي تصدرها الأيدي يومياً، أثناء عملها في المطبخ. هل يخطر في خيال من يقطع السكين أن يديه تصدر موسيقى كأنها وقع طبول الرقص؟ إذاً، ليذهب تدافع الخيال عن أصوات المطبخ إلى أقصاه"ولتكن"نانتا"استعراضاً جامحاً لانبثاقات الخيال اليومي أثناء الطبخ، وهو الممارسة الأكثر عادية والأكثر تكراراً، والأكثر ابتذالاً، إذا نحينا عن هذه الكلمة ظلالها السلبية. "نانتا"استعراض كوميدي للطقس اليومي العادي وأخيلته ومشتهياته وسخريته، وكل ما يحوّل اليومي الى اسطورة مستمرة، أو ما يسمى"فانتازموغوريا"الحياة اليومية بالمصطلح الفني. وفي سياق تدافع الخيال الضاحك، تؤنسَن الخضار فتنطق وتغني، كما تؤنسن الدواجن فتنتصر في معركة طبخها بدل خسارتها لتطير الى الحرية، ساخرة من المحاولات البطولية الفاشلة لنتف ريشها! ويأتي معظم موسيقى"نانتا"ورقصها وضحكها وبهلوانياتها من صنع أدوات الحياة اليومية، وليس من الآلات الموسيقية المعروفة: أليس ذلك أساس مفهوم الفن الحديث Contemprory Art، الذي تمدد في العقود الأخيرة مترافقاً مع أفكار ما بعد الحداثة واهتمامها بالحياة اليومية وفانتازماتها ومتخيلاتها وتراكيبها؟ تعبر شارع"جيونغدونغنو"، في القسم الشمالي لمدينة"سول"كما ينطق الكوريون الجنوبيون اسم عاصمتهم لتصل الى مسرح مُكرّس لعروض"نانتا"، يحمل اسم"كوكِنْ"المُشتق من كلمة تعني"الطبخ"بالانكليزية. ويتميّز ذلك الجزء من العاصمة بغلبة عمارة اميركية الطابع، مع ناطحات السحاب وشوارع عريضة ومترو أنفاق. كما يلاحظ في شارع"جيونغدونغنو"اختلاط النمط الأميركي مع بيوت مبنية على الطراز الانكليزي الفيكتوري الطابع، وفيلات شيّدت على النمط الكوري التقليدي. والطريق عبر هذا الخليط يؤدي الى المسرح. وتتوزع على جانبيه منتجات كثيرة تحمل اسم"نانتا"ورسوماتها، مثل دمى الأطفال وقمصان"تي شيرت"والقبعات، وكؤوس النسكافيه، والأقلام والبالونات. صيغت الرسوم والدمى بأسلوب الرسوم المتحركة على طريقة"والت ديزني". ويلفت أن موسيقى المسرحية موضوعة على"سي دي"، لكن العرض غير مصور ولا يتوافر على اسطوانات"دي في دي". في اللغة الكورية الپ"هانغول" تشير كلمة"نانتا"إلى تسديد اللكمات بصورة عشوائية. والعرض يُترجم"العشوائية"الى انفلات خيال الفن وجموحه. ويُستهل بدخول وئيد لثلاثة طباخين،"شيف"وعامل وعاملة. يضرب أحدهم بالسكين على لوج خشبي، فيجيبه الآخر"وتتابعه الفتاة بنقر على زجاج كأس يعطي رنيناً موقّعاً. وتتلاحق الإيقاعات، كأنما الطباخون الثلاثة يكتشفون موسيقى أدوات الطبخ. وتدخل أجسادهم في رقص على إيقاعها. ويتضح أن ثمة شيئاً من الإعجاب في علاقة العامل بزميلته الجميلة. وسرعان ما يحضر مسؤول المطعم ليأمر الثلاثة بتحضير مأدبة عرس خلال ساعة. ثم يضمّ الى صفوفهم قريباً له يناديه بكلمة"أونكل"تعني"عمي"، وهي من الألفاظ القليلة في المسرحية. وتنشأ منافسة ذكورية خفية بين الفتى القريب والعامل، ويدخل"الشيف"على الخط في محاولة لضبط الصراع. وتسخر المسرحية من تقليد إعداد الأعراس في كوريا الذي يبدأ بابتهال الى أرواح الأجداد. وتتلاحق فصول المسرحية، التي ألفّها وأخرجها دونغ تشون لي، في مقالب تستوحي الكثير من ضحكها من الرسوم المتحركة. ويترجم فانتازم إعداد السَلَطة الى ضجيج هائل لموسيقى المطبخ، يتصاحب مع رقص قوي من حركات تقطيع الخضار وخلطها. وتتطاير أثناءه شرائح الملفوف والخيار والبصل في الأجواء لتصنع مشهدية راقصة بعناصر مُركّبة. وثمة لوحة يسودها قرع"الطبول"، وهي براميل الملح والسكر و"الكيمشي"، وهو نوع من المخلّل تشتهر به كوريا. وبدلاً من قرع طبول"سالمنوري"التقليدية، هناك الارتجال الهذياني للقرع على طبول المطبخ: المخلل والملح والسكر! ويتحوّل المشهد الى ما يشبه"نيرفانا"بفعل الايقاعات السريعة والعالية التي تصل الى حد محاكاة فرق الروك الصاخب. وعندما لا تفي موسيقى المطبخ بالغرض، يستند العرض الراقص إلى موسيقى الروك والهيب هوب والريف والراب، مع استعمال الملابس الفسفورية في مشهديات تتلاعب بالضوء والظلمة. وفي منحى كسر الإيهام المسرحي، على طريقة برتولد بريشت، يشارك الممثلون الجمهور في عرضهم. ويقسمونه الى فرق تتنافس بالتصفيق وضرب الأقدام على الأرض. ويختارون من الحضور فريقاً يساعدهم في منافسة على إعداد حلوى العرس. وينسل الممثلون الى الخارج، ليصبح الجمهور مؤدياً ومشاهداً في الوقت نفسه. وتأتي مكافأة الجمهور بأن يؤدي الفريق الفائز مشهد العرس، بملابس"الهان بوك"التقليدية الكورية، الذي صنعت من أجله مأدبة المسرحية كلها! ويعرض"نانتا"راهناً في دول أوروبية عدة، منها بريطانيا وفرنسا وبلجيكا، إضافة إلى عرضها المستمر منذ سنوات على مسرح برودواي في الولاياتالمتحدة الأميركية. وتؤدّي تلك العروض فرق كورية. وقد نفدت تذاكر العرض عندما قدم ضمن مهرجان أدنبرة في العام 1999. ويوحي الأمر بسهولة تأقلم العرض مع أجواء ثقافية متنوعة. ويثور سؤال بديهي عن إمكان اقتباسها. ويخطر في البال أن من السهل"لبننة"عرض"نانتا"مثلاً، الى مشهدية تساهم في موسيقاها رنين أجران الكبة ودقات الهاون الخشبي والمعدني، وقرع"مهباج"القهوة وغيرها.