ينتسب الشيخ العسيلي إلى العسيليين، والعُسَيْلِيّ نسبة إلى "عُسيل" وهو بطن من سامة بن لؤي بحسب ما ذكره أحمد بن الهيثم بن قراش بن محمد بن عمه في"بني سامة بن لؤي"، وهو عُسيل بن عقبة بن صمعة بن عاصم ... بن لؤي بن غالب بن فهر، وهو الملقب بقريش بن مالك بن النضر، واسمه قيس بن كنانة بن خزيمة بن مدركة، واسمه عامر بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وقال الزبيدي في تاج العروس:"قلتُ عُسيل بن عقبة: بطن من سامة بن لؤي، من العدنانية. منهم بقية ببيت المقدس والشام وريف مصر تاج العروس للزبيدي ج 8 ص 19. ومن العسيليين البرهان إبراهيم بن يوسف بن سليمان المناوي المنزل، العسيلي النسب من أصحاب الشيخ محمد الغمري توفي سنة 886ه/ 1481م، وولده الشمس محمد بن إبراهيم ولد بمنية سلسيل سنة 856ه/ 1452م، وتميز بالفضيلة وأُشير إليه بالعلم كما أجازه كل من الشَّادِيُّ والخَيْضَرِيُّ والدِّيَمِيُّ والسخاوي حيث ذكره في كتابه الضوء اللامع. ومن العسيليين محمد بن موسى بن علاء الدين العسيلي المقدسي توفي سنة 1031 ه/ 1622 م وينتهي نسبه إلى الشيخ عبدالرحمن الصنابحي العسيلي، وقد أخذ العلم والتصوف عن شيوخه في القدس ومصر وغيرهما، وكان من كبار الفضلاء أصحاب التصانيف، وقد أخذ الفرائض عن الشيخ محمد الدجاني، وأجازه، وأخذ الفقه والحديث عن الشيخ يحيى ابن قاضي الصلت القدسي، والتصوف والعقائد عن الشيخ محمد العلمي، وكان حافظاً لعلمه وقارئ درسه، وأخذ علم المعاني والبيان عن شيخ الإسلام رضى الدين اللطفي والشيخ محمود البيلوني، وقرأ البيضاوي بتمامه على المنلا علي الكردي، وأجازه شيخ الإسلام التمرتاشي الغزي، صاحب التنوير رحمه الله تعالى بما لَهُ من مروياته نظماً. وأرسل له النور الزيادي إجازة من مصر لما سأله عن أسئلة عدة، وطلب منه الإجازة فأجازه ولم يره، ومن مؤلفاته حاشية على الفاكهي، وقطعة كبيرة على الجلالين، ونظم قطر الندى وشرحه، ونظم خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وشرح النظم شرحاً لطيفاً لم يسبق إليه مع زيادات على أنموذج اللبيب في خصائص الحبيب، وسماه النظم القريب في خصائص الحبيب، وكانت وفاته في سنة إحدى وثلاثين وألف/ 1622م، ودفن في ما مَنَّ الله ماملا من أعمال بيت المقدس، وهنالك الكثير من العلماء العسيليين الآخرين. وأبرز العلماء العسيليين في جزيرة أرواد السورية هو الشيخ عثمان بن أحمد بن عثمان بن علي العسيلي الأروادي، ولد ونشأ في جزيرة أرواد من ساحل الشام سنة 1276ه/1860م، وكان إمام أهل السُّنَّة والجماعة، وهي طائفة جزيرة أرواد الوحيدة. وكان والده من كبار تجار أرواد في الوقت الذي كانت أرواد هي المركز التجاري لجزء كبير من الساحل السوري وما وراءه لأنها مجمع السفن. وكان جده لأبيه من مشايخ الجزيرة وكذلك والد جده، أما والدته فمن آل حمود الذين توارثوا العلم الشرعي، وتتالوا على الدراسة في الجامع الأزهر ومن هنا كان اتجاه الشيخ في طريق العلم تأثراً بمسلك أسرتيه. حفظ العسيلي القرآن الكريم في كتّاب أحد شيوخ جزيرة أرواد، ثم أقبل على مبادئ العربية والعلوم الدينية يتلقاها على أحد أجداده لأمه، ولما بلغ السن التي تساعده على الاغتراب شخص إلى مصر ليلتحق بالأزهر الشريف ثم عاد إلى بلده، ومع ثقل التبعات التي كان عليه أن يتحملها بعد وفاة والده الذي ترك له عائلة هو أكبر المسؤولين فيها، ولم يستطع الانصراف عن العلوم الشرعية التي استهوته، واستقطبت مواهبه، فمضى بمتابعتها بنشاط لم تلبث آثاره أن برزت في دروسه وخطبه وعمله في القضاء الشرعي، وكان ذا ثقافة دينية وأدبية وتاريخية واسعة. قضى الشيخ عثمان أحمد العسيلي معظم عمره المديد في ظل الخلافة الإسلامية العثمانية قبل أن تفاجئ أرواد قطع الأسطول الفرنسي وتفرض عليها سيطرتها سنة 1915 بعد حصار دام أشهراً وتتخذ منها قاعدة انطلاق تغير منها على الساحل الذي ظل في قبضة الجيش العثماني حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، فكان أن أسست فيها فرنسا دولة دعتها دولة أرواد، وبذلك أتيح للشيخ أن يلمس طلائع التحول الذي طرأ على حياة الناس في سائر البلاد التي كانت من نصيب الفرنسيين تنفيذاً لاتفاق سايكس بيكو. ومنذ ذلك الحين أصبحت كل معاملاتها تمهر بخاتم حكومة أرواد، وأصدرت طوابع، وجوازت سفر، وبطاقات شخصية إلى أن ضُمت إلى سورية بعد اكتمال احتلالها. وأثرت أجواء الجزيرة المحافظة في أخلاق الشيخ عثمان العسيلي، إذ كان كثير الوقار طويل الأناة لطيف المعشر لا يمنعه خلق الجدِّ من التبسط مع تلاميذه وأصدقائه إلى الحد المعقول، وربما نظم بعض مزاحه لهؤلاء في أبيات يتسابقون لحفظها. فتصدى الشيخ عثمان أحمد العسيلي لقوات الإحتلال، وللطابور الخامس من العملاء المحليين الذين يدّعون التقدمية بانتهاك الأخلاق التي نعتوها بالرجعية، وكان الشيخ عثمان قاضياً شرعياً في أرواد كما كان مستشاراً في المحكمة المدنية، ومع ذلك لم يُصغِ إليه الحاكم العسكري الفرنسي الكومندان ترابو، فرفع شكوى إلى الجنرال بيوت في بور سعيد حيث القيادة الفرنسية للمستعمرات في الشرق الأوسط، ولكن ترابو استعان بالعملاء المحليين، فرفعوا عريضة طالبوا فيها بتأمين الترفيه في جزيرة أرواد، ولما زار الجنرال بيوت جزيرة أرواد حاول الحاكم ترابو الحيلولة بين الشيخ والجنرال، ولكن الشيخ حضر، ومعه رئيس البلدية، وأخبره ما يحاول الحاكم نشره من فساد أخلاقي هو وعملاؤه، فما كان من الجنرال إلا أن قدر الشيخ عثمان العسيلي، ورئيس البلدية، وأصدر أمره إلى الحاكم بصيانة الأخلاق وفق ما يراه الشيخ القاضي عثمان أحمد العسيلي. ولم يقتصر دور الشيخ على إصلاح الأخلاق، بل حوَّل الجامع الغربي في الجزيرة إلى مدرسة عامة يدرس فيها علوم القرآن الكريم، وعلوم الحديث النبوي الشريف، وعلوم اللغة العربية. وإلى جانب التعليم ألف العسيلي الرسائل المفيدة في الرد على المبشرين الفرانسيسكان، كما ألف كتباً في قواعد اللغة العربية باعتبارها حصن الأمة المنيع في وجه قوات الاحتلال، ومحاولات الْفَرْنَسَة التي كان يقومُ بها المحتلون. وكان لرسالته"فضائح المبشرين"صدى طيب في سورية، كما كان من مؤلفات الشيخ رحمه الله رسالة"المسيح والمرأة الفينيقية"والعديد من الرسائل التي كانت تنشر على صفحات الجرائد في بيروت وسواها، ومن كتبه أيضاً"بغية المشتاق لتهذيب الأخلاق"طبع بمطبعة جريدة بيروت من دون تاريخ وذكره يوسف اليان سركيس في كتابه معجم المطبوعات الجزء الثاني الصفحة 1329 والموافق طباعته سنة 1919. وبعد حياة عامرة بالجهاد والعطاء العلمي والإسلامي رحل شيخ جزيرة أرواد عثمان بن أحمد العسيلي رحمه الله سنة 1369ه /1950م، وطويت صفحة شيخ مكافح لا يخشى في الله لومة لائم.