عندما كان جوناثان هوو يرتاد الثانوية في ضاحية كاليفورنيا الجنوبية، نادراً ما تناهى إلى مسمعيه كلام بالصينية، لكن طريقه الآن عبر الحرم الجامعي وصولاً إلى قاعة الدرس في جامعة كاليفورنيا في بركلي باتت تضج باللغة المندارية التي تضج بها الفنادق والقاعات الدراسية والمهاجع ومطاعم الأكل السريع. هي جزء لا يتجزأ من أصوات هذه الجامعة الأسطورية تضاف إلى هدير آلات حفر لا تعرف الكلل صادحة من مشاريع بناء لا تنتهي لنهلها من أموال لا تنضب. ويقول هوو الطالب في السنة الثانية:"هنا يتحدث كثيرون الصينية وهذا جيد فلا نشعر بالغربة". واليوم تخلو جعبته من كومبيوتر الجيب"أيبود"وهي حالة نادرة في الحرم فتراه يمعن النظر في شمس الصباح أمام باب مقهى"حركة الكلمة الحرة"الذي سمي تيمناً بالحركة الاحتجاجية التي قادها ماريو سافيو في العام 1964. أما الآن فالاحتجاجات بغالبيتها صغيرة تعمل لمناهضة سلسلة متاجر جديدة تغزو الشارع المحاذي للجامعة، ولإنقاذ أشجار السنديان المهددة بالقطع لتجديد ملعب كرة القدم. وفي هذا الصباح بالكاد ينبس أحد ببنت شفة في مقهى الكلمة الحرة إذ ينكب الطلاب بلا استثناء كل على جهاز الكومبيوتر الخاص منهمكين بتحميل ملخصات الحصص الدراسية والموسيقى. ولولا القهوة لحسبت المقهى مكتبة. وفي صباح كهذا تبدو الجامعة الرسمية كمدينة صناعية تنتج طلاباً فائقي النشاط. وبلغ عدد طلاب السنة الأولى الآسيويين هذا العام في بركلي رقماً قياسياً يناهز 46 في المئة، علماً أن 41 في المئة من طلاب السنة الأخيرة آسيويون. وفي هذا الحرم الأنيق حيث يجري نبع ماء وسط غابة حور، الطابع الآسيوي هو الطاغي. فوجبة ديم سام الصينية الشهية لا تبعد أكثر من خمس دقائق وأطباق فو الحارة تقدم في مقصف بير لير أي جحر الدب كما يترابط العديد من الأندية الاجتماعية بسلالة مشتركة مع بلدان نائية. أما جواب هوو فيأتي بحركة من كتفيه مؤكداً وجود قدر لا بأس به من"التمييز العنصري الاختياري"وهذا أمر عادي في جامعة بهذا الحجم تضم 24 ألف طالب إجازة. ويكمل:"قلما تتفاعل المجموعات الاثنية فيما بينها. فهناك شعور بضرورة البقاء مع مجتمعك". لكنه سرعان ما يعقب بالقول:"أبناء جيلي لا يولون أهمية كبيرة للعرق فالناس هنا سواء طلاب السنة الأولى أو الثانية لا يكادون يختلفون عن المراهقين الأميركيين العاديين". وإذا ما قضيت بضعة أيام في حرم بركلي ذي الزخرفة الكلاسيكية والمطل على خليج سان فرانسيسكو، سرعان ما يغدو صوت اللغات الأجنبية أقل حضوراً. فهذا حرم عالمي في عصر عالمي. وتعد الثورة في بركلي فريدة من نوعها فهي منعطف بطيء من قوى الهجرة والسكان. ولعل ما يبدو مثيراً للاضطراب للبعض هو أن ذلك الصرح العلمي الكبير الرابض على التل لا يشبه وجه كاليفورنيا الإتني الذي يضم 12 في المئة من الآسيويين أي ضعفي المعدل الوطني. بل هو الوجه الجديد لنظام الجامعة الرسمية المتبجح به في الولاية فالآسيويون يشكلون أكبر مجموعة أثنية منفردة بنسبة 37 في المئة في فروع الجامعة التسعة لطلاب الإجازة. لكن بعد عشرة أعوام من تمرير كاليفورنيا للقانون 209 القاضي بالتصويت على إلغاء التمييز الايجابي بحسب العرق، واجه مديرو الجامعات صعوبة في تحقيق التوازن. كما تعرضت جامعات النخبة أخيراً للهجوم بسبب رفضها طلبات طلاب آسيويين لمصلحة طلاب من عرق آخر بعلامات أقل. وفي كاليفورنيا جاءت نهضة الحرم الآسيوي والنظام المبني على القدرة والانجازات على حساب السود وذوي الأصول الاسبانية غير الممثلين بما يكفي تاريخياً. وفي العام الحالي، في جامعة كاليفورنيا، هناك 100 طالب سنة أولى أسود في صف يضم 4809 طلاب وهي النسبة الأقل منذ 33 عاماً. وفي بركلي 3.6 في المئة من طلاب السنة الأولى فقط هم من السود. ولا تبلغ نسبة طلاب السنة الأولى من الناطقين بالاسبانية في بركلي 11 في المئة وهو ثلث نسبتهم في الولاية 35 في المئة. والأمر سيان بالنسبة إلى طلاب السنة الأولى البيض فنسبتهم في الجامعة أقل من نسبتهم في الولاية 44 في المئة. ويعزى هذا الأمر إلى أن دخول بركلي المصنفة"جامعة رسمية رفيعة المستوى"لم يسبق أن كان مهيباً إلى هذا الحد. فقد تقدم 41750 شخصاً بطلبات لصف السنة الأولى هذا العام الذي يضم 4157 طالباً نصفهم تقريباً حقق معدل نقاط مرتفعاً بلغ 4 أو أكثر للصفوف المتقدمة. وقد بدأ التذمر يطاول صفوف"القدامى الزرق"وهم الخريجون القدامى الذين سموا تيمناً بلون الجامعة وپ"يشتكون من عدم تمكن أولادهم من الدخول"على ما جاء على لسان غريغ تومسون مدير مكتب بحوث الطلاب. أما هوو فأرسل طلبات إلى جامعات كثيرة لكنه استنسب بركلي منذ البداية:"الجو الثقافي هو السبب فهذا المكان ناضح بالفكر". ويفيد هوو أن أحد الأساتذة ضغط عليه ليسجل في الطب أو الهندسة:"هذا حكم مسبق على الآسيويين. لكن كثيرين يأتون إلى هنا ولا يدرسون العلوم وأنا لم أهتم بها قط". بيد أن هوو الابن الوحيد لعاملين ولدا في الصين، يناسب الصورة النمطية عن الآسيويين في بركلي على الأقل بناحية واحدة: فهم جيل أول من الأميركيين، و95 في المئة تقريباً من طلاب السنة الأولى الآسيويين يأتون من أسر ولد أحد الوالدين فيها أو كلاهما خارج الولاياتالمتحدة. وعلى امتداد الولاياتالمتحدة وفي جامعات النخبة الخاصة والعامة يشهد التحاق الطلاب الآسيويين ارتفاعاً عالياً فيما يشكل الأميركيون الآسيويون أقل من 5 في المئة من السكان لكنهم يشكلون 10 إلى 30 في المئة من الطلاب في جامعات البلاد الفضلى. وفي العام 2005، شكل الآسيويون 24 في المئة من طلاب الإجازة في كارنغي ملون وستانفورد و27 في المئة في معهد ماسشوستس للتكنولوجيا و14 في المئة في يال و13 في المئة في برينستون. ويرى مؤيدو سياسات القبول الحيادية عرقياً أنه من المفترض أن تكون هذه الأرقام أعلى. وخصص مراسل صحيفة"وال ستريت جورنال"دانيال غولدن لسياسات القبول الجامعية كتاباً اثار الجدل وعنوانه:"ثمن القبول: كيف تشتري الطبقة الحاكمة في أميركا مقاعدها في جامعات النخبة ومن يترك خارج البوابات". ويستند غولدن إلى الدليل بأنه في النصف الأول من القرن العشرين حددت مدارس أيفي ليغ كوتا للطلاب اليهود بغض النظر عن سجلاتهم الأكاديمية للحفاظ على تفوق طلاب الطبقة الراقية من البروتنسانت. ويكتب:"اليوم الآسيويون هم المجموعة الغريبة فهم يفتقرون إلى المعاملة التفضيلية التي تعطى لغيرهم من الأقليات ومنافع الثروة والعائلة العريقة التي يستحوذ عليها غالباً البيض. ويصور الآسيويون في مكاتب القبول الجامعية كرجال آليين مبرمجين على الرياضيات والعلوم". وتأكيد هذه النقطة أظهرت دراسة أطلقها في تشرين الأول أكتوبر 2005"مركز الفرصة المتساوية"الداعي إلى رفض القبول الجامعي على أساس العرق، أن في العام 2005 تم قبول الآسيويين في جامعة ميتشيغان، بمعدل أقل بكثير 54 في المئة من المنتسبين السود 71 في المئة أو الناطقين بالاسبانية. وتقدم طالب سنة أولى في يال واسمه جيان لي هو بشكوى لدى مكتب الحقوق المدنية في وزارة التربية زاعماً أنه حرم من القبول في برينستون لأنه آسيوي. علماً أنه ابن مهاجرين صينيين في ليفينغستون نيو جرسي وحقق نتيجة ممتازة في امتحانات الدخول وعلامات شبه كاملة في مقررات التصنيف. وقال:"هذا نظام مهين جداً. فالآسيويون يحاسبون بمقاييس مختلفة. وإذا تبين ان جامعة ما تمارس التمييز يقطع عنها الدعم المالي الفيديرالي. ويسعى لي إلى تعليق المعونة المالية الفدرالية المخصصة لبرينستون:"أنا لا أسعى لمكسب شخصي فأنا مرتاح في يال لكني ترعرعت وفي اعتقادي أن العرق لا أهمية له في أميركا". ولطالما أنكر المسؤولون في مكاتب الدخول تطبيقهم لنظام الحصص بيد أن العرق مهم"لتأمين جسم طلابي متنوع"بحسب ما تقول كاس كليات الناطقة باسم برينستون. وتنظر جامعات النخبة كبرينستون في"مجموعة ميزات متكاملة"بحثاً عن مواهب مميزة كالاهتمامات اللاصفية والحالة الاقتصادية الاجتماعية وعوامل أخرى من قبيل معرفة إذا ما كان المنتسب أول فرد يرتاد الجامعة في العائلة أو نشأ في كنف أم عزباء. وتضيف كليات:"ما من صيغة محددة لتقويمنا للطلاب فالعلامات ليست سوى جزء من التقويم". ويعد تضاؤل عدد الأميركيين الأفريقيين في الحرم موضوعاً محورياً يتداوله الطلاب السود، والبعض يقول إنهم يشعرون بالعزلة من دون أي شعور بالانتماء إلى المجتمع. وتقول أرميلا ستايلي طالبة السنة الثانية في الحقوق:"تشعر حقاً بأنك غريب". ففي سنتها الأولى كانت واحدة من أصل تسعة أميركيين أفريقيين في صف فيه 265. وتكمل ستالي التي تحبذ عودة إلى نوع من التمييز الإيجابي:"أكاد أكون السوداء الوحيدة في صفي". وتضيف:"بصراحة الحرم آسيوي بامتياز. وأنا لا أشعر بأي توتر بين الآسيويين لكنني كذلك لا أجد نفسي في هذا المجتمع". فأي مستقبل ينتظر الجامعات الأميركية الكبرى في حقبة ما بعد التمييز الإيجابي؟ هل نحن مقبلون على يوم تصبح فيه كل جامعات النخبة على غرار بركلي حكراً إما على الأثرياء البيض أو"أقليات"آسيوية هائلة؟