تشتهر الجامعات الاميركية بانها تنتج احسن العقول في العالم. ويعتبر النظام التعليمي الاميركي، خصوصاً في مرحلة الدراسة الجامعية، الأرقى في العالم. وعدد الجامعات وحده لا يتصوره العقل، فهناك الاف والاف منها. لكن التعليم العالي الاميركي يخضع بشكل متزايد الى هيمنة عامل منفرد: المال. تكلف اجور الدراسة والسكن ووجبات الطعام في الجامعات الخاصة الراقية، على نحو تلك المدرجة ضمن ما يسمى "الفئة الممتازة" مثل هارفرد وبرينستون ويال، حوالي 30 الف دولار سنوياً. ويعني هذا انه عندما ينهي الطالب تعليمه الجامعي بعد اربع سنوات يكون قد دفع اكثر من 100 الف دولار للحصول على شهادة، او يدخل سوق العمل وهو مثقل بدين ضخم! وتجاوز معدل ارتفاع اجور الدراسة الجامعية بفارق كبير معدل ارتفاع التضخم، او حتى متوسط الزيادة في مداخيل العاملين. وحسب بحث اجراه اخيراً مكتب الحسابات التابع للحكومة، قفزت اجور الدراسة في الكليات والجامعات الحكومية في الفترة بين 1980 و 1994 بنسبة 234 في المئة، بينما لم يرتفع متوسط دخل الاسرة الاّ 82 في المئة خلال الفترة نفسها. كما حققت مداخيل اساتذة الجامعات زيادة تفوق مثيلتها بالنسبة الى بقية فئات السكان، اذ بلغ متوسط الزيادة 97 في المئة. وبلغ متوسط راتب بروفسور في جامعة ابحاث خاصة 92 الف و 112 دولار عام 1997. وادت اكلاف جامعية اخرى، خصوصاً الاستثمار بكثافة في التكنولوجيا الجديدة، الى رفع الاجور. لكن الجامعات تقر على نحو متزايد بان احد العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الاجور هو استعداد الاباء والامهات والطلبة لدفع مبالغ ضخمة لقاء الحصول على شهادة من جامعة خاصة، انطلاقاً من الاعتقاد بانها ستضمن لهم عملياً تأمين وضعهم المالي طوال حياتهم العملية. ويتضمن هذا شيئاً من الحقيقة. فبحسب مكتب العمل الاميركي، كان الاجر الاسبوعي الذي يتقاضاه عامل لا يحمل سوى شهادة الثانوية في 1996 يبلغ 443 دولاراً، بينما بلغ متوسط دخل العامل الذي يحمل شهادة جامعية 758 دولاراً في الاسبوع. ويعني هذا فارقاً سنوياً يزيد على 16 الف دولار، وهو مبلغ يكفي بسهولة لتبرير الانفاق الاضافي على دراسة جامعية مدتها اربع سنوات او تمويل الدين الضخم التي يتحمله المرء اذا كان لا يملك المبلغ كله في الوقت الحاضر. لكن الارتفاع الحاد في اجور الدراسة لا يزال يجعل الجامعة بعيدة عن منال الكثير من الاميركيين. ولجأت الجامعات بسبب ذلك الى التفاوض مع الطلبة المحتملين في شأن المبلغ الذي سيتعين عليهم دفعه، وحتى الى استخدام سياسات واستراتيجيات تنطوي على استهتار خلال عملية التقديم والقبول في الجامعة بالاستناد على قدرة مقدمي الطلبات واستعدادهم المتوقع لدفع الاجور. نتيجة ذلك، سيتعين على طالب يبدو متحمساً للالتحاق بجامعة معينة، على سبيل المثال عبر تقديم الطلب في وقت مبكر او بالسفر فعلاً من اماكن بعيدة لزيارة الجامعة واجراء مقابلة مباشرة، ان يرتب دفع الاجور الكاملة في حال قبوله. وتستخدم كثير من الجامعات الراقية نماذج احصائية متطورة لتحليل قدرة واستعداد طلبة معينين على دفع الاجور الكاملة. وطُوّرت هذه النماذج من قبل "خبراء استشاريين" تستأجر الجامعات خدماتهم. وتسمح هذه الوسائل للجامعة ان تحدد بدقة جيدة الى حد ما اي طلبة يمكن ان تطلب منهم دفع الاجور الكاملة، واي طلبة متفوقين تحتاج الى "اغرائهم" للالتحاق بالجامعة عبر نظام من المنح والقروض او الزمالات الدراسية. هكذا، يساهم الطلبة ذوي المؤهلات الجيدة او العادية، الذين تقدر النماذج الاحصائية انهم سيدفعون الاجور، في دعم اجور الدراسة للطلبة المتفوقين الذين يُحتمل ان يعجزوا عن الدفع. ولا شك ان هذه النماذج تساعد الجامعات ايضاً على ان تنتقي من بين الطلبة ذوي المؤهلات المتكافئة وفق قدرتهم على الدفع، على رغم ادعاء جامعات كثيرة وتأكيداتها بانها تعتمد سياسة قبول "تسقط من الحساب احتياجاتها" وان هذه السياسة هي التي تحدد من يُقبل ومن يُرفض. وادت شروط الحصول على الجامعة "المناسبة" واستخدام مثل هذه الطرق الاحصائية و "الحيل" المكشوفة التي يلجأ اليها اولئك الذين يقررون من يدخل الجامعة ومن يبقى خارجها، الى جعل كثير من الاباء والامهات والطلبة يستأجرون خدمات "استشاريين متخصصين بالدعم المالي". ويقدم هؤلاء المشورة للراغبين في التقديم الى الجامعات حول افضل السبل لانتزاع حسومات ومنح وزمالات دراسية من الجامعات. كما يقدمون النصح في شأن سبل التقديم وتوقيته واجراء المقابلات وتحديد الجامعة التي يتوجه اليها الطالب. ويشكل هذا بمجمله صناعة على مستوى عالٍ من التخصص. ولا يلجأ بعض الاباء والامهات والطلبة المحتملين الى المبالغة في طلبات القبول فحسب بل يقدمون فعلاً معلومات كاذبة عن اوضاعهم المالية. وتوصلت وزارة التعليم الاميركية الى ان 4،4 في المئة من الطلبة البالغ عددهم 3،2 مليون طالب، الذين حصلوا على منحة "بيل" الحكومية المخصصة للطلبة "المعوزين"، كذبوا في شأن مداخيل عائلاتهم كي يتمكنوا من الحصول على اموال مجانية. واتخذت هذه المشكلة ابعاداً كبيرة لدرجة ان بعض المستشارين الماليين اقترح ان يلجأ اباء الطلبة الى انشاء شركات تجارية خاسرة، او حتى ان يلتمسوا من اصحاب العمل خفض اجورهم بشكل موقت، كاحدى الوسائل لانتزاع حسم في اجور الدراسة او منحة او زمالة دراسية لاولادهم من الجامعات. يقتصر هذا الوضع المثير للاشمئزاز في الواقع على أرقى المؤسسات الاكاديمية الخاصة. فمتوسط اجور الدراسة لمدة اربع سنوات في جامعة حكومية لم يزد على 2996 دولاراً في السنة عام 1996، وهو مبلغ تستطيع ان تدفعه معظم العائلات الاميركية. كما ان متوسط اجور الجامعة الخاصة الذي يبلغ 12 الفاً و823 دولاراً لا يعتبر مبلغاً ضخماً على رغم ارتفاعه. ولا يبدو واضحاً على الاطلاق ما اذا كانت الجامعات ذات الاجور الباهظة فعلاً تقدم لطلبتها مستوى تعليمياً أعلى بكثير. المؤكد هو ان التعليم الذي يتلقاه الطالب مقابل 30 الف دولار في مكان مثل هارفرد او يال او برينستون ليس افضل عشر مرات من مثيله في جامعة ميشيغان او جامعة ولاية كاليفورنيا او جامعة فيرجينيا او حتى واحدة من مئات الجامعات الحكومية الاقل شهرة. ومن المشكوك فيه اذا كانت الحكومة او الصناعة تكافىء خريجي الجامعات الأرقى باعطائهم وظائف تدر عليهم اموالاً اكثر بكثير في السنوات الاولى من حياتهم العملية. وبين الخيارات التي تلقى اهتماماً متزايداً من الاميركيين الالتحاق باحدى الجامعات الممتازة الكثيرة في كندا. فبعض هذه الجامعات، مثل جامعة ماغيل وتورونتو وكوينز وغيلف، يضاهي احسن الجامعات الاميركية، لكن اجورها لا تعادل الاّ جزءاً من اجور جامعات "الفئة الممتازة" في الولاياتالمتحدة.