قبل أيام كنت أقرأ مقابلة في"نيويورك تايمز"مع قائد عسكري اسرائيلي كبير لم يذكر اسمه، رجحت أن يكون رئيس الأركان دان حالوتز، أو نائبه موشي كابلنسكي، قال فيها إن"حزب الله"الجبهة الغربية لايران، وإن اسرائيل ستعمل لمنع اعادة تسليحه عبر سورية، ثم عطف على السيد حسن نصر الله، وقال حرفياً:"هناك حل واحد له. هذا الرجل يجب أن يموت". شخصياً لا أدعو لموت أحد، حتى لو كان ارهابياً من نوع اسامة بن لادن أو ايهود اولمرت أو دان حالوتز، غير أن رأيي ليس في أهمية سياسة متبعة في دول عدة تقوم على قتل الارهابيين، وفي مثل هذا الوضع فإن هناك ألف ارهابي في الحكومة الاسرائيلية والجيش يجب أن يكونوا مرشحين للقتل، قبل أن نصل الى أي ارهابي آخر. ثم هناك ألف مؤيد للارهاب الاسرائيلي يجب أن يكونوا مرشحين للقتل كشركاء في الارهاب، أيضاً قبل أن نصل الى أي ارهابي آخر. بما أن محكمة العدل الدولية، أو محكمة جرائم الحرب الدولية، مثلي لا تقتل ولا تحرّض على القتل، فإنني اقترح أن يمثل أمامها كل الارهابيين الاسرائيليين وكل من تتهم اسرائيل بالارهاب من العرب، وسنرى من يدان بالارهاب، ومن يبرأ كبطل مقاومة مشروعة. ما سبق مقدمة، فقد كتبت مرة بعد مرة بالعربية والانكليزية، ومع كل حرب أو غزو أو جريمة، عن الارهاب الاسرائيلي، وعن الذين يؤيدونه ويدافعون عنه ويغطون عليه في الادارة الأميركية وحولها، ما يجعله ممكناً وما يتيح لاسرائيل أن تعود اليه، من 1947 حتى لبنان هذا الشهر، وكل ما بينهما. غير أنني عربي وطرف في النزاع أي صاحب مصلحة شخصية، لذلك فرأيي ليس من وزن رأي كاتب محايد، غير عربي أو اسرائيلي، وحتماً أقل وزناً من رأي يهودي يكتب من منطلق انساني، ولا يفرق بين عربي ويهودي، وانما يطلب الحق والحقيقة على حساب الطرفين. نورمان فنكلستين هو ذلك اليهودي الانساني الذي يوجد مثله عشرات ومئات. وهو لفت نظر العالم بعد صدور كتابه"صناعة المحرقة"الذي دان فيه الاتجار بالهولوكوست، كما صدر له أخيراً كتاب من النوع نفسه بعنوان"ما وراء خوتزباه: سوء استخدام اللاسامية وتشويه التاريخ". وقد كتبت عن كل من الكتابين في هذه الزاوية، ولعل من القراء من يتذكر شيئاً من المادة المنشورة. خوتزباه كلمة عبرية دخلت قاموس اللغة الانكليزية وتعني الوقاحة المتناهية. هذه المرة انتهيت من قراءة دعوة جنرال اسرائيلي الى قتل السيد حسن نصر الله، ووقعت على مقال كتبه فنكلستين عن حرب اسرائيل على لبنان، وعطف فيه على المحامي آلان ديرشوفيتز، وهو من أحقر وأخطر انصار اسرائيل، واعتبره نموذجاً على دعاة القتل الذين يمكّنون اسرائيل من مواصلة ارتكاب الجرائم. كان ديرشوفيتز الشرير في الكتاب"ما وراء خوتزباه"، وقد عاد اليه فنكلستين في مقاله الأخير الذي كان عنوانه"الهبوط الى درك البربرية الاخلاقية: هل جعل آلان ديرشوفيتز نفسه هدفاً للاغتيال؟". ليس لي فضل في السطور التالية اليوم وغداً سوى الترجمة باختصار شديد، مع أنني ارى أن المقال يستحق أن يترجم كله ويوزع، فنحن أحياناً نشك في أنفسنا وما نؤيد ونعارض، وما نمثّل، ولعل فنكلستين القادم من الموقع الآخر يعيد الثقة الى كل من اهتزت قناعاته تحت وطأة الإعلام الأسود المضاد. ثم أن فنكلستين هو حجتي في الدفاع عن اليهود، فالغالبية منهم تريد السلام، والكتّاب الانسانيون أمثال فنكلستين موجودون في اسرائيل أيضاً، وكل جماعة اسرائيلية حول العالم، فهو ليس الشذوذ على القاعدة وانما القاعدة نفسها، فاليهود الأميركيون تحديداً ليبراليون وسطيون في غالبيتهم العظمى، ولو أن نمط تصويتهم انعكس على بقية البلاد لخسر جورج بوش الانتخابات بغالبية قياسية. اترجم باختصار رأي فنكلستين: عندما كان عسكر اسرائيل يطلق بشجاعة قذائفه وقنابله لتدمير البنية التحتية البشرية والمادية الهشّة في لبنان كان آلان ديرشوفيتز، استاذ القانون في جامعة هارفارد، يفتح جبهة ثانية لإضفاء شرعية على عدوان اسرائيل الاجرامي. ديرشوفيتز الذي أصبح صهيونياً متجدداً هذه اشارة الى المتجددين المسيحيين بعد حرب حزيران يوليو 1967 برر كل اعتداء بشع لاسرائيل على القانون الدولي، وهو استغل الحرب على الارهاب لشن هجوم أمامي على القوانين الدولية. وبعد بدء الانتفاضة الثانية أصدر كتابه"لماذا ينجح الارهاب؟"وبرر فيه القمع الوحشي الاسرائيلي للفلسطينيين، ثم أتبعه بكتاب"الحرب الوقائية: سكين ذو حدين"، حاول فيه تبرير أقسى معاملة للمدنيين بحجة مكافحة الارهاب، وكتاباته الأخيرة تهدف الى معارضة حماية المدنيين في زمن الحرب. المبدأ الاساسي عند ديرشوفيتز هو أن القانون الدولي والذين ينفذونه يجب أن يفهموا ان الاساليب القديمة لا تصلح في وجه عدو شرس ومتطرف هذا ينطبق على اسرائيل تماماً. غير أن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها هذه الحجج للتخلي عن القانون الدولي، فالايديولوجية النازية نصت على أن المواثيق الاخلاقية لا تنطبق على"اليهود والبلاشفة"لأن اسلوبهم في الحرب السياسية مجرد من أي اخلاق. سأكمل الترجمة غداً، ولكن اتوقف هنا لأشير الى أنني وصفت الممارسات الاسرائيلية أحياناً بأنها نازية أو من مستوى نازي، وعند القارئ الآن مادة للمقارنة يوفرها مؤرخ يهودي بارز، ويدين عبرها الاعتذاريين لاسرائيل الذين يجعلون جرائمها"دفاعاً عن النفس"أو دفاع الآخرين عن انفسهم في وجه عدو محتل نازي الاساليب. ديرشوفيتز شريك في كل جريمة اسرائيلية، كما يشرح المقال المملوء بحجج دامغة.