اذا كنت من هواة كرة القدم وخُيّرت بين أن تشاهد المباراة الدولية مباراة في"المونديال"مثلاً في الملعب مباشرة، الى جانب عشرات الألوف من الناس، أو عبر شاشة التلفزيون وأنت جالس وحدك، أو مع أحد، في بيتك ما الذي تختار؟ يقيناً أن الجواب البديهي والأسرع هو أنك ستختار الملعب، إذ ليس ثمة ما هو أجمل من المشاركة وعيش الأمور ميدانياً والتفاعل الحار مع ما يحدث وسط آخرين يتفاعلون بدورهم. غير أن تفكيراً ملياً في الأمر، خصوصاً إن قام به هاوٍ لكرة القدم لا يعتبر نفسه مجرد آلة في مجموع، قد يقود الى الاختيار الآخر... لا سيما في زمننا هذا حيث تطور التصوير المباشر ومعه عمليات النقل من ناحية، وصار الانسان العادي أكثر اهتماماً بما هو انساني في الأمر، برمته. ولنوضح: إن أنت شاهدت المباراة في الملعب، سيكون عليك أن تكتفي بلقطة عامة يتيحها لك مقعدك والمكان الذي تجلس فيه. كل شيء ستراه من مكانك الثابت، ما يؤهلك فقط لمشاهدة حركة اللاعبين وتطور المباراة بشكل يبدو معه اللاعبون والمباراة نفسها في مشهد ثابت الاطار، ويغيب معه عن المتفرج، ما بدأ يظهر بصفته السمة الأهم في اللعبة... كل لعبة. وهذا الذي نعنيه هنا هو انعكاس ما يحدث على وجوه اصحاب الحدث انفسهم، سواء كانوا لاعبين أم مدربين أم مديرين أم غير ذلك. مثل هذا صار ممكناً الآن بصورة متواصلة، اذ تنقله عشرات الكاميرات النشطة والدقيقة والمتابعة ثانية بثانية. ولا نتحدث هنا عن قدرة الكاميرات على رصد الأخطاء التي قد تفوت حتى جموع المحكمين وما الى ذلك. نتحدث فقط عن قدرة الصورة المكبرة الملتقطة في ثانية والمبثوثة في ثانية على رصد نظرات اللاعب حين يفوز أو يخفق، ودموع لاعب آخر، والتحرك - المضحك احياناً - لمدرب الفريق وهو جالس في زاويته يراقب والقلق المرعب على وجهه يتبادل لحظات الخوف مع لحظات السعادة. ويقيناً أن مثل هذه اللقطات هي وحدها الكفيلة بأن تضفي على ما يحدث طابعاً انسانياً، يعيش معه المتفرج - عبر شاشة التلفزة - ليس المباراة والانتصارات والهزائم، بل في قلب آلام النجوم وردود فعلهم بشكل يدفعه الى التأمل في مفاهيم مثل الانتصار والهزيمة، الخوف والفرح، الترقب والقلق... الى التأمل في الاخلاق والنفسيات وما شابهها. ويقيناً أن مباراة يعطى فيها المتفرج فرصة من هذا القبيل تصبح ذات ابعاد اضافية لا تقدر بثمن. غير أنه، كما أن لكل ميدالية وجهها الآخر، من المؤكد أن هذا الامتياز - لمن لم يحظ بامتياز الحضور في الملعب - من شأنه أن يجرد نجوماً كثراً من سر النجومية: هالة السحر الغريبة التي تحيط بكل ما لا يمكن مطاولته عن قرب وسبر اغوار نفسيته. اذ هنا يصبح النجم عارياً تماماً أمام أعين المتفرجين، خصوصاً انه، لأن في الأمر ما يشبه الكاميرا الخفية وتلفزيون الواقع في الوقت نفسه، لا يمكنه التحكم بردود فعله ومنعها من الوصول الى كاميرا تلتقطها بأكبر ما يمكن لتبثها أمام مئات الملايين. وبهذا تأتي عمليات النقل المتطورة للمباريات الكبرى، لتذكرنا بالكيفية التي يسقط فيها النجوم، كل انواع النجوم، في زمننا هذا، على مذبح هذه"التعرية"الجديدة، غير المتوقعة، وتجيب على سؤال طالما طرح على الخبراء فحواه: أين ذهب النجوم؟ وأين صار سحرهم القديم؟ ومن المؤكد أن هذه الاجابة العملية، لو تبحرنا بها اكثر واكثر، سنجدها مساهمة جديدة في سيرورة تاريخية بدأت منذ زمن وتتراكم حتى لدى أناس لا يزالون يؤمنون أن للأساطير، بعد، مكانها في زمننا وفي الزمن المقبل، الأساطير التي تتخذ في هذا القرن شكل نجوم سينما أو أزياء أو رياضة.