كأنها صور من قلب الضاحية الجنوبية في بيروت وليس من مدينة فلسطينية محتلة: كتل هائلة من الدخان تتصاعد من مجموعة مبان متجاورة في مدينة نابلس بعد ان دمرها الجيش الاسرائيلي بتفجير كميات كبيرة من المتفجيرات في داخلها. ولدى انسحاب هذه القوات من المدينة الليلة قبل الماضية تبين ان المباني المدمرة هي مقار للأجهزة الامنية ووزارة الداخلية. واكثر ما آلم اهالي المدينة ومسؤولي الحكومة في ذلك هو تدمير مقر وزارة الداخلية واتلاف السجلات المدنية لسكان المحافظة البالغ عدهم 300 الف نسمة. وقال امين مقبول وكيل وزارة الداخلية ان تدمير مقر الوزارة ادى لضياع وتلف 175 الف ملف تحت الانقاض. وقال ان الوزارة حاولت انقاذ بعض هذه الملفات بعد انسحاب الجيش لكن ما تم انقاذه لا يتجاوز خمسة في المئة من الملفات والسجلات. وقد دأبت السلطات الاسرائيلية منذ اندلاع الانتفاضة في أيلول سبتمبر عام 2000 على هدم المقار الحكومية للسلطة الفلسطينية بهدف تقويض سلطة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وكانت تتهم السلطة بدعم"الارهاب"لكنها اوقفت هذه السياسة بعد رحيله وانتخاب الرئيس الجديد محمود عباس الذي خاض الانتخابات على اساس برنامج انتخابي سلمي. وفي الآونة الاخيرة، بعد فوز حركة"حماس"في الانتخابات وتشكيلها الحكومة، عادت اسرائيل الى استنئاف هذه السياسية من جديد مستهدفة مقار الوزارات الأكثر حساسية مثل مكتب رئيس الحكومة ومقار وزارت الأمن والخارجية والداخلية. واثارت سياسية اسرائيل هدم المباني الحكومية انتقادات دولية في السابق نظرا لان هذه المباني اقيمت بأموال الدول المانحة لكن ذلك لم يوقف اسرائيل الباحثة عن ضرب عصب الحياة في الاراضي المحتلة في المواقع الاكثر تأثيرا. وأكثر ما آلم الفلسطينيين في عمليات الهدم هذه استهدافها معالم تاريخية بارزة في المدن مثل المقار الحكومية التي بنيت في ثلاثينيات القرن الماضي اثناء الانتداب البريطاني على فلسطين ضمن طراز معماري واحد. وشملت تلك المباني التي حملت في كل مدينة اسم"المقاطعة"مكاتب حكومية، وسجوناً وساحات واسعة. وهدمت اسرائيل خلال الانتفاضة جميع مباني"المقاطعة"التي سبق واستخدمتها مقار لحكمها العسكري وسجوناً للفلسطينيين ولم يتبق منها سوى الجناح الصغير الذي تحصّن فيه الرئيس الراحل ياسر عرفات لدى فرض الحصار عليه في العام 2002. وكانت بريطانيا اقامت في عهد الانتداب مقار للحكم حملت هذا الاسم في جميع المدن الرئيسة في فلسطين التي قسمت الى مقاطعات. وأثارت عمليات الهدم هذه مخيلة الكاتب الصحافي الاسرائيلي البارز ناحوم بارنياع ليتساءل بعد هدم مقار"المقاطعة"في مختلف المدن عن السبب الذي يجعل اسرائيل تلجأ الى الهدم بخلاف الدول الاخرى التي تعاقبت على حكم هذه البلاد. وكتب بارنياع في مقال في صحيفة"يدعوت احرونوت"الأكثر توزيعا في الدولة العبرية متسائلا:"لقد حكمت تركيا هذه البلاد، واقامت فيها مباني ومقار للحكومة، ثم جاءت بريطانيا وفعلت الشيء ذاته، وجاء الاردن الى الضفة ومصر الى قطاع غزة وقاما ببناء الكثير من المؤسسات لخدمة الجمهور، فلماذا انفردت اسرائيل دون غيرها بالهدم؟". وقد يجيب عن هذه الاسئلة ان هدم اسرائيل لم يقتصر على المباني الحكومية بل شمل الكثير من البيوت والمصانع والمعامل. ووفق احصائية اعدتها وزارة الاسكان الفلسطينية فقد هدمت اسرائيل في السنوات الست الماضية 9817 مبنى بشكل كلي. وأشار تقرير للوزراة الى ان 63 ألف بيت آخر تعرضت لاضرار متفاوتة جراء عمليات القصف والتدمير التي استخدمت فيها اسرائيل اسلوب زرع المتفجيرات او القصف من الجو او الجرافات. وحسب تقديرات الوزارة فان ان التكلفة الكلية لإعادة بناء وتعمير هذه البيوت يصل الى 500 مليون دولارمليون دولار. والمشلكة التي واجهها الفلسطينيون في اعادة بناء وتعمير تلك البيوت ان الدول المانحة رفضت وضع اعادة بناء المباني التي تهدمها سلطات الاحتلال الاسرائيلي على اجندتها.