كان يفترض أن تكون المهمة التي يقوم بها الرئيس نبيه بري كحلقة الوصل الباقية، وربما الوحيدة، بين الطرفين المتنازعين في لبنان، هي المهمة التي يجب أن يتولاها رئيس الجمهورية. ليس فقط بسبب موقعه على رأس الدولة، بل لما منحه دستور الطائف من دور يتميز عن الادوار التي كان يلعبها رؤساء الجمهوريات قبل التعديلات التي أقرت سنة 1990. من أهم ما اقرته الصيغة الجديدة للدستور ان رئيس الجمهورية هو"رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه..."المادة 49. وكان في خلفية التوصل الى تلك الصيغة آنذاك هو تحديداً تفادي الوضع الذي يعاني منه موقع الرئاسة اليوم، كطرف مباشر في النزاع الداخلي وغير قادر بالتالي على أن يكون"رمزاً لوحدة الوطن"، بل ان دوره نفسه اصبح احد اهم عناصر الخلاف المحتدم في الازمة الحالية. الوصول الى تلك الصيغة الدستورية جاء في اعقاب خلاف مرير يذكره اللبنانيون جيداً، تمثل في"سيطرة"العماد ميشال عون على قصر بعبدا، الذي دخله أصلاً كزائر موقت وبهدف التحضير كرئيس للحكومة لانتخابات رئاسية. استقال نصف اعضاء حكومة عون، ومع ذلك استمر في"قصر الشعب"يصدر المراسيم ويقيل النواب ويدعو الى انتخابات. وبلغ الامر معه حد رفض نتائج الاجماع النيابي الذي توج لقاءات الطائف، ثم رفض نتائج عملية الانتخاب التي اتت برئيس جديد للجمهورية. وكان اغتيال ذلك الرئيس مدخلاً لحقبة جديدة، أسست ل"وظيفة"مختلفة لرئيس الجمهورية، كانت ابعد ما تكون عن ذهن المشرعين في الطائف في ظل الظروف التي عقدوا فيها اجتماعاتهم. امتدادات تلك الحقبة هي التي نعيش آخر فصولها الآن. رئيس يُعتبر طرفاً في الصراع الداخلي، طرحت عملية التمديد له اسئلة دستورية وقانونية في الداخل والخارج، واصبح بنتيجتها مقاطعاً بصورة شبه كاملة من هذا الخارج، وفي وضع لا يتجاوز المسايرة من قبل اطراف الداخل الذين"يضطرون"للقائه. له في الحكومة وزراء كان يعتبرهم"محسوبين"عليه، وعندما تغيرت ولاءاتهم اصبح يعتبر مع حلفائه ان هناك خللاً حكومياً يقتضي التصحيح من خلال السيطرة على ثلث المقاعد الوزارية. لو كان رئيس الجمهورية خارج الصراع، لما كان يفترض في الاساس ان يكون"له"وزراء. فالوزراء هم اعضاء في حكومة، لها خطها السياسي ولها برنامجها الذي تنال الثقة النيابية على اساسه. وهذا هو الذي دفع واضعي التعديلات الدستورية الى عدم منح صوت لرئيس الجمهورية خلال التصويت داخل مجلس الوزراء عندما يحضر جلساته، بهدف الحرص على ابقائه محايدا، لأن التصويت الى جانب هذا الفريق او ذاك سيحوله حكماً الى طرف. اما بدعة نقل مجلس النواب الى الحكومة، وجعل مقاعدها موزعة بين الموالاة والمعارضة، بحيث تصبح ممثلة لكل التيارات السياسية في البلد، فهي هرطقة دستورية لم نسمع بمثيل لها في العالم. انها في حقيقة الامر هرطقة لا هدف منها سوى القضاء على كل الحالة الدستورية ونقلها الى حالة"شوارعية"لا يتردد اصحابها على كل حال في الدعوة اليها. ماذا اذاً عن"لا شرعية أي سلطة لا تحترم قواعد العيش المشترك"واعتبار خروج الوزراء الشيعة من الحكومة اخلالاً بهذه القاعدة يحرم الحكومة من شرعيتها؟ يتجاهل الذين ينتقدون استمرار الحكومة في عملها رغم هذه الاستقالات، ان الوزراء لا يمثلون طوائفهم في الحكومة بل يمثلون تيارات سياسية. كما ينسى الفريق الذي يتحسر الآن على"العيش المشترك"انه دأب على اشراك وزراء في الحكومات السابقة، رغم اعتراضات طوائفهم آنذاك على"نقص"تمثيلهم الطائفي. ورغم ذلك استمر"العيش المشترك"على مدى 15 سنة من دون أن تشوبه شائبة!