وقف الرئيس جورج بوش الشهر الماضي بجوار الرئيس محمود عباس ليعلن تنصله من رؤيته الخاصة بإقامة دولة فلسطينية قبل انتهاء ولايته في كانون الثاني يناير 2009. ولم يكتف بوش بذلك بل أطلق عمليا رصاصة الرحمة على خطة السلام المسماة"خريطة الطريق"بتبنيه التام المقاربة الأمنية الإسرائيلية تجاه عملية التسوية والمفاوضات مع السلطة الفلسطينية. وفي مساء اليوم نفسه أعلن رئيس لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي الألماني ديتليف ميليس تقريره الإعصار الذي زعم فيه وجود دلائل قوية على مسؤولية النظام الأمني اللبناني - السوري المشترك عن عملية الاغتيال. هل كان صدفة ان يتنصل بوش من"خريطة الطريق"ورؤيته في اليوم نفسه الذي أعلن فيه تقرير ميليس، وهل باتت كل المنطقة أسيرة رؤية أخرى لا تبحث بالضرورة عن الحقيقة والعدالة وانما عن استخدام تقرير ميليس"قميص عثمان"لمحاربة الأنظمة و الحركات والجهات التي لا تزال مستعصية على التطويع أمام السياسية الأميركية؟ قبل الاجابة عن هذه الأسئلة لا بد من التمعن في التحولات المهمة جدا التي أعلنها بوش والتي تركزت في نقطتين رئيستين: أولا: التنصل من رؤيته الخاصة باقامة الدولة الفلسطينية ومن خريطة الطريق وجدولها الزمني والانصياع للايقاع العام الذي فرضه أرييل شارون بعد تنفيذ خطة فك الارتباط الاحادية عن قطاع غزة والتي يرى انها وضعت الفلسطينيين امام ما يسميه"اختبار غزة"، وبالتالي فلا حديث عن استمرار لعملية التسوية قبل نجاحهم في حل معضلة غزة وفق المعيار الاسرائيلي الذي يلحظ تفكيك السلطة البنية التحتية للمقاومة وفرض الهدوء ومنع العمليات انطلاقا من القطاع، اضافة الى الاستغراق في القضايا الاخرى ذات الصلة مثل الميناء والمطار والمعابر وحرية انتقال البضائع والافراد من القطاع واليه. وكل هذا ضمن افق زمني مفتوح وغير محدد. وواضح ان الرئيس بوش وافق على الإستراتيجية السابقة و طالب السلطة بالاهتمام بهذه القضايا ورفض طلب عباس الانتقال مباشرة الى قضايا الوضع النهائي الحساسة والشائكة مثل القدس والحدود واللاجئين، وهي القضايا المفترض حسمها وفق خريطة الطريق بحلول سنة 2008 و أصر على الانتهاء من القضايا المرحلية قبل الانشغال بالقضايا النهائية حتى لو كان ذلك على حساب الرؤية أو الخريطة اعلنها هو شخصيا وحاول طوال الفترة الماضية تسويقها وضبط الحركة الاميركية و الدولية على ايقاعها. ثانياً، طلب بوش من عباس محاربة ما سماه"العصابات المسلحة"في اشارة الى فصائل المقاومة باعتبارها تشكل خطرا على فرص اقامة الدولة الفلسطينية، وأشار ضمنيا الى استحالة الانتقال الى خريطة الطريق أو الى مفاوضات اسرائيلية - فلسطينية جدية حول الوضع النهائي قبل الانتهاء من هذا البند. وفي هذا ايضا تماشى بوش مع سياسات شارون واصراره على المدخل الامني لعملية التسوية عموماً وخريطة الطريق خصوصاً. وعوضا عن الاقتناع الاميركي باستحالة تحقيق هذا الامر في ظل الواقع الفلسطيني المعقد الامر الذي يؤدي عمليا الى ادخال عملية التسوية في الثلاجة حتى يقوم عباس بما هو مطلوب منه. والحق انه تنبغي هنا الاشارة الى التنازل الشكلي الذي قدمه بوش ومفاده ان عباس حر تماما في اختيار السبيل الذي يراه مناسبا لمحاربة"العصابات المسلحة"ونزع سلاحها وتفكيك بنيتها! و الآن ما علاقة كل ذلك بتقرير ميليس و لماذا أعلنت هذه المواقف في اليوم نفسه الذي نشر فيه تقريره؟ الحقيقة ان بوش، في ظل المشاغل الداخلية والخارجية المتصاعدة التي يعاني منها والتي ازدادت تأزما أخيراً، قدر ان إبقاء الوضع الفلسطيني على حاله، مع اقل قدر ممكن من التوترات، هو الحل الأمثل في ظل استحالة التوصل الى اتفاق في المدى المنظور لانعدام الإرادة او القدرة على مواجهة شارون وإجباره على تقديم التنازلات بل والتماشي التام مع سياسته وأطروحاته، ويبدو ان بوش وصل إلى قناعة بأن المأزق الصعب الذي يواجهه يتمثل في التطورات الأخيرة على الساحة العراقية والفشل الواضح للمشروع الأميركي هناك والذي انعكس في الولاياتالمتحدة عبر سلسلة من الاستطلاعات التي تشكك في صوابية الحرب والدعوة إلى سحب الجيش الأميركي من هناك لوقف النزيف البشري والمادي المتواصل. بوش أدرك ان تحسين صورته في العراق قد ينقذه من مشاكله الداخلية الأخرى داخل الحزب الجمهوري، وهو يعتقد أن التعثر في العراق لن يتأثر بأي تطور ايجابي على الساحة الفلسطينية وأن هذا التعثر لا يرتبط بالمشاكل البنيوية للسياسية الأميركية، وإنما بالتأثيرات الخارجية بخاصة من سورية، لذل فان الضغط على دمشق قد يؤدي الى نجاح ما في العراق. وهنا وجدت الادارة الأميركية في تقرير ميليس ضالتها للضغط على سورية واإجبارها على إغلاق حدودها ووقف دعمها المزعوم للمقاومة العراقية. هذا الأمر تطلب بالطبع انشغالا تاما بالملفين العراقي و السوري - اللبناني وابتعادا نوعيا عن الملف الفلسطيني و العمل على إبقائه تحت السيطرة وعدم انفجار الأوضاع بما يزعج بوش في الجبهتين العراقية والسورية - اللبنانية . من البديهي في ضوء المعطيات السابقة أن يتم التنصل من الرؤى و الخطط الأخرى و الانكباب على تقرير ميليس واستنباط رؤى و خطط جديدة تخدم الهدف الأميركي الآني وهو انتشال المشروع في العراق من عثراته. وقد تلجأ واشنطن الى التصعيد ضد دمشق ومحاصرتها وعزلها ديبلوماسيا و لكن ذلك لن يجدي نفعا في العراق لان حلول الأزمة هناك يجب البحث عنها بشكل جذري في السياسة الأميركية التي تعتمد على القوة العسكرية لتحقيق الأهداف مع ضرورة الانتباه إلى أن الأوضاع في فلسطين لن تبقى على حالها بالتأكيد وان الجمود لن يظل مسيطرا إلى ما لا نهاية في ظل التحذيرات الإسرائيلية بأن تجميد التسوية سيجعل من اندلاع الانتفاضة الثالثة مسألة وقت فقط. كاتب فلسطيني.