صحيفة"الأهرام"المصرية أعرق جريدة حكومية، أو"قومية"، بالقاموس المصري. رست فيها تقاليد الولاء للنظام منذ تأميمها. وقد حظيت مؤخراً بقدر لا بأس به حرية التعبير، وبذكاء إحتوائي معهود. ولكنها في النهاية صحيفة النظام، وهي معروفة كذلك. عشية"الانتخابات"الرئاسية، إرتأى الأستاذ أسامة سرايا، رئيس تحريرها الجديد، المعيّن منذ شهرين تقريباً، ان يستعيد واحدة من الأعراف الأهرامية العريقة: أن يدشن"عهده"بمقابلة خاصة مع الرئيس حسني مبارك، تدعم"برنامجه الانتخابي". وكل هذا لا غبار عليه: ف"الأهرام"صحيفة حكومية، وليس من المنتظر ان تفعل غير ذلك. أما صحيفة"المصري اليوم"فيومية مستقلة. صدرت منذ أكثر من سنة بقليل، واكتسبت بسرعة مصداقية إخبارية عالية. وهي تتمتع بنسبة معينة من الموضوعية، بل تتميز بقوة عن نظيراتها المستقلات، والتي نبتت كالفطر مؤخراً. لم تعتمد اسلوب الردح المعروف الذائع وسط هذه المستقلات، ولا انحصرت مثلها ب"المربّع"الرئاسي وحده. فرأت أشياء أخرى في مصر عشية الاستحقاق الرئاسي الاول في تاريخها أو عشية"الزفّة"الرئاسية، أو"المولد"الرئاسي... أو التمثيلية الانتخابية، وكلها معان تنطبق على الاستحقاق.... إذاً"المصري اليوم"صحيفة مستقلة، أعمق فهماً لمعنى حرية التعبير من اخواتها المستقلات. الآن، على ماذا ينطوي الهم الأساسي لرئيس تحريرها، مجدي الجلاد؟ ان يجيبه أحدٌ عن قلق يساوره مثلما يساور كل الوسط المعارض:"هل هناك تغيير حقيقي أم انها فترة طارئة سرعان ما سنعود بعدها الى الماضي؟". أي بمعنى أوضح، هل سوف تُستعاد حرية التعبير التي مُنحت لأصحاب الرأي والقول والقلم، ونعود الى ما قبل أيلول سبتمبر 2004، تاريخ اول صرخة علنية اطلقتها"كفاية"بشجاعة لا مثيل لها في احياء القاهرة المكتومة:"لا للتوريث. لا للتمديد"؟. الى من ذهب رئيس تحرير"المصري..."بسؤاله القلق هذا؟ الى رئيس الجمهورية نفسه. فأجرى معه مقابلة مطوّلة في نفس اليوم الذي اجرى فيه اسامة سرايا الاهرام مقابلته الآنفة الذكر"وقد نشرت المقابلة بعد يومين من نشر مقابلة"الاهرام". فلا يمكنك الا المقارنة بين المقابلَتَين. سوف نسمي، للإختصار، مقابلة الاهرام"الحكومية"ومقابلة المصري اليوم"المستقلة". ماذا في الاثنتَين؟ أولا العنوان: عنوان الحكومية" برنامجي الانتخابي مدروس ومحسوب التكاليف"عن لسان مبارك طبعاً. اما عنوان المستقلة:"قصة حوار بدأ بمغامرة... وانتهى بمكاشفة حقيقية". في الاولى، عنوان تقليدي مقولَب، وفي الثانية كلام يُريد لنفسه الجِدّة والجاذبية. في الحجم ثانياً: الحكومية أفردت نصف الصفحة الاولى للمقابلة"فيما المستقلة افردت كل صفحتها الأولى التي غدت"مقدمة"المقابلة. صفحة كاملة مقدمة للمستقلة، وثمانية اسطر مقدمة للحكومية فضلا عن صفحتين كاملتين في الداخل للأثنتين. لكن المضمون أهم من الكمية: فالمقدمة في الحكومية رزينة، شبه زاهدة، لا تدّعي شيئاً غير قيامها بالوظيفة الروتينية: شيء من المديح المعتاد وقليل من"الافكار"المعروفة... والسلام. اما مقدمة المستقلة، فتبدأ بما يشبه حلم ليلة صيف:"اعترف بأن فكرة الحوار مع مبارك داهمتني ذات ليلة دون مقدمات". يلي الحلم السؤال - القلق اياه حول مصير الحريات بعد الانتخابات، ثم الجواب - المفتاح:"اذا كان السؤال كبيراً ومصيرياً فمن بمقدوره الاجابة عليه؟ وجاءت الفكرة سريعاً: وحده الرئيس مبارك يمتلك الاجابة والضمانات". فكانت"المغامرة"بطلب مقابلة الرئيس:"هكذا ولدت الفكرة. وفي الصباح غامرتُ وطلبتُ الموافقة على إجراء الحوار مع الرئيس مبارك". وعلى هذا المنوال تمر المقدمة... من دون تفويت عبارات المديح للرئيس, التقليدية منها وغير التقليدية. اما المقابلة بحد ذاتها: ففي الحكومية لم يتغير شيء: الاسئلة تتضمّن الاجابة، والنظام المعمول به هو نظام سؤال - جواب، من غير تعقيب ولا استيضاح ولا اخذ وردّ. غائب تماما عن هذه المقابلة اي تجاوز للعرف المتّبع"هناك اطمئنان على المصير العام او الخاص؟، وإقرار ضمني بأن المقابلة انما غرضها عرض بنود البرنامج الانتخابي للرئيس. المفاجأة هي مقابلة المستقلة: نظام سؤال - جواب اياه، اطراء سياسي مثْقل بالزخرفة، يتجاوز الحكومية بأشكاله ومفرداته... فمثلا قارِنْ أول سؤال للحكومية أول سؤال للمستقلة. في الاولى، الأهرام، السؤال هو:"سيادة الرئيس حينما اطلقت مبادرة تعديل المادة 76 من الدستور والتحول من الاستفتاء الى الانتخاب في اختيار رئيس الجمهورية، هل كنت تتوقع ما نراه اليوم على الساحة السياسية المصرية؟". اما السؤال الأول للمستقلة ف:"لا أحد ينكر الانجازات التي تمّت خلال سنوات حكمكم لا سيما على مستوى البنية الاساسية والاصلاح الاقتصادي، ولكن عام 2005 شهد خطوات اصلاحية على المستوى السياسي، يراها الكثيرون اكثر عمقا وتأثيراً...". الحكومية موالية قديمة لا تحتاج الى تفخيم في ولائها البيروقراطي الرصين. المستقلة كأنها تسعى الى ولاء جديد، فلا تتوانى عن التبْخير. مع ذلك فإن لدى المستقلة إدعاء الاختلاف مع الحكومة. فنوع الاسئلة"جريئة"بالمعيار السائد الآن، تعرفها بلمحة بصر"اذ تحتوي على مفردات من نوع"الآلية"و"المدى الزمني"لتحقيق الوعود الانتخابية. لكن نظام سؤال - جواب يتكّفل باحتوائها تماماً. اما السؤال - القلق، السؤال الذي اهدى المستقلة الى خوض مغامرة مقابلة الرئيس من اجل العثور على اطمئنان على الحريات القادمة، فلا يأتي إلا في أواخر المقابلة... تسلّلا، وقبيل الخوض في القضايا الاقليمية والدولية. والطريف هو كيفية طرح السؤال - القلق:"اسمح لي بصدركم الرحب دائماً ان أنقل لسيادتكم ما يردده البعض الآن من ان حالة التسامح الحالية مع المعارضة والتيارات المختلفة... ومساحة الحرية الممنوحة الآن هي وقتية مؤقتة ما الفرق بين"وقتية"و"مؤقتة"؟ الى حين الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وان كل ذلك سيتم تقليصه مع بدء العام 2006. فكيف ترون هذا الطرح؟". كأن السؤال لم يراوده شخصياً في احدى ليالي الصيف، ولم يحرمه من الهناء والنوم مطمئنا الى الغد... فوضَعه في أسفل القائمة، و"سرّبه"عبر نظام سؤال - جواب المعتمد، أي نظام الاحتواء. ماذا نستنتج من هذه المقارنة؟ اشياء كثيرة. أهمها في هذه العجالة: ان المستفيدين المفترضين من الحرية، النسبية دائماً، لا يعرفون كيف يتصرفون بها ويتدبّرون مصيرها. كأنهم ليسوا أحراراً بحريتهم. أقسى"مغامرة"عندهم هي"إستشارة"مانحها، كما تُستشار آلهة اليونان القديمة حول شرور الدنيا. سبب او نتيجة أو الاثنان معاً لخواء معاني الحرية وسطحيتها في منطقتنا؟