ملاك أسود ثلج شمال أوروبا وشتاؤه الطويل جعلا الحزن انتاجاً وطنياً في بلدانه الأربعة، لكن النروج أنجبت التعيس الأكبر. معرض"إدوارد مونش بريشته"بدأ في أول الشهر الجاري في الأكاديمية الملكية للفنون، لندن، ويستمر حتى الحادي من كانون الأول ديسمبر. نحو مئة وخمسين لوحة تؤكد حرص مونش على الشفقة على الذات والخوف من المرأة. وُلد عليلاً فعمّد بسرعة لكي يموت مسيحياً. توفيت والدته بالسل وهو في الخامسة، وبعد تسع سنوات لحقتها صوفي، شقيقته المفضلة بعد أن أصيبت بالمرض نفسه. توفي شقيقه وهو في الثلاثين، وأدخلت شقيقته لورا الى المصح لإصابتها بالفصام. والده الطبيب في الجيش كان مسيحياً متحمساً ضرب أولاده لأتفه الأسباب، وأشعرهم بالذنب لأنهم أحزنوا والدتهم وهي في السماء بسوء تصرفهم. قرأ لهم أعمال فيودور دوستويفسكي الكئيبة وكتب ادغار ألن بو القاتمة، وأرسلهم الى أقربائه الأثرياء لكي يتسولوا. جد مونش لأمه توفي مجنوناً مريضاً بالسل فرسّخ تاريخ الحزن في شجرة العائلة."كان المرض والجنون والموت والملائكة السود التي حرست مهدي"قال ولم يحتج الى ثلج شمال أوروبا وشتائه الطويل ليصاب بكآبة طالت، خلافاً لكل التوقعات، ثمانين عاماً. عالج مونش تعاسته بتضخيمها. كان الضحية دائماً حتى عندما رفض ان يتزوج تولا لارسن بعد أربع سنوات من الغزل. كانت ابنة تاجر ثري وتبعته في أسفاره الأوروبية لكنه لم يهادن. هددت بالانتحار فنفذ هو التهديد بإطلاق النار على... الإصبع الأوسط في يده اليسرى. رسم الحادث في"على طاولة الجراحة"التي تمدد عارياً فيها على غطاء لطخته بقعة دم ضخة في حين وقف حوله ثلاثة أطباء وممرضة تمسك وعاء مملوءاً بالدم وراقب جمهور من طلاب الطب الجراحة الخطيرة من النافذة. بعد أربعة أعوام أعاد رسم الحادث مانحاً إياه بعداً آخر. نقل لوحة"موت مارا"لجاك لوي دافيد فجعل نفسه أحد لاعبي الثورة الفرنسية وتولا لارسن القاتلة شارلوت كورداي. هجس بنفسه وترك مئات الهيئات الذاتية التي أضافت شهادته الى الايمان المعاصر بعجز الانسان ولا بطولته. لكنها كانت شهادة بلا كرامة أو حياء، وأصرت على رسم الداخل لا الظاهر وحده فضخمت الضعف البشري وجعلت الحياة شركاً لا مفر من مخالبه. بدأ مونش هيئاته الذاتية بواحدة وهو في الثامنة عشرة اعتمد الواقعية فيها، لكنه تحول سريعاً الى الرمزية وانتقل الى ما وراء الهيئة. كان"الشخص، الحياة"ما يعطي الفن معناه لا"الطبيعة الميتة". تأثر في فرنسا بفان غوغ وغوغان والرمزيين الذين اختبروا جمالية جديدة استكشفت النفسي. شاع ان حياته الفنية قسمت بصرامة الى بداية لامعة وانحدار طويل، لكن المعرض في الاكاديمية الملكية يظهر تغيراً في النهج لا انهياراً. عندما عرض أعمالاً في برلين في 1903 دعت صحيفة"فرانكفرتر زايتونغ"الى محاربة هذا"الملطّخ الشمالي ومسمّم الفن". هاجمه القيصر فلهلم وقرر منظمو المعرض اغلاقه. ترك خمسة وأربعون فناناً المؤسسة التي نظمت المعرض احتجاجاً فكتب مونش الى عمته في النروج:"لم أكن لأتمنى دعاية أفضل". في 1933 كتب له وزير الدعاية النازي جوزف غوبلز رسالة معجب متهافت في ذكرى ميلاده السبعين لكن النازيين سخروا سريعاً من أعماله وضموها الى لائحة"الفن المنحط". كانت في ألمانيا نحو ثمانين لوحة لمونش باعها النازيون خارج ألمانيا بما فيه النروج لجمع العملة الصعبة لحزبهم. رفض مونش عرض الحكومة النازية في بلاده جعله رئيس المجلس الفخري للفنانين النروجيين، لكن هذه صادرت جنازته في 1944 وحولتها احتفالاً بالأعلام والشارات النازية الضخمة. صور مونش نفسه مسيحاً مصلوباً تسخر منه الجماهير، ورسم نفسه بالأبيض والأسود كاهناً يظهر رأسه وياقته فقط فوق يد طويلة من هيكل عظمي كلمة مونش تعني راهب. سجل نجاته من التهاب الشُعب القصبية والحمى الاسبانية التي حصدت أكثر من مليونين ونصف المليون ضحية في أوروبا. في هيئته بين الساعة والسرير أشار الى مرور الزمن واقترابه من الموت، وفي"الصرخة"الأشهر بين أعماله وقف على الجسر بين الماضي والمستقبل صارخاً عاجزاً عن التقدم لخوفه من الآتي. خاف النساء ورآهن غالباً مخلوقات شريرة تلتهم الرجل وتخصيه وتجرده من طاقته الابداعية. في"سالومي ? صياغة جديدة"رسم رأسه المقطوع تحت شعر امرأة طويل وسط خلفية حمراء مثلت الجحيم. أفضل الأمهات تصور اليزابيث هارلان امرأة مرعبة في"جورج صاند"الصادر عن دار يال. ضربت الكاتبة ابنتها سولانج وحبستها في الخزانة وأرسلتها الى مدرسة داخلية وأحصت عيوبها في الرسائل: أنانية، طماعة، غيورة، جاهلة ومعتدة بنفسها. عندما بلغت سولانج الثامنة عشرة سلمتها الى نحات سكير، زير نساء وغارق في الدين ليدشنها."الثمرة ناضجة ولم يعد علي أن أقلق حيال من يقطفها". قد تكون صاند نامت مع النحات نفسه ومع خطيب سولانج، أوغست كليزينييه وفق هارلان التي رغبت في كتابة سيرة صاند لتفهم دوافعها، هواجسها، مخاوفها وأهدافها. سولانج تحولت الى عاهرة معروفة في الطبقة العليا أما والدتها فتركت أدباً يحتمل النقاش حول قيمته، على انها لا تزال تثير الاهتمام بعد نحو مئة وثلاثين عاماً على وفاتها. لم تأبه أورور دوبان بالفضائح التي أثارتها علاقاتها وإدمانها على التدخين وارتداؤها ملابس الرجال وعملها. كانت والدتها مومساً باعتها لجدتها الارستقراطية ماري - اورور دو ساكس التي اخبرتها ان والدها قد لا يكون والدها. رغب هذا في الزواج من والدتها صوفي - فكتوار لكن هذه خانت عشيقها وقد تكون أورور ثمرة اللقاء مع لوي - ماميه بييريه في 1804. تعتقد هارلان ان كتابة صاند القهرية الغزيرة قد تكون رد الفعل على كتم سر أصلها. أغلقت فمها لكنها باحت بقلمها وكانت أزمة الهوية محور عدد كبير من رواياتها التسعين ومسرحياتها الخمس والثلاثين. في الثامنة عشرة تزوجت باروناً مضجراً وأنجبت منه موريس. رزقت بسولانج من عشيق وتركت زوجها وطفليها الى باريس ونوهان كلما ضجرت من زوجها كازيمير دو ديفان. لبست ملابس الرجال، بعد الحصول على اذن الشرطة، لكي تستطيع المشي في المدينة من دون أن يتحرش أحد بها، والجلوس في المقاعد الزهيدة الثمن في المسرح. اعتمدت اسم"جورج صاند"وتحولت بسرعة الى أغزر الكتاب في باريس، وعملت صحافية في وقت اكتفت نساء الطبقة الارستقراطية بالحفاظ على نعومة أيديهن. ارتبطت بكثر بينهم الشاعر ألفرد دو موسيه والموسيقي فردريك شوبان، وكتبت روايات رومنطيقية تجاوزتها واقعية صديقها غوستاف فلوبير. لا تزال تثير الاعجاب والنقد في آن واحد، وهارلان العدائية نحو موضوعها تقع في فخ مألوف مع الكاتبات. يسلّط الضوء على أصغر تفاصيل حياتهن في حين تبقى أعمالهن في العتمة. عرفت صاند حجمها الأبي وقالت لفلوبير يوماً عن آخر أعمالها:"أوه، انها روايتي السنوية الصغيرة". بحثت عن الحقيقة والجمال وكتبت بأسلوب شعري، وعرفت ككاتبة روايات لطيفة تدور حول بيتها الريفي في نوهان. على انها كتبت في الصحافة عن العلم والعبودية والعنف المنزلي وحب المحارم. سافرت وتسلقت الجبال واهتمت بالسياسة في حين لزم فلوبير مثلاً منزله، ولم يعمل مكتفياً بدخل خاص. لا تفهم اليزابيث هارلان قسوة صاند المرعبة تجاه ابنتها، وتسخر من نسوية الكاتبة المزعومة. سلمت سولانج للدعارة وعارضت حق النساء في الانتخاب قائلة ان عليهن التزام المنزل. هي وحدها حقّ لها ان تماثل الرجال وتحلم بتغيير جنسها. ارتاحت عندما بلغت"سن اليأس":"أما وأنني لم أعد امرأة فأتمنى أن أصبح رجلاً اذا عدل الرب الطيب معي". لم تفطن الى جريمتها في حق سولانج أيضاً."كان على سولانج ان تعرفني، تقدرني، تفهمني، تحترمني وتعبدني لأنني ... أعتقد انني كنت أفضل الأمهات". لم يفكر الشاعر شارل بودلير طويلاً قبل أن يقول رأيه بزميلته."حمقاء، مبعثرة ومطنبة"تسرع بإصدار رواياتها كأنها"تضع الرسائل في صندوق البريد". لم يكن بودلير ألطف الرجال وحقّ له استنكار علاقتها بشوبان ودو موسيه. ان تكون"قلة من الرجال استطاعت أن تغرم بذلك المرحاض يبرهن الدرك الذي انحدر اليه رجال هذا العصر". صاند نفسها لم تستطع تذكر ما كتبته من يوم الى يوم."لا أزال أخربش الروايات بسهولة تثير الأسى"قالت."استحق الشنق لو عرفت عمّا تدور روايتي".