على الحدود بعد اسبوعين تبدأ فرنسا الاحتفال بالذكرى الأربعين لجان كوكتو الذي رأى الشعر في كل ما فعله. ليست القصائد وحدها بل أيضاً الروايات والمسرحيات والمقالات واللوحات والأفلام. لم يكن كبيراً في أي منها لأنه كان أكبر من فنه. كانت حياة كوكتو تحفته التي حاول نقلها في أعماله وإذا بالعلاقات ملتبسة ملبّدة الحدود. انتحر والده عندما كان في العاشرة فاقترب من أمه حتى أصبح عملياً من جنسها. دعا اصدقاءه الشبان "أبنائي" وحاول تبني أحدهم، وكانت علاقة صديقه جان ماريه القريبة من حب المحارم بوالدته اساس "الأهل الرهيبون". ارتاب كثيرون بشعوره نحو والدته، وتصرف السورياليون كالمراهقين كلما رغبوا في إغاظته إذ اتصلوا بها لإبلاغها بانتحاره. رأوه شريراً، غريباً فطاردهم ليثبت العكس وغفر أذاهم بسرعة. لقبه بابلو بيكاسو ب"العاهرة" لكن اندريه جيد اعترف بسحره ورأى نفسه أخرق، مملاً ونكداً بالمقارنة. في "صعوبة الوجود" قال كوكتو: "ينمو شعري دائماً، في كل الاتجاهات، وكذلك أسناني ولحيتي. لا بد من أن أعصابي وروحي تنمو بالطريقة نفسها، ولذا لا يفهمني أولئك الذين ينمون في اتجاه واحد". بحث عن اعتراف الآخرين منذ طفولته وآلمه العداء فلجأ الى الأفيون الذي استنشق منه ثلاثين غليوناً في اليوم أحياناً. رفضه الجيش في الحرب العالمية الأولى لأسباب طبية فارتدى زياً شبيهاً ببذلة ضابط واتجه الى الخنادق. لكن ما لبث أن تركها عندما اكتشف انه وجد متعة في الحرب فقرف من نفسه. بعد ثلاثة دواوين شعرية بهيجة وهزيلة حققت مسرحيته "أورفيوس" نجاحاً كبيراً، ثم كتب أفضل نثره عندما كان يغالب الإدمان على الأفيون. تناولت "الأطفال الرهيبون" شاباً وشقيقته يعيشان سوياً ويموتان عندما يدخل العالم الخارجي غرفتهما الشبيهة بغرفة الكاتب. قراءة الرواية باتت طقساً للمراهقين الفرنسيين المشرفين على البلوغ، واختلط فيها الدمار بالمحرمات والعقاب. تأثر كوكتو بالسوريالية وترك الحلم والأفيون يقودان فنه كتابة وسينما. قصده الممثل جان ماريه يوماً ليطلب دوراً في "الملك أوديب" فخرج من الغرفة المخصصة للأفيون في الفندق برداء نوم مهلهل لطخه المخدر. حصل الشاب الوسيم على البطولة لكن كوكتو ما لبث أن اتصل به: "كارثة. انني احبك". بردت علاقتهما في الحرب العالمية الثانية التي حوكم الكاتب خلالها بتهمة التعاون مع النازيين ثم برئ. تعرّف الى عامل منجم يوغوسلافي الأصل يصغره بخمسة وثلاثين عاماً بات صديقه ومدبر شؤون بيته ووريث أملاكه وتركته الفنية والأدبية. كره التحليل النفسي على رغم استفادته من مادته، وكثرت المرايا في أعماله كأنها صوّرت سعيه الى البحث عن وجهه. حياته وفنه لم يمنعا تصميمه أربع كنائس في فرنسا وواحدة في لندن اسمها "سيدة فرنسا". عندما توفيت صديقته المغنية إديث بياف في خريف 1963 أصيب بنوبة قلبية وتوفي بعد ساعات عن أربعة وسبعين عاماً. الحماقات والشعر يصدر الأسبوع المقبل الجزء الثاني والأخير لسيرة الشاعر الإرلندي "و. ب ييتس: المجلد الثاني، رئيس الشعراء 1915 - 1939 عن دار أو. يو. بي، ويركز فيه ر. ف. فوستر على علاقة الشاعر الخمسيني بالنساء وهوسه برجولته ازاء خطر الموت في الثلث الأخير من الحياة كان أكد اسطورته في الأدب المعاصر و"أنجز ييتس" وان انتظر حتى 1923 لينال جائزة نوبل. جمع الإرلندي النخبوي الحماقات المدهشة والشعر الرفيع، وأوجعه عشق مود غون التي رفضت الزواج منه خشية أن تحطم سعادة فنه. وجد نفسه مغرماً بابنتها غير الشرعية ايزولت لكن هذه فضّلت الشاعر الأميركي ازرا باوند الذي صغره بعشرين عاماً. في الثانية والخمسين تزوج برتا التي صغرته بنصف عمره وعرفت باسم جورج. اكتشفت في أول شهر العسل عشقه لايزولت ووجدت حلاً سريعاً للعريس الزائغ العينين. كانت زميلته في "جماعة الفجر الجديد" التي آمنت بالسحر وأقنعته بأن الأرواح اختارتها وسيطاً لنقل رسائلهم. باتت تكتبها بطريقة "آلية" وتجيب على أسئلة ييتس شبه اليومية، وتمرر مطالبها المنزلية والزوجية. عندما حملت قررت الأرواح أن الطفل سيكون منقذ إرلندا، لكن ولادة طفلة قلّلت حماسه. كان الطفل الثاني ذكراً قضى على دور "جورج" وسيطاً مع العالم الآخر، لكنها لم تنسحب وان غضت النظر عن علاقاته. ساعدته بآرائها الأدبية وقدرتها اللغوية، وما كان بعض كتبه ممكناً لولاها. اعتمد وليم بتلر ييتس 1865 - 1939 منذ صغره على لطف النساء ولم يبادله بمثله بالضرورة. ساعدته شقيقتاه لولي وليلي مادياً وطبعتا دواوينه الأولى في مطبعتهما لكنه امتنع عن مساعدتهما عندما جال في أميركا وكسب مبلغاً محترماً. تبرعت صاحبة شركة انكليزية للشاي بكلفة تأسيس "مسرح آبي" في دبلن لكنه اعتبر الطبقة الوسطى عدوة الفن. كتب بعض أجمل شعره، "المجيء الثاني" و"ليدا والبجعة"، في مرحلة علاقة زوجته مع الأرواح وعندما كذبت الأخيرة وهب اهتمامه لأرستقراطية وممثلة مجنونة وصحافية يسارية. بات عجوزاً داعراً اهتم في ستيناته بتعزيز قدرته الجنسية بعدما هجس في حياته وشعره بالعجز. أجرى عملية لمنع "الهدر" وحُقن بغدة القرد واستعاد قدرته كما قال لفرجينيا وولف. عاد يكتب أيضاً لكن صديقه إزرا باوند وجد لغة لا يفهمها أحد في "ملك برج الساعة الكبيرة" الذي غيره الى "بدر في آذار"، وتمنى الشاعر الأميركي أن يخدّر بالكلوروفورم قبل أن يصل هو الى "تلك المرحلة". كان شديد الخجل والرغبة في آن. منح إرلندا هوية ثقافية عندما أسس "مسرح آبي" لكن نجاح فرقته في انكلترا وأميركا عارضت قدرته المحدودة كمسرحي. فرض على الممثلين اتخاذ أوضاع كالتماثيل والنطق بأصوات موسيقية صاحبتها قيثارة أحياناً. شاء تخليص المسرح من "الحماقات المتراكمة" فكانت ضحاياه العقدة والحدث وبناء الشخصية وحياتها الداخلية والمشاهد التي كرّسها المسرح في عهد اليزابيث الأولى. هنريك ابسن الذي ساهم في صنع المسرح الحديث أثار قرفه بواقعيته الاجتماعية. رفض الدعاية القومية في فنه فاتهم بالتعاون مع الانكليز، مود غون قد تكون رفضته لأنه لم يكن مقاتلاً لكن شعره مهد للانتفاضة الإرلندية في 1916. قارن ضيق الأفق في إرلندا بالتسامح واللطف الاميركيين في أول القرن العشرين وترسخت نخبويته. وحدها القلة الارستقراطية الخلاقة قادرة على تحطيم المادية والتقليد لدى الضعفاء الودعاء. والمهتمون ببناء مساكن للطبقة العاملة عاطفيون غامضو الرؤية في أفضل الأحوال. عندما قرأ "هكذا تكلم زرادشت" بدا كأن نيتشه يعبّر بالدقة التي ينشدها عن أفكاره. اعتبر مود غون الارستقراطية "احدى الآلهة الذهبية". وقال ان شعب إرلندا لن يغفر زواجها بالضابط ابن البقال لأنه يحترم الارستقراطيين أكثر من أي شعب آخر. اعتبر الإرلندي أذكى من الانكليزي ودعا شعبه الى إحياء لغته الخاصة التي جهلها ييتس لكي يضطر أكبر المفكرين إلى تعلمها و"اللحاق بالعصر". الشاعر الكبير عضو مجلس الشيوخ، وأحد صانعي إرلندا الحديثة عاش أميناً لتناقضاته. في كل أحدب، قال، هناك قيصر، وفي كل قديس داعر. لم ولم كان رومنطيقياً محباً للحريات وطنياً ومؤلف قطع ثورية؟ تقضي بتينا ايزلر في "جنازة شوبان" الصادر عن ليتل براون على الاسطورة التي ساهمت لوحة اوجين ديلاكروا الرومنطيقي في صنعها. لم يكن حالماً رقيق الملامح بل قصير القامة ذا أنف معقوف وشعر باهت. لم يحب برليوز وشومان وليست بل باخ وهايدن وموتسارت. لم يعجب بالشرائح العريضة من الجماهير بل الطبقة الارستقراطية بملوكها وأميراتها. لم يشارك مواطنيه البولنديين المنفيين في باريس تطلعاتهم الليبرالية وأملهم في العودة بل شاء أن يبقى في فرنسا، وفعل حياً وميتاً. عندما احتلت روسيا بولندا في 1830 كان في فيينا. اتجه الى باريس حيث تنافست عليه سيدات الصالونات وسحر الجميع بعبقريته وارتجاله المدهش. كان عشر الفرنسيين يعزفون على البيانو يومها وعرفوا قدر الموسيقي الشاب الذي عزف بنعومة منعت الجالسين في آخر قاعة كبيرة من سماعه. أحب التأنق وباتت ملابسه موضة لكنه مات في التاسعة والثلاثين فقيراً منهكاً بالسل وان ودع بجنازة ضخمة. وقف الآلاف في الكنيسة والشوارع وقاد الموسيقيين برليوز وبرامز وسان صان. كره استرجال جورج صاند عندما التقاها للمرة الأولى وعندما ارتبطا بعلاقة عارضت غزارتها وسرعة كتابتها بطئه وتفكيره الطويل بكل نوتة. تكشف ايزلر أن صاند ارتدت ملابس الرجال لكي تحضر الأوبرا وحيدة وتشتري بطاقة زهيدة. اختلفا حول ميول صاند اليسارية وعشاقها وابنتها سولانج التي كرهتها في حين أحبها هو ودللها. لم تنجح علاقتهما جسدياً ربما لمزاجية فردريك شوبان وقلة خبرته أو، تلمح المؤلفة، لمثليته المكبوتة. مغرور باذخ ناكر للجميل، كان، ولكن أيضاً نابغة خلافاً لصديقته التي لم يبق أثر لانتاجها الغزير.