اعلن رئيس الوزراء اللبناني بعد زيارته لدمشق اتفاقاً على تشكيل لجنة مشتركة"فورية"للنظر في الاتفاقات والبروتوكولات الموقعة بين البلدين بغية جعل بنودها"لمصلحة"كل منهما"مع احترام سيادة كل من البلدين واستقلاله". ليست هذه خطوة ضرورية فحسب وانما هي لافتة بتوقيتها المبكر وخصوصاً باعترافها غير المباشر بأن في تلك الاتفاقات ما يوجب تعديلها، اما لردم الثغرات او تحجيم المبالغات او ل"ازالة اي غبن يشعر به اي طرف في حال وجوده"كما جاء في بيان مشترك. هذه ورشة عمل كبيرة لا تخلو من تعقيدات وصعوبات خصوصاً بالنسبة الى الاتفاقات الاقتصادية. اذ ان واقع الهيمنة أغرى بمنح اعفاءات جمركية للبنانيين او بمبادرات أريحية في مجال المياه، بمقدار ما ساهم في ترتيب احتكارات في قطاعي النفظ والاتصالات وغيرهما. لذلك يفترض ان تجرى اعادة النظر في الاتفاقات بمنهجية تغلب بناء تعاون دائم وثابت على قاعدة المصالح المتبادلة، كما تقتضي إعمال الشفافية وعدم ترك ملفات ملغومة للمرحلة المقبلة. وبذلك يمكن تأسيس علاقة مجدية للبلدين والشعبين من دون هدايا لا داعي لها. لن تكون المهمة سهلة في اي حال نظراً الى تداخل المصالح، واحياناً كثيرة الى غموض النصوص التي تهدف الى تأمين استفادة اشخاص او هيئات من دون سواهم، وهو ما اصبح يسمى اصطلاحاً"المافيا السياسو - بزنسية". فإذا صح وجود مثل هذه"المافيا"فإنها لا تعني سوى استمرار النفوذ السياسي بأساليب وطرق غير مرئية. وفي مصلحة المعنيين ان يبادروا الى"تطبيع"اوضاع اعمالهم وتسويتها لئلا تنشغل"دولة ما بعد الانسحاب"بالبحث عن الفضائح واصطيادها. فكل شيء مفتوح وممكن في علاقة التعاون، وكل شيء سيكون موضع شك ومراجعة في ما تم تحت وطأة الهيمنة واستقلالاتها السياسية والامنية. لا شك ان الحالة السورية في لبنان انشأت حزباً من المستفيدين، ومن الجانبين، والاستفادة من الحالات الشاذة تكون دائماً ملتفة على القوانين. لا بد ان هذا"الحزب"انتهى او في صدد التفكك لأنه اصبح بلا حماية ولا غطاء، بل ان زواله مصلحة للبلدين لأن المستفيدين ليسوا اصحاب"قضية"ولا هم ايضاً نماذج للولاء، وكل ما في الامر انهم استخدموا ثغرات الحالة القائمة لتحقيق مصالح ذاتية. لا رئيس الوزراء اللبناني ولا البيان المشترك اوضح تحديداً ما هي الاتفاقات التي ستوضع للمراجعة. وليس معلوماً اذا كان الجانبان جاهزين لاعادة النظر في الاتفاقات السياسية والامنية. لكن اشارة الرئيس نجيب ميقاتي الى"السيادة والاستقلال"قد توحي بأن المراجعة ستكون شاملة. اذا صح هذا التفسير - وكل شيء خاضع للتكهن والتخمين في غياب الوضوح - فإنه نقطة ايجابية للطرفين. طبعاً هناك سؤال مشروع: لماذا التفكير الآن، فقط، ب"السيادة والاستقلال"؟ وبديهي ان مجرد اثارة الامر يعني ان انتهاكاً كان حاصلاً. الاكثر بداهة ان لبنان ليس الطرف الذي كان ينتهك سيادة سورية واستقلالها. فإذا كان هناك حرص عليهما الآن فلا بأس في تسجيل هذه الايجابية ايضاً، وفي مصلحة حكومة ميقاتي ان تصرّ وتحرص على اعلان اي مراجعات، كما ان في مصلحة دمشق ان يُنجز كل شيء تحت الضوء فالعلاقة المستقبلية الطيبة بين الشعبين اهم من اي هيمنة. ويراد اخضاع ملف المعتقلين والمفقودين للجنة المشتركة الفورية. حسن، لكن الافضل ان تبادر سورية الى حل هذه المسألة بطريقة"فورية"بعدما سوّفت فيها كثيراً، وبعدما اعلنت مواقف ظهر في ما بعد انها غير صحيحة. اما قول رئيس الوزراء السوري"ان هؤلاء اللبنانيين المعتقلين في سورية اذاً، هناك معتقلون! هم"ارهابيون"وان قضيتهم تعود الى 25 او 30 عاماً خلال الحرب الاهلية"لا يبرر اطلاقاً عدم الافصاح عن اعدادهم واسمائهم والتهم المحددة الموجهة اليهم، ولا يبرر ثانياً الاستمرار في اعتقالهم بعد مرور ربع قرن ونيف، ولا يبرر ثالثاً عدم التفكير في نقلهم الى سجون لبنانية، ولا يبرر رابعاً منع الحكومات اللبنانية المتعاقبة من مجرد الاستعلام عنهم والاطلاع على ملفاتهم وتفقدهم واتاحة الفرصة لأهلهم او للصليب الاحمر الدولي لمقابلتهم ومعرفة احوالهم. ينبغي ان تدرك الحكومتان ان هذا الملف قد رسّخ احقاداً ومرارات كان بالإمكان تجنبها لو ان الاعتقالات والمحاكمات والاحكام تمت علناً في ظروف نزاهة وانسانية. نأتي الى قضية العمال السوريين في لبنان، فهذه لا يُعرف حقاً لماذا لم تفطن الحكومتان الى تنظيمها ووضع ضوابط لها. لقد ادى الاهمال الى جعل هؤلاء البشر الباحثين عن لقمة العيش تحت رحمة السياسات المتأرجحة والعنصريات المنفلتة، وحتى الثأرات الهمجية من جانب بعض اللبنانيين. منذ زمن بعيد يأتي سوريون للعمل في لبنان لأن هناك حاجة حقيقية اليهم، لكن تغيّر احوال اللبنانيين ودخول الاجهزة الامنية على الخط للمتاجرة بالعمال السوريين أوجد حالة لا علاقة لها بسوق العمل. هذه ايضاً من الشذوذات التي عاشها لبنان في ظل الهيمنة، ولعل معالجتها تساهم ليس فقط في حفظ كرامة العمال وانما في منحهم اخيراً وبشكل قانوني ما يحق لهم من حقوق. وهكذا فالمسألة لا تقتصر فقط على"السيادة والاستقلال"وانما خصوصاً بكرامة الانسان سواء كان معتقلاً في اسوأ الظروف او عاملاً يتعرض لأقذع انواع الاضطهاد. لا بد للمراجعة ان تشمل ايضاً العقليات التي تبني علاقة سوية بين البلدين.