بيننا وبين المثقفين السوريين اكثر من تاريخ عتيق وأرض متجاورة وحدود مشتركة. بيننا وبينهم الشعر والنثر والفنون، ومسائل اخرى ليس اقلها الجروح النازفة كينابيع، وسماء واطئة تمنع عليهم الحرية، مثلما تمنعها علينا. لن أتحدث عن مراحل العلاقات الثقافية اللبنانية - السورية، ادباً وفكراً وفنوناً، فهي ربما ثلاث منذ الخمسينات حتى اليوم: مرحلة التلاقي والتداخل والتلاقح، وخصوصاً في زمن الألق اللبناني وبرق الحياة ولهيبها وتأجج الحريات ومجلة "شعر" وثورة الحداثة. تلتها مرحلة من الانقطاع منذ منتصف السبعينات حتى اوائل التسعينات، وصولاً الى المرحلة الاخيرة التي تتفتح على حال نسبية من التفاعل في اللغة والأفكار والهجس والتطلعات. هذا كله نسبي في كل حال. فالمسألة الاساسية هي الآتية وتتمثل على المستوى السياسي بسلطة سورية تتحكم برقبة الكيان اللبناني وبطبقته السياسية ومؤسساته واداراته، وبسلطة لبنانية تابعة للنظام السوري، مع ما يستتبع هذا التشخيص من وقف للحياة السياسية والانسانية، الحرة والديموقراطية، في كل معانيها، في لبنان وسورية على السواء. في شأن العلاقات الثقافية، اتوقف عند "بيان ال99" مثقفاً سورياً الذي يدعو الى الغاء حال الطوارئ والاحكام العرفية واصدار عفو عام عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والسماح بعودة المشردين والمنفيين والسياسيين وارساء دولة القانون والاعتراف بالتعددية السياسية والفكرية وحرية الاجتماع والصحافة والتعبير عن الرأي. وأتوقف عند "بيان الألف" وحركة المنتديات التي اطلقت في سورية ثم اوقفت. وأتوقف عن بيان وقعه 185 سورياً يقيمون في المهجر ويدعو ربما للمرة الاولى الى "اعادة بناء العلاقات السورية - اللبنانية على قاعدة التنسيق المشترك في مواجهة اسرائىل، وبما يضمن استعادة لبنان لعافيته ولحمته الوطنية واستقلاله السياسي". وأتوقف ايضاً عند المقالات الغزيرة والجريئة التي ينشرها المثقفون السوريون في جريدة "النهار" و"الملحق" الثقافي فيها، وفي "الحياة"، وعند المقالات التي ينشرها مثقفون لبنانيون في "النهار" خصوصاً، وفي "الحياة"، وهذه كلها تطرح مسألة العلاقات اللبنانية - السورية على بساط البحث وتكشف النقاب عن عمق الازمة. أريد ان اخاطب المثقفين اللبنانيين بالآتي:التأكيد ان العلاقات بين لبنان وسورية هي من الثوابت، وان لا عودة الى زمن القطيعة والانقطاع، وانما البحث عن سبل التضامن والتعاون بين البلدين. مواجهة النعرات العنصرية التي تطفو احياناً على السطح، بما يسيء الى العلاقات بين الشعبين. البحث عن السبل الكفيلة لتطوير البلدين بابتكار مفاهيم جديدة تواجه العولمة، فضلاً عن سبل تخطي التقابل بين الاتجاه السلفي في المجتمع والاتجاه التبعي، بما يؤدي الى تحديد علاقة المنطقة بالحداثة والانفتاح والعصرنة. وأريد ان اخاطب المثقفين السوريين بالآتي: المساهمة في وقف النظرة السائدة في تاريخ العلاقات اللبنانية - السورية بأن لبنان بلد مصطنع اوجده الاستعمار بعدما جرى سلخه عن سورية، وبأن عودة لبنان الى سورية هي مطلب شرعي. الضغط من اجل فتح حوار فعلي بين لبنان وسورية، اي بين الدولتين وبين الهيئات المدنية في البلدين، هدفه تصحيح العلاقات القائمة بما في ذلك عودة الجيش السوري الى وطنه، باعتبار ان وجوده في لبنان غير طبيعي. المساهمة في بلورة المفاهيم والأطر التي تمكّن سورية من الالتحاق بالعصر. طبعاً، ليس المثقفون اللبنانيون جسماً واحداً، ولا المثقفون السوريون هم كذلك، لكن ارساء العلاقات بين البلدين يتطلب حركة مزدوجة من المثقفين اللبنانيين في اتجاه سورية، ومن المثقفين السوريين في اتجاه لبنان. في كل الاحوال، لا يمكن ارساء العلاقات على قاعدة هيمنة احد البلدين على الآخر بالقوة العسكرية، ولا يمكن ان تقوم العلاقات السورية مع لبنان على "بعثنة" لبنان وحكمه بالمخابرات ونظام الحزب الواحد. ربما آن الاوان لكي يضطلع المثقفون السوريون واللبنانيون بدور اساس في بلورة تطورات طليعية وطبيعية للعلاقات، واستلهام صيغة سياسية وثقافية وانسانية تحفظ للبنان حقه الجوهري والمطلق في الحرية والسيادة والاستقلال وتؤمن لسورية ظهيراً لبنانياً مخلصاً. * كاتب لبناني.