رد بعض الصحافيين اللبنانيين، أو البيروتيين - والنسبة الثانية أدق - ردوا على "مديح" محمود درويش بيروت، باسم القدس وباسم الفلسطينيين، بترديد أجزاء من أركان اعتقاد عروبي، سياسي وثقافي، يعود الى مقتبل العقد الثامن، وأسهم في تمهيد الطريق الى الحروب "اللبنانية" وتكثيرها. وينص الاعتقاد هذا، أو الأجزاء المتجددة منه، على دَيْن بيروت الثابت، اليوم كما بالأمس وغداً من غير ريب، بعصمتها الثقافية العربية، وب"بريقها" عاصمةً ثقافية عربية، الى "فلسطينيتها"، والى اصطفاء "الشعب الفلسطيني" إياها ملاذاً وبيتاً، ومنبراً وقاعدة و"هانوي"، على ما كان بعض الفلسطينيين يقولون وما زال بعض اللبنانيين يحلمون ويأملون. ويصدر الإعتقاد الثقافي والسياسي هذا عن مقدمات لا لبس فيها، ذكَّر الشاعر والناثر السياسي الفلسطيني ببعضها في كلمته، ترسي "الثقافة" على الهوية القومية، وتحملها على لسان الهوية المبين والصريح - مثل النسب الجامع الصراحة الى الحرية في القول العربي المأثور. وقد لا يعدو الإرساء والحمل هذان التعليل الخطابي. ولكن إرساء الثقافة على الهوية القومية العروبية، وحملها على لسان الهوية، يضطلعان في لبنان، اليوم شأنهما بالأمس، بعمل يتعدى الخطابة الى "التعبئة" الثقافية، على قول الخمينيين وأنصار توسيع "الصراع" الى ميدان النفوس و"هندستها" ستالين والمفوض على ثقافته، جدانوف. فهما يفترضان مسلَّمةً لا مناقشة فيها تحمل لبنان على "الوطن الناقص"، بحسب وَسْم زاوية "ثقافية" كتبها أحد صحافيي الإلْب "اللوبي"؟ الفلسطيني السياسي في لبنان. ونقص لبنان الكينوني هو قيامه برأسه ونفسه ودولته وأدبه وثقافته، وانقطاعه السياسي الجزئي من العصبيات القومية المتعاقبة والمتقاتلة. ولما كان هذا شأن لبنان، الدولة والمجتمع، لم يتم وطناً وهوية وثقافة، إلا ب"تتمة روحية" وثقافية يفيض عليه بها من يملكون من الهوية خزيناً يمنون به على أهل الهوية المنقوصة. واتفق أن كان هذا شأنَ المنظمات الفلسطينية، السياسية والمسلحة والأمنية، في أواخر العقد السابع، غداة هزيمة 1967، وأوائل العقد التالي. فاجتمع اليها بلبنان الذي أقصر القول عليه بعض اللبنانيين الذين نسبوا تحفظ الدولة، وشطر كبير من الجماعات، عن مساندة السياسة الفلسطينية، المسلحة والأمنية وهذا ما يسميه درويش اليوم، بحياء مفرط: "لقد اختلطنا الى حد التماهي والى حد الفوضى"، الى ضعف الهوية العربية، والالتحاق بالغرب واستشراقه ورأسماليته، والى طلب مصير مستقل عن "الشعب العربي"، الناصري والواحد، لا سبيل اليه، والى استقلاله، الا الضلوع في المؤامرة على الفلسطينيين وقتلهم. وإذا مدح الناثر السياسي الفلسطينيبيروت، وهو يريد ربما أقل من نصف الكلم المربع الذي ألمَّ به، ويمدحها معه صحافيو الإلب والصَّحْب، فإنما يمدحها بما لا يتأتى إلا لضعاف الهوية القومية، الميممين وجوههم شطر "النسيج الثقافي المتعدد" وغربه، وجاعلي "الآخر" وجهاً، وليس "جزءاً"، من سيرة هي رحلة، وليست "طريقاً". فهو يمدحها بما عابها به، وعليه، أهل إلْبه، عندما ذهبوا الى نقصان الوطن اللبناني هوية قومية قوية، وأرادوا استتمامها من طريق الكفاح المسلح الفلسطيني، ومنظماته السياسية والعسكرية والأمنية. ولم يدعُهم اعتقادهم هذا الى انكار الثقافة اللبنانية، الأدبية والسياسية، برمتها، وحسب - فغفلوا، وهم "مؤرخون" مستعجلون وعمر ذاكرتهم لا يتجاوز الأشهر التي سبقت يفاعتهم وفتوتهم، عن التجديد الشعري، العربي والفرنسي، الذي انتهى بعض إرثه الى "شعر"، وعن تدبر شيحا ورباط والصلحيين هيئات الاختلاط الدستورية - بل توهموا أن الثقافة وأبنيتها هي "أفكار صحيحة" ماوتسي تونغ، وآراء قويمة ومستقيمة تقضي في الأمور والمسائل كلها من غير التباس. وذلك أن هؤلاء المثقفين، على ما يسمون أنفسهم عن جدارة ولكن على معنى لا يحتسبونه، هم أولاد الاستدلال المنطقي الفقير و"الكئيب"، على زعم مارتن لوثر الألماني. فالحياة التي تلدها المجتمعات على وجوه كثيرة وملتبسة، وترسيها على مبانٍ متجددة - هي التي يمدح الشاعر الفلسطيني، اليوم، بعضها - قد لا يجد معظمها طريقه الى العبارة، ويبقى أسير خطابة رتيبة. وهذه الحال، بعض السبب فيها تخلف مسالك العبارة والثقافة عن فرادة التجريب والإختبار، وإقامة هذه المسالك على سنن الهويات الأهلية وإرثها و"ذاكرتها" العصبية. ولا ريب في أن مداحي الذاكرة العصبية، وخالطي مديحهم الرتيب هذا بنسبة أنفسهم الى الحداثة السياسية والأدبية، لم يتنبهوا على ما التمسته كلمة محمود درويش ولكنها نكصت دونه وتعثرت. فدعوة الناثر السياسي الفلسطينياللبنانيين الى "ترميم الزمان"، و"نسيان أمر ما"، والى "تبديد الغيوم العابرة" و"الوفاء للمعاني المشتركة الباقية"، جسراً الى "الغفران والمصالحة"، هذه الدعوة تخففت، في خروجها الى البيان، من شرط "المصالحة" وهو طلب الصفح والمغفرة. ولعل درويش على بيِّنة من هذا الشرط، ومن قيامه وضرورته، أكثر بكثير من صحبه المحليين، وبعضهم هؤلاء اقتنص فرصة زيارة درويش ليهجو وزير الثقافة! فهو يعلم أن "التماهي" و"الاختلاط" كانا حاجة فلسطينية ربما، ولم يكونا قطعاً حاجة لبنانية. فلماذا لا يعتذر محمود درويش، باسمه هو وليس باسم "فلسطين" على ما تشبّه بعض عباراته ويحسب مستقبلوه الذين يحسبون أنهم "الشعب اللبناني"، لماذا عما سبق منه؟ لماذا لم يعتذر، وطلب "المصالحة"، وقدَّم لها ب"القلب الواحد، والوجع الواحد"، مجدداً التماهي والاختلاط في معرض الإنكار عليهما؟ * كاتب لبناني.