لوهلة يبدو الاستقلال اللبناني الثاني شبيهاً بالاستقلال الأول الذي ناله بعض الدول. ذاك أن الحرب الأهلية ما لبثت أن نشبت في بلدان كالجزائر واليمن الجنوبي وروديسيا وغيرها، تماماً بُعيد استقلالها. حتى نشأة باكستان كانت، كما هو معروف، نتاج حرب أهلية شقّت الهند ما أن نالت الاستقلال. والنزاعات المذكورة لا تفيها كلمة"أهلية"حقّها. فهي جميعاً دارت بين أطراف كانت شاركت في المعارك الاستقلالية، وسار تنافسها الضاري جنباً الى جنب سعيها وراء الهدف الواحد الذي هو: الاستقلال. بطبيعة الحال، يقع تشبيه مُبالغ كهذا وقعاً مُخيفاً على اللبنانيين. وهم، في ذلك، على حق. فلا الانقسام الأهلي، ولا التبايُن داخل أطراف المعارضة، يرقيان الى السوية التي بلغتها تناقضات البلدان المشار اليها. وهناك أربعة أسباب، على الأقل، تحمل مجتمعةً على استبعاد أن يصاب الأفق السياسي بالانسداد المحكم: - فاللبنانيون لا تزال ذاكرتهم طريّة نسبياً عن الحرب الأهلية-الإقليمية. وهم لئن اختلفوا في فرز المادة التي تنطوي الذاكرة عليها، وفي تأويلها، فإنهم يتفقون على وصفها بالألم والمعاناة. وليس من المبالغة القول إن الحرب المذكورة شكّلت مُتَنفّساً لطاقة عنفية استفرغت، على مدى عقد ونصف العقد، الكثير مما اختزنته. - وإذا صح أن التجربة الشبابية في"ساحة الشهداء"بقيت أصغر من أن تحجب الطوائف، كما لم تكن مقطوعة الصلة عنها وعن امتداداتها الحزبية، إلا أنها أسست حالة أكبر من أن تتجاهلها الطوائف، إن بوصفها تجربةً ومعنى أو بحملها نواة رأي عام مدني. - أما الخلافات التي ظهرت حول الحكومة وقانون الانتخاب وغيرهما، فلم تغدُ التحالفات الطائفية التي ترتّبت عليها صافية في طائفيتها. ذاك أننا لا زلنا نتحدث عن أحلاف وأحلاف محتملة متعددة طائفياً، وعن منافسات بالغة الضراوة داخل أطراف أساسية تنتمي الى الطائفة نفسها. - وأهم من كل ما عداه اشتمال لبنان بمظلّة دولية، وبأخرى إقليمية متجانسة معها، يُستبعد أن تتركا"الصِبية الصغار يتقاتلون". فأمر البلد، وإلى حد ما المنطقة، أهم من أن يُترك لطوائفه وغرائزها المدمّرة. لكننا نخطىء حين ننام على صمّامات الأمان النسبية الفعالية ونغرق، من جديد، في وهم وحدة وطنية يتعادل الجميع أمامها تعادُل أسنان مشط. ونخطىء أكثر حين لا نلاحظ ذاك الاندغام الفوري بين لحظتي الانسحاب السوري، أي الاستقلال، وانفجار النوازع الطائفية والجماعاتية على أنواعها. فإذا صح أن الغالبية حرّكها ويحرّكها استرجاع السيادة، فإن كل واحد من مكوّناتها يقرن السيادة تلك بموقع له سيادي. وهي، مرة أخرى، حالة عالمثالثية بامتياز يقيم فيها تفتت السلطة، السياسي منها والمجتمعي، ونقص الإجماعات، والصدور عن تواريخ فرعية متباينة، وضعف الحس بالمسؤولية العامة. وقد سبق لأعراض كهذه أن دمّرت أوطاناً وأدمت أخرى، وحملت مثقفين بارزين على مُساءلة مبدأ الاستقلال نفسه، إذ"ما الفائدة - كما كتب في. أس. نايبول ذات مرة - في أن يملك المرء شيئاً يفتقر الى تعريفه؟". وقد رتّب فشلُ العديد من البلدان في إضفاء تعريف ايجابي على استقلالها استمرارَ خوض المعركة الدونكيشوتية ضد"الاستعمار"، على رغم انقضاء أكثر من نصف قرن على نزعه ورحيله! فإذا صح، والحال هذه، أن الاستعمار كلي القدرة، كان الاستقلال عنه عبثاً مُكلفاً وجب، منذ البداية، تلافيه. وبلغة أخرى، لئن كان ثمة من يبرّرون الاستقلال بما قبله، أي بطلب الحرية والشرف والكرامة، بل حق تقرير المصير وتملّك الثروة الوطنية، فهناك من يبرّرونه، أو لا يبرّرونه، بما بعده، أي بالمضمون الذي ينجح الاستقلاليون، أو يفشلون، في ملئه به. وربما توافرت للبنانيين، اليوم، وحدة قياس لا تخطىء: كلما زاد هجاء"السوري"ذاك التعبير الغريب الذي جلا، كان المعنى نقصاً أكبر في قدرة اللبنانيين على تعريف استقلالهم، وتالياً نقصاً أكبر في استحقاقهم له. إنها، في الحساب الأخير، مسؤوليتهم التي لن يتمكن العالم، الى ما لا نهاية، من إجبارهم على الوفاء بها.